أما أحدهما فتفضل به ديكتاتورنا العظيم على الرعية البائسة قبل أن يبرح مصر في الربيع الماضي ليستشفي ويستريح، ويستعد للاستقالة أو للإقالة، وأما الآخر فيريد أن يتفضل به وزير المالية الجديد على الرعية البائسة؛ ليكون فاتحة خير ووسيلة من وسائل الدعاية للوزارة الجديدة.

ومما لا شك فيه أن الدكتاتور المستقيل لم يَنْسَ الدعاية واستبقاء الذكر الحسن في نفوس الرعية البائسة حين طابت نفسه الكبيرة للرعية الصغيرة عن هذا المليون، ومما لا شك فيه أيضًا أن وزير ماليتنا العظيم لا ينسى الدعاية وكسب الأعوان والأنصار حين تطيب نفسه الغنية لهذه الرعية المحرومة عن هذا المليون.

ومن المحقق أن صدقي باشا لم يَسْتَفِدْ من المليون الذي نزل عنه دعاية واسعة ولا ضيقة، ومن المحقق أيضًا أن صبري بك لن يستفيد من هذا المليون الذي ينزل عنه دعاية واسعة ولا ضيقة. فقد لقي الشعب مليون صدقي باشا بالفتور وسيلقى مليون صبري بك بالفتور، والله يعلم كيف وُزِّع مليون صدقي باشا، والله يعلم كيف يُوزَّع مليون صبري بك.

ولكن الأمر الذي يستحق التفكير والتدبر، ويدعو إلى الروية والتأمل هو أن هذين الرجلين العظيمين يجدان الملايين في سهولة ويسر، يتمناهما أو يتمنى بعضهما كثير من وزراء الدول الغنية الكبرى. فقد وجد صدقي باشا مليونًا في أعقاب الميزانية الماضية، واقتصد صبري بك فيما يُقال مليونًا من صلب الميزانية الحاضرة، وكلا الرجلين لم يخفض ولم يفكر في تخفيض مرتبات الموظفين، وكلا الرجلين لم يعدل ولم يفكر في العدول عن المشروعات الكبرى التي تدفع إليها الدولة دفعًا، سواء أكانت هذه المشروعات مفيدة أو غير مفيدة.

والناس جميعًا يعلمون أن هذين الرجلين العظيمين مهما يكن حظهما من الكفاية وطول الباع، وسعة الاطلاع، والقدرة على الابتداع، فالله عز وجل لم يمنحهما القدرة على أن يخلقا شيئًا من لا شيء، ولا على أن يقولا للملايين كوني فتكون.

وإذن؛ فقد كان عند هذين الرجلين العظيمين مقدار من المال لا بأس به لم تحتَجْ إليه الدولة في العام الماضي، فتفضل به صدقي باشا على الشعب، وأي شعب؟! ولا تحتاج إليه الدولة في هذا العام فيتفضل به صبري بك على الشعب، وسنرى أي شعب.

وهذا المقدار يجب أن يكون قد أُخِذَ من الرعية؛ لأن الله لم يُعوِّد وزارتنا ولا غيرها من الوزارات أن يمطر عليها ذهبًا أو فضة أو ورقًا، وإذا كان هذا المقدار قد أُخِذَ من الرعية، والرعية بائسة يائسة، معدمة محرومة، يلتمس كثير منها قوت أبنائه وبناته فلا يجد، بعد الجهد والمشقة وبعد الكد وطول العناء، فقد يكون من الواضح فيما أظن أن الدولة تقسو وتسرف في القسوة، وتشط وتغلو في الشطط لتكلف الجائع المحروم، والمعدم البائس أن يقدم إليها من المال ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليه وما يحتاج هو إلى جزء يسير منه ليعيش.

ومعنى ذلك أن الدولة لا تجبي الضرائب، أو قُلْ لا تجبي من الضرائب ما يكافئ حاجتها للقيام على مرافق الناس ومصالحهم، وإنما تستصفي أموالهم استصفاءً، وتمتص دماءهم امتصاصًا، وتعرق لحمهم عرقًا. حتى لا تدع لهم إلا الجلد اللاصق بالعظم، لا أكثر من ذلك. ولو استطاعت أن تدع لهم أقل من ذلك لفعلت. ومعنى ذلك أن هذه السياط التي كانت تُسلَّط على ظهور المعسرين لعجزهم عن أداء ما تطلب الدولة إليهم من المال، لم تكن سياط الحق الذي يضطر إلى العزم والحزم، ولا سياط العدل الذي يلجأ إلى الشدة والعنف، وإنما كانت سياط الظلم الصارخ، والجور الذي لم يكن يستحي أن يبدي وجهه القبيح المنكر للناس في ضوء النهار.

ومعنى ذلك أن هؤلاء الفقراء والأغنياء، وهؤلاء المعسرين والموسرين الذين تُحجَز حاصلاتهم الزراعية في غير حق لاستيفاء ما تطلب الدولة من المال، إنما يتكلفون نتائج هذا الحجز ويحتملون أثقاله المادية والمعنوية في غير حاجة من الدولة ملجئة ولا ضرورة للدولة ماسة، بل لأن الدولة تريد أن تجمع المال، وأن تجمع المال ليس غير، وأن تجمع المال مهما يكلفها جمعه من قهر للناس وقسوة عليهم، ومن تجاوز للقانون وخروج على المألوف في تنفيذ القانون.

ومعنى ذلك أيضًا أن الوزارة السابقة قد كانت تفهم عمل الحكومة فهمًا خاطئًا، وكانت تقدر، فيما يظهر، أن الحكومة إنما هي أداة من أدوات الدولة لجمع المال على أي نحو لجلب المال من أي طريق، لا أن الحكومة أداة من أدوات الدولة لخدمة الشعب والترفيه عليه، ولتحقيق مصالح الناس وتيسير أمورهم.

وإذا كان هذا هو فهم الوزارة السابقة للحكم، وتقدير الوزارة السابقة للصلة بين الدولة وبين الشعب؛ فليس غريبًا بحال من الأحوال أن تنتهي هذه السياسة بالشعب إلى هذه الحال المنكرة التي هو فيها، وأن تنتهي بالوزارة السابقة إلى هذا المصير المنكر الذي انتهت إليه، وأن تفسد رأي الناس في الوزارة، بل رأي الناس في المبادئ التي تقوم عليها الوزارة، وأن تمحو من نفوس الناس ما ينبغي أن يقوم عليه الحكم لا أقول من الحب والمودة، بل أقول من الثقة وحسن الظن اللذين يجعلان الناس بمأمن من الظلم والجور، واللذين يملآن قلوب الناس اطمئنانًا إلى أن الحكومة تخدمهم ولا تظلمهم، وإلى أنها لا تجبي منهم المال إلا بمقدار الضرورة التي تدعو إليها مرافقهم ومصالحهم.

ثم ليس غريبًا أن تسرف الوزارة السابقة فيما أسرفت فيه من إنفاق المال بغير حساب فيما لا ينفع ولا يفيد، أو فيما يمكن تأجيله والانتظار به أعوامًا طوالًا.

نعم؛ وليس غريبًا أن تُعقَد المؤتمرات في مصر ويُرسَل المندوبون لحضور المؤتمرات في غير مصر، وأن تحيي الأوبرا فصلها الأنيق الملهى في ليالي الشتاء، وأن تُقام العمارات الشاهقة في غير حاجة إليها، وأن يُدعى الأجانب لإلقاء المحاضرات، أو لغير إلقاء المحاضرات، وأن تَعْبُر أموالنا البحر لتنصب في خزائن الصحف الأوروبية، ولتسبغ على مفوضياتنا ألوانًا زاهية من الترف.

ليس شيء من هذا غريبًا ما دامت الدولة تجمع المال على النحو الذي كانت تجمعه عليه، وتسرف في إنفاق المال على هذا النحو الذي كانت تسرف في إنفاقه عليه، حتى إذا دار العام المالي وجد صدقي باشا بعد الإسراف والتبذير مليونًا ينزل عنه هدية لمن أراد أن يشملهم بعطفه قبل أن يسافر للاستشفاء، ثم لا يكاد ينتصف العام المالي، والحكومة مسرفةٌ ما شاء لها الإسراف في المال تنفقه عن يمين وشمال حتى يستطيع الوزير الجديد أن يجد مليونًا يريد أن يهديه إلى الناس دون أن يمس مرتبات الموظفين، ودون أن يمس المشروعات الكبرى. ولعله أن يكون قد اقتصد هذا المليون من نفقات الحبر، والورق، وأقلام الرصاص!

والنتيجة الواضحة الجليلة لهذا كله محزنة حقًّا، تدمي القلوب وتمزق الأفئدة وتظهر حياة هذا الشعب المسكين في صورة من البؤس والشقاء لا يستريح إليها ضمير الرجل المتحضر، ولا تطمئن إليها نفس الإنسان المهذب. فإن الدولة التي تظفر بالملايين بعد هذا الإسراف الذي نحن فيه يجب أن تكون غنية حقًّا، وقد قلنا منذ أشهر، وما زلنا نقول اليوم، إن إسراف الدولة في الغنى حين يسرف الشعب في الفقر والبؤس لا يدل على حكم مستقيم يعتمد على العدل والإنصاف ورحمة الناس والرفق بهم، وإنما يدل على شيء آخر نكره أن نسميه باسمه القبيح. فإذا قُدِّرَتْ مصروفات الدولة بهذه الملايين التي تُقدَّر بها في كل عام، ثم أمكن أن يُؤخَذ منها مليون بهذه السهولة التي دُهِش لها المستشار المالي الإنجليزي فيما تقول الأهرام أمس؛ فليس من شك في أن الاقتصاد الصحيح والتدبير النزيه ينتهيان إلى تخفيض هذه المصروفات تخفيضًا عظيمًا جدًّا يريح دافع الضرائب من كثير من هذه الأعباء الثقال التي تنوء به وتضطره إلى شر حال.

يجب إذن أن يفيق المصريون، وأن يفكروا في هذا البلاء الثقيل الذي ينغص عليهم حياتهم ويفسد عليهم أمورهم، وأن يسألوا أنفسهم كيف كان البرلمان يراقب الوزارة في شئون الميزانية، وكيف استطاع البرلمان أن يدع هذه الميزانية تمضي كما مضت، وكيف قيل له أن الوزارة قد احتملت من المشقة والجهد شيئًا عظيمًا لتصل إلى موازنة هذه الميزانية إلى تحقيق التكافؤ الدقيق بين الدخل والخرج. فلو قد كان هذا الكلام حقًّا لما كان من الممكن أن يظفر صدقي باشا بمليونه ذاك آخر العام، وأن يظفر صبري بك بمليونه هذا في منتصف العام.

نعم؛ ويجب أن يفيق المصريون ويسألوا أنفسهم كيف استطاع وزير المالية الجديد أن يدبر هذا المليون، ما دام البلاغ الرسمي ينبئنا بتدبيره. فنحن بين اثنتين إما أن يكون صبري بك قد اقتصده من أشياء ليس منها بد، فهو إذن مخطئٌ خطأً شديدًا معرض مصالح الدولة للخطر، وإما أن يكون قد اقتصده من أشياء لا تدعو إليها الحاجة ولا تلجئ إليها الضرورة؛ وإذن فقد كان صدقي باشا مسرفًا في مال الأمة، سيئ التقدير لهذا التكافؤ بين الدخل والخرج.

وكم نحب أن نسمع رأي صدقي باشا في هذا المليون الجديد الذي اقتصده صبري بك في أقل من أسبوع؛ فقد كان صدقي باشا في أول عهد هذه الوزارة بالحكم يوحي إلى صحيفته أن تحذر وزير المالية الجديد من الوعد بالاقتصاد؛ لأن الاقتصاد لا سبيل إليه. فنحب أن نعلم كيف اقتصد وزير المالية هذا المليون، وماذا يرى صدقي باشا في هذا الاقتصاد.

ونحب قبل كل شيء وبعد كل شيء، أن يتنبه المصريون إلى أن ألوانًا من العبث الخطر تحيط بهم وبمرافقهم؛ فهؤلاء قوم يعصرونهم عصرًا، ويرهقونهم إرهاقًا، ويكلفونهم من المال فوق ما يطيقون، ثم يسرفون فيما يجمعون من المال ما وسعهم الإسراف، ثم إذا احتاجوا إلى الدعاية واستعطاف القلوب عليهم ردوا على هذا الشعب المحروم في شيء من الأنفة والكبرياء، وإظهار التفضل والعطف ببعض ما أخذوا منه بالقوة والعنف والبطش وتسليط العذاب.

كلا؛ لم يُهْدِ صدقي باشا مليونه ذاك إلى أحد وإنما رد ما لم يكن ينبغي أن يؤخذ، ولن يهدي صبري بك مليونه هذا إلى أحد، وإنما يرد بعض ما لم يكن ينبغي أن يؤخذ.

ولو استقامت أمور الناس في هذا البلد التعس لرُدَّ عليهم أكثر مما يُهْدَى إليهم الآن، ولَسُئِل الوزراء عن هذا العذاب الذي يُسلَّط على الناس في جمع أموال تقوم البراهين في كل يوم على أنها أكثر جدًّا مما تحتاج إليه الحكومة.

ولكن كيف تستقيم أمور الناس، وهم ليسوا من تدبيرها في شيء؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.