توجد في اللغة العربية كلمات كثيرة بقي لها معناها المجازي على الألسنة، حتى ليقع اللبس في أيهما السابق وأيهما اللاحق في الاستعمال.

ونبدأ بكلمتَيِ الحقيقة والمجاز، وهما أقرب الشواهد على اقتران المعاني الأصلية والمعاني المنقولة في تلك الكلمات.

فالحقيقة فِكْرة مجرَّدة قد تبلغ الغايةَ في تجردها من المحسوسات، ولكن مادة الكلمة تُستخدَم للدلالة على ما يُلمَس باليد ويقع تحت النظر، فيُقال: «انحقت» عقدة الحبل؛ أي: انشدت، وحق: بلغ حافة الطريق.

والمجاز مِن جاز المكان أو جاز به غير معترض. ويقال: هذا جائز عقلًا؛ أي: غير ممتنع ولا اعتراض عليه. وهذه كلمة مجازية؛ أي: يمكن أن تنطلق في هذا المعنى، أو أنها تحتمله مع معناها الأصيل. وكلمات: انطلق، وامتنع، واعترض، واحتمل. أمثلة أخرى لاقتران المعنى الأصيل والمعنى المنقول؛ فكلها تُستخدَم للمحسوسات وغير المحسوسات.

ويُلاحَظ هذا الاقتران بين المعاني المجردة والمعاني المحسوسة في كثير من المسائل الفكرية والصفات الخلقية التي تجتمع في مادة واحدة: كالواجب والفريضة، والفضيلة والحكمة، والعقل والعظمة، والأنفة والعزة، والنبل والشرف، والرحمة والجمال، والبشر والعلم، والشك والثقة، والذكاء … إلى كثير من أشباهها.

فيُقال: وجب، بمعنى: ثبت. والوجبة بمعنى: الأكلة في وقت ثابت. والواجب بمعنى: اللازم أو العرف أو المنطق.

ويُقال «الفريضة»: عن الخشبة التي فُرِضت؛ أي: حُزَّت وبُيِّنت فيها العلامات. ويُقال «الفرائض»: عن الحدود المُبيَّنة الواضحة.

والفضيلة: كل بقية أو زيادة. والفضيلة: هي الخُلُق الذي يدل على فضل أو زيادة عند صاحبه. والفاضل: هو الذي عنده زيادة أو يتفضل بعطائه على غيره.

والحكمة: مادة تجمع بين الدلالة على الرشد والدلالة على الحديدة التي تُوضَع في اللجام، تمنع الفرس أن ينطلق غاية انطلاقه، وهي «الحكمة».

والعقل كالحكمة، والحكمة فيما يشبه هذين الغرضين. ويقال: تعقَّلَ الأمرَ؛ أي: تدبَّرَه وأَدْركه. وتأتي «تدبَّره» أيضًا بمعنى مشى في أعقابه، وأدركه بمعنى لحقه ووصل إليه.

أما العظمة فهي صفة العظيم، والعظيم هو الكبير العظام أو الكبير الأخلاق والمزايا.

والأنفة من حركة الأنف في حالة الترفع والاشمئزاز، وهي حركة تشبه الإشاحةَ بالأنف أو ضمَّه لاتقاء رائحة تُعَاف.

والعزة يُوصَف بها المكان المنيع والرجل المنيع، فالعزيز في الحالتين غير السهل المباح.

والنبل: ما ارتفع من مكان أو شأن، وكذلك الشرف؛ وهما وصفان للخلق الرفيع أو المرتبة الرفيعة.

والرحمة: هي عاطفة ذوي الأرحام، وتدخل العاطفة مثلها في هذا القياس، فيُقال: عطف على الإنسان، كما يُقال: عطف على المكان.

والجمال: مادة تجمع بين التجمُّل بمعنى التزيُّن والتجمُّل بمعنى أكل الشحم، وكأنما أخذ ووصف الوجه الجميل من الوجه الذي يمتلئ ويلمع؛ لأنه ليس بشاحب ولا معروف.

وبشر الأديم، يبشره، بشرًا: قشر بشرته التي عليها الشعر. والبشر: تهلل بشرة الوجه كأنه ليس عليه حائل، والبشرة ما ظهر من نبات الأرض وعشبها.

ويبدو أن العِلم (بالكسر) والعَلم (بالفتح) والمعالم التي يُعرَف بها الطريق من مادة واحدة، وأن الشك مأخوذ من هيئة الرجل الذي يرتاب لأنه يطرق ويتأمل، أو من الظلع لأنه لا يسير على سواء.

والثقة ما يحصل من اليقين أو من الشد بالوثاق، والذكاء مَلَكة الفهم واتقاد النار.

ومن هذه المجازات ما هو قويُّ الدلالة على أحوال الأمة العربية في حياتها الأولى؛ فالكتابة والشكل والرسم والبلاغة والفصاحة والدلالة نفسها كلماتٌ مستعارة من حياة أقوام رعاة وقبائل مترحلة.

فالكتابة والشكل بمعنى القيد، والرسم أثر خطو الإبل على الرمل في رسيمها أو سيرها على العموم، والبلاغة من الوصول إلى غاية المسير، والفصاحة من اللبن الفصيح الذي زال رغوه، والدلالة للقافلة كالدلالة للكلام.

وإذا قال العربي القديم: إن العرب قوم أو قبيل، فإنما يعني بالقوم طائفة من الناس تقوم معًا للقتال. فالشاعر الذي سأل: «أقوم آل حصن أم نساء؟» لم يخطئ الغرض. وإنما جاء اللبس أو جاءت الحاجة إلى التفسير حين أُطلِقت كلمة القوم على الأمة كلها، فوجب أن تُطلَق في معناها هذا على الرجال والنساء.

وما الطائفة؟ وما القبيل؟ إنهما جاريتان على هذا المجرى. فالطائفة أناس يطوفون معًا، والقبيل أناس يمضون إلى قبلة واحدة … ومثل هذا إطلاق كلمة القرن على الذين يقترنون في مولد واحد، ثم أُطلِقت على الزمن الذي يقترنون فيه، ويشبه أن يكون الجيل بمعنى القرن على فعيل من جال، ثم تحوَّلت من جويل إلى جيل.

***

ونستطرد بما تقدَّم إلى المقارنة بين اللغة العربية واللغات الأخرى في استعمال المعنى الحقيقي والمعنى المجازي في وقت واحد، فيبدو لنا من هذه المقارنة أن الكلمات التي تُستعمَل للغرضين كثيرة في اللغة العربية وليست بهذه الكثرة في اللغات الأوروبية. وقد يرجع هذا الفارق إلى غير سبب واحد، فلعله راجع إلى تطاول العهد بين بداوة الأمم الأوروبية وحضارتها، ولعله راجع إلى انتقال لغاتها إلى حالتها الحاضرة من لغات قديمة بطل استعمالها وانقطعت فروعها من أصولها.

ولعله راجع إلى خاصة عربية بدوية في التعبير بالتشبيهات المجازية أو الشعرية.

وأيًّا كان السبب، فالخلاصة العملية التي نتأدى إليها من هذه الملاحظة أننا لا نحتاج كثيرًا إلى التسلسل التاريخي في وضع معجماتنا الحديثة؛ لأن هذا التسلسل ضروري في اللغات التي يكثر فيها إهمال الكلمة في معنى وسيرورتها في معنى آخر. ولكنه لا يبلغ المبلغ من الضرورة حين توجد الكلمة مستعملة في جميع معانيها على السواء أو على درجات متقاربة.

ومن النتائج العملية لتلك الملاحظة، أن نذكر في سياق التجديد والمحافظة على القديم أن العرب كانوا مجدِّدين على الدوام في إطلاقهم الكلمات القديمة على المعاني الجديدة، ونحن لا نعدو سباقنا هذا حين نلتفت إلى الأصل في كلمة القديم والأصل في كلمة الجديد، فنتخذ منها شاهدًا على ما ذهبنا إليه.

فالتقدم: هو السير بالقدم. ويقال: تقدَّم؛ أي: مشى بقدمه. كما يُقال: ترجَّل؛ أي: مشى برجله. وتقدَّمه؛ أي: مشى أمامه. ومن هنا التقدم بمعنى السبق، والقديم بمعنى الزمن السابق.

ولا ندري على اليقين كيف أُطلِقَتْ كلمة الجديد على معناها هذا في أقدم أطوارها، ولكننا ندري أن الجد هو القطع، وأن الثوب الجديد هو الذي قُطِع حديثًا. فلعل هذا المعنى من أقدم معاني الجديد، إن لم يكن أقدمها على الإطلاق.

وظاهر من جملة هذه الملاحظات أن أهل العربية جدَّدوا كثيرًا في مجازاتهم، وأننا نستطيع أن نحذو حذوهم.

ونحن نقول: «إننا نحذو حذوهم.» ولا نظن أننا نبعد في اتخاذ الكلمات لمعانيها المستحدثة مسافة أبعد من المسافة بين الأصل في حذو الجلد وبين المجاز في دلالته على الاقتداء والاهتداء، ولا أبعد من الأصل في كلمة «المسافة» حين أُطلِقَتْ على الموضع الذي يسوف فيه الدليل تراب الأرض ليعرف موقعه من السير. ثم استُعِيرَتْ لما نعنيه اليوم بالمسافة، وهي كل بُعْد بين موضعين.

وشرط اللغة علينا أن نصنع كما صنع أهلها، فنُجدِّد في المعاني من طريق المجاز حيث لا يكاد السامع يُفرِّق بينهما للوهلة الأولى: أهي أصل في اللغة قديم، أم مجاز جديد؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.