لم نشك حين أذاعت الأهرام صباح الإثنين ذلك الحديث الضخم الفخم الجميل الطويل الذي ألقاه رئيس الوزراء إلى صحيفة من صحف باريس، في أنه حديث غريب مريب، وفي أن الذين يعنيهم أمر السياسة المصرية والسمعة المصرية لن يدعوا هذا الحديث يمر كما يمر غيره من الأحاديث. ولم نتردد في أن نؤثر الصمت عنه والصبر عليه وإمهال الوزارة؛ لعلها تصلحه أو تنفيه إشفاقًا على رئيس الوزراء أن يكون التعب قد أنطقه بما لم يرد، أو أن يكون محدثه لم يحسن الفهم عنه والتصوير لآرائه؛ لأن رئيس وزرائنا بارع حين يتحدث، وحين يتحدث في اللغة الفرنسية بنوع خاص، فجائز أن يعجز عن فهمه الفرنسيون أنفسهم، وفوق كل ذي علم عليم. ولكن صحيفة صدقي باشا غضبت من صمت المعارضة وضاقت به وأنكرته فأسرفت في الإنكار، وزعمت أن المعارضين قد أشفقوا من هذا الحديث وفروا من شرحه وتفسيره؛ لأن فيه ذكرًا للمفاوضات المتصلة بين مصر وبين الإنجليز، وفيه ما يدل على أن الوزارة قوية شديدة القوة، باقية طويلة البقاء، ثم أخذت صحيفة الوزارة تصد بخد وتجلو عن خد، وتشير إلى العلم بأشياء لا يعلمها الناس، وإلى كتمان أشياء لا تستطيع أن تبدي عنها الآن.

هنالك تناولنا حديث رئيس الوزراء بالشرح والتفسير، وبينَّا فراغه من كل معنًى قيِّم، أو مذهب في السياسة حكيم، وأظهرنا الناس على أن هذا الحديث مريض معتل، لا حظَّ له من صحة ولا قوة ولا مهارة.

وما هي إلا يوم حتى أنبأتنا صحيفة من صحف المساء أمس، بأن بعض المقامات الرسمية تتحدث بأن في الحديث تحريفًا، وبأن مجلس الوزراء قد شغل به أمس. ثم أصبحنا اليوم فإذا الأهرام تفصل لنا الأمر تفصيلًا، فتحدثنا عن ثقة بأن رئيس الوزراء بالنيابة قد اتصل بوزيرنا المفوض في مصر، وتلا عليه ما نشرت الأهرام من هذا الحديث، وطلب إليه أن يرجع فيه إلى رئيس الوزراء المقيم في فرسايل ليستريح. ثم تنبئنا الأهرام بأن وزيرنا المفوض قد أبرق إلى الحكومة هنا ينبئها بأن رئيس الوزراء قد تحدث حقًّا إلى تلك الصحيفة الباريسية، ولكن محدثه لم يكن أمينًا في النقل، ولم يعرض عليه الحديث ليجيزه قبل أن يذاع، وأن رأي رئيس الوزراء في الدَّين والامتيازات لم يتغير. ومعنى ذلك — إن كنا نفهم لغة الأهرام — أن رئيس الوزراء بالنيابة قد أنكر الحديث الذي أضيف إلى رئيس الوزارة بالأصالة فراجعه فيه، وتلقَّى منه تكذيبًا لبعض ما جاء في هذا الحديث. واشتغل الوزراء أمس بإنكارهم وتكذيب رئيس الوزراء. وأكبر الظن أنهم هموا أن يصدروا بلاغًا برد الأمور إلى نصابها، ولكنهم لم يعرفوا كيف يصدرون هذا البلاغ؛ لأن برقية وزيرنا المفوض لم تكن مفصلة ولا واضحة، فاكتفوا بما أذيع في المقطم مساء أمس، وبما نشر في الأهرام صباح اليوم. ومن يدري؟! لعل الله يفتح على الوزارة برسالة برقية أخرى أكثر تفصيلًا وأشد طولًا، فترد حديث رئيس الوزراء إلى حيث يجب أن يكون، وتنفي منه ما لا ينبغي أن يصدر عن رئيس الوزراء!

ومهما يكن من شيء، فلم نكن مخطئين حين شككنا في هذا الحديث، ورددنا مواضع الضعف فيه إلى تعب المحدث، أو خيانة الناقل. ولم تكن صحيفة الوزارة موفقة حين آثرت الكلام على الصمت والتفصيل على الإيجاز. ولكننا قلنا وما زلنا نقول: إن أمر الحكم الشعبية الخالدة غريب؛ يؤمن بها الناس ولكنهم يخالفون عن أمرها! فلو قد أذعن رئيس الوزراء لهذه الحكمة القائلة: إن كان الكلام فضة فقد يكون الصمت ذهبًا؛ لأراح نفسه من تعب كثير ليس هو في حاجة إليه. ولو قد أذعنت صحيفة الوزارة لهذه الحكمة القائلة: عدو عاقل خير من صديق جاهل، لما اضطرت نفسها إلى هذا الموقف السخيف الذي تقفه الآن بإزاء حديث أقل ما يوصف به أنه محرف غير صحيح. على أن تصحيح هذا الحديث أو تكذيبه في مصر لا قيمة لهما، وإنما الذي يجب أن يكذب الحديث في فرنسا حيث أذيع، وأن يعلم الفرنسيون الذين قرءوا هذا الحديث أن رئيس الوزارة المصرية أذكى وأفطن وأحجى وأرزن من أن يذيع مثل هذا الكلام!

والغريب أن رئيس الوزراء قد استرد حبه للكلام، واستعاد رغبته في التحدث إلى الصحف. فقد كان مؤثرًا للصمت منذ مرض، ولا يقول حتى حين يجب القول، ولا يتكلم حتى حين يفرض الكلام. ولكنه لم يكد يقيم في فرسايل أسابيع، حتى أحب الحديث فأذاع في أيام ثلاثة حديثين؛ كذب أحدهما، والله يعلم أيكذب الآخر أم يترك من غير تكذيب؟

هذا الحديث الآخر ألقاه صدقي باشا إلى صحيفة باريسية عظيمة الحظ من الشيوع والانتشار، وهي صحيفة «الإيكودي باري». ونشرت لنا الأهرام خلاصته صباح اليوم، ولعلها تنشر تصحيحه أو تكذيبه صباح غد أو بعد غد، فهو في حاجة إلى التكذيب أو إلى التصحيح. وأكبر الظن أن رئيس الوزراء إن مضى فيما بدأ فيه من إلقاء الأحاديث، فقد ينغص على الوزراء حياتهم في مصر، وقد ينشئ لهم ولنفسه مصاعب لا تحتاج إليها وزارة ضعيفة كوزارتنا القائمة.

فرئيس الوزراء لا يتحرج من أن يعلن إلى محدثه الأجنبي أن في مصر حزبًا يحب الثورة ويتأهب لها، وهو الوفد! وقد تفضل رئيس الوزراء فنفى أن يكون الوفد شيوعيًّا، أو أن يكون للشيوعية في مصر أنصار. ولكن الوفد على كل حال ثائر في رأي رئيس الوزراء، وفي حديثه الذي نشرته صحيفة من صحف باريس الكبرى. ونحن نعلم أن رئيس الوزراء متعب مكدود، ولعل تعبه أن يكون قد أخرجه عن طوره، ولعل تعبه أن يحول بينه وبين حسن التقدير. فليس الثائر هو الذي يأبى أن يمس الدستور بالوقف أو التعديل أو الإلغاء، لا سيما إذا كان الدستور لم يظهر فيه نقص أو ضعف أو احتياج إلى الإصلاح، ولا سيما إذا لم يكن الشعب منكرًا لهذا الدستور أو ضيقًا به أو ساخطًا عليه. ليست المحافظة على هذا الدستور ثورة، وإنما الخروج عن المألوف هو اطراح هذا الدستور وتغييره بغير الطرق التي نص عليها فيه للتغيير والتعديل. ومن المحقق أن الوفد لم يقف الدستور وإنما أنكر وقفه، ولم يعدل الدستور وإنما أنكر تعديله. ومن المحقق أن الوفد قد حرص منذ صدور الدستور الأول على أن يحترم هذا الدستور ويبذل كل ما يملك من قوة وجهد لصيانته والمحافظة عليه. ولكن الوفد الذي حرص على احترام الدستور والمحافظة على النظام يراه رئيس الوزراء ثائرًا ويذيع عنه حبه للثورة في صحف باريس؛ لأن التعب قد يقلب وضع الأشياء عند المتعبين، وقد يحول بينهم وبين الصواب في تقدير الأمور وتصويرها. وبعد، فلمصلحة مَن يذاع هذا الحديث؟! ألمصلحة المصريين؟ فليس من منفعة المصريين في شيء أن يذاع عنهم أنهم يحبون الثورة ويتوقون إليها. ألمصلحة الوزارة؟ فليس من منفعة الوزارة في شيء أن يذيع رئيسها أن في مصر حزبًا ثائرًا قد قام هو ليقضي عليه أو ليصرفه عن الثورة، فأخفق ولم يوفق إلى شيء بعد أن أقام في منصبه ثلاثة أعوام. الإنجليز وحدهم هم الذين يستفيدون من هذا الحديث؛ لأنه يسيء ظن الأجانب بمصر وأهلها ويضطرهم إلى أن يبالغوا في الاعتماد على إنجلترا لحماية مصالحهم، وفي الإقرار لما تتخذ إنجلترا من ضروب الشدة وألوان السياسة المنحرفة في مصر. فهل أراد رئيس الوزراء أن يدافع عن سياسة الإنجليز أمام الفرنسيين؟ ومن الذي نصبه محاميًا عن الإنجليز؟ أم هل أراد رئيس الوزراء أن يدافع عن سياسة الإنجليز؛ لأن الدفاع عن سياستهم دفاع عن سياسته هو؟ وهل يرضى رئيس الوزراء أن تعرف سياسته إن كانت له سياسة بهذا التضامن المسرف مع سياسة المستعمرين. أكبر الظن أن رئيس الوزراء لم يرد شيئًا إلا أن يتكلم وهو مريض، فمن الحق عليه أن يتجنب الكلام، وأن يتجنب الكلام في السياسة بنوع خاص. وأكبر الظن أن الوزراء سيجهدون أنفسهم لعلهم أن يظفروا بوسيلة تمكنهم من أن يطلبوا إلى رئيسهم في رفق وظَرف أن يكف عن الأحاديث.

ولم يكن رئيس الوزراء أكثر توفيقًا حين ذكر الامتيازات في حديثه الأخير. فالمفروض فيه بحكم منصبه أنه مطالب بحقوق مصر، ملح في الدفاع عنها والحرص عليها، متشدد في ذلك إلى أقصى غاية التشدد، ولا سيما حين يتحدث إلى الصحف السيارة. فإذا لم يكن بد من اللين وإظهار شيء من التسامح، فلا ينبغي أن يكون ذلك إلا في المفاوضات الرسمية الخاصة. فإذا جاء رئيس الوزراء فأعلن في الصحف أن مصر تريد إلغاء الامتيازات، ولكنها تؤثر الصبر والأناة والتدرج فهو لم يحسن الدفاع عن الحق ولا النهوض بالواجب؛ لأنه لم يزد على أن قال للأجانب: اطمئنوا ولا تراعوا فإن عمر الامتيازات طويل؛ لأننا نريد إلغاءها، ولكن على مهل وأناة وفي صبر ورفق وبعد أن يتم اتفاقنا مع الإنجليز، وبعد أن يقبل الإنجليز إلغاء هذه الامتيازات، وبعد أن يرضى الإنجليز معونتنا على السعي لإلغاء الامتيازات. كذلك قال رئيس الوزراء لمحدثه الباريسي، وأكبر الظن أن هذا المحدث قد ضحك فيما بينه وبين نفسه وقال: إذن فما زال الأمد بعيدًا، وما زالت الطريق إلى إلغاء الامتيازات طويلة ملتوية شاقة! وأكبر الظن أن مثل هذه الأحاديث ترسم للأجانب خططهم في الدفاع عن الامتيازات، فما دامت حكومتنا تحب الصبر فسيصبر الأجانب ويصابرون، وما دامت حكومتنا لن تلغي الامتيازات حتى تفرغ من الخلاف بيننا وبين الإنجليز، فسيعمل الأجانب ليتصل الخلاف بيننا وبين الإنجليز، وما دامت حكومتنا لن تلغي الامتيازات حتى يقبل الإنجليز إلغاءها، فسيعمل الأجانب ليمنعوا الإنجليز من قبول هذا الإلغاء، وما دامت حكومتنا لن تلغي الامتيازات حتى يرضى الإنجليز ببذل معونتهم لنا على إلغائها، فسيعمل الأجانب ليمنعوا الإنجليز من بذل هذه المعونة. والإنجليز يحبون هذا كله ويسعون إلى هذا كله ويلحون في هذا كله؛ لأنه يؤيد سيطرتهم على مصر وحمايتهم لمصالح الأجانب في مصر. أفتظن أن أحدًا يستطيع أن يقدم إلى الأجانب من الحجج والأسلحة لمقاومة المطالب المصرية أحسن مما يفعل رئيس الوزراء حين يلقي إلى الصحف الأجنبية بمثل هذا الحديث؟!

الأصل أن الوزراء إذا أعجزهم المرض عن النهوض بالأعمال العامة استقالوا أو أقيلوا، وقد أبت الظروف إلى الآن أن يستقيل رئيس وزرائنا المريض أو يقال. أفليس من الواجب على زملائه وأعوانه والذين يؤيدونه أن ينصحوا له، بل أن يلحوا عليه في أن يؤثر الصمت، ويدع الكلام في الشئون السياسية للذين يحسنونه ويقدرون عليه؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.