أيها السادة

يذكُر المسلمون اليوم في أنحاء العالم جميعًا مولد النبي العربي عليه السلام، ولهذه المناسبة أحدِّثكم، وليس في مقدور إنسان أن يتناول بالحديث حياة النبي وتعاليمه في إذاعة، أو محاضرة، أو كتاب؛ فهذه الحياة، وهذه التعاليم قد يبلغ فيضها أن نتناول مئات المجلدات وألوفها في كل اللغات. فلأقف من حديثي اليوم عند الإشارة إلى جانبٍ من هذه الحياة يتلخص في الكلمة المأثورة: «احرص على الموت تُوهَب لك الحياة».

فقد كان رسول الله — صلى الله عليه وسلم — أشد الناس زهدًا في الحياة، وأشد الناس مع ذلك حرصًا على أن يبلِّغ رسالة ربه للناس لتكون لهم هدى ونورًا، ولتكون لهم حياةً في الدنيا والآخرة، حياةً في الدنيا باستماع القول واتِّبَاع أحسنه حين السعي في الحياة والعمل لها، وحياةً في الآخِرة برضا الله تعالى عن عباده الصالحين. وزهده عليه السلام في الحياة قد كان سنده في عمله العظيم الذي اصطفاه الله له، وللمؤمنين في رسول الله أسوة حسنة، فإذا زهدوا في الحياة واستحبوا الموت عليها كُتِبَ لهم الفوز في الدنيا والآخِرة، فكانوا في الدنيا مثل النفس المطمئنة الراضية، وكانوا في الآخِرة أحياءً عند ربهم يُرزَقون.

لما بدأ النبي يذيع دعوته بين قريش بمكة، ويدعو أهلها إلى نبذ الأوثان وعبادة الله وحده، ضاق قومه به ذرعًا وائتمروا به، لكنهم كانوا يعلمون أن بني هاشم أهله يمنعونه منهم ويدافعون عنه؛ لذلك مشوا إلى عمه أبي طالب، وكان على رأس بني هاشم، ليكفَّ محمدًا عنهم، فلما أمعن محمد في الدعوة عاد القوم إلى أبي طالب فقالوا له: «يا أبا طالب، إن لك سنًّا وشرفًا ومنزلة فينا، وقد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهَه عنَّا، وإنَّا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وسبِّ آلهتنا، وحتى تكفَّه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين.» وبعث أبو طالب إلى محمد وقصَّ عليه أمر القوم ثم قال له: «فأبقِ عليَّ وعلى نفسك ولا تُحَمِّلْني ما لا أُطِيق.» ومع ما كان يعلم رسول الله من أنه لا طاقة له بقريش، فإنه لم يتردد أن قال لعمه هذه الكلمة الخالدة: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته.»

كان من أثر هذه الكلمة القوية أن قام بنو هاشم يمنعون محمدًا ويصدون قريشًا عن إيذائه، فلما مات أبو طالب وماتت خديجة، ضاعفت قريش إيذاءها رسول الله وأصحابه، ثم ائتمروا به ليقتلوه أو يُخرِجوه من ديارهم، وأراد رسول الله أن يحتمي من قريش بثقيف أهل الطائف، فذهب إليهم يستنصرهم، لكن ثقيفًا ردوه بشر جواب وأغروا به صبيانهم يرجمونه بالحجارة. ولم يصرف الأذى رسول الله عن الدعوة إلى أمر ربه، بل عاد إلى مكة موقنًا أنه سيلقى بها من الأذى أضعاف ما كان يلقى من قبلُ، عاد إليها مستحِبًّا الموت على الحياة، موقنًا بأن الله ناصره، حريصًا على أن يتم بلاغ الهدى للناس وإن لقي في سبيله الأذى، أو لقي في سبيله الموت.

وكان الله قد هدى من أهل يثرب إلى الإيمان مَن بايعوا رسول الله فهاجر إليهم، وحاولت قريش أن تقطع عليه طريق هجرته، وأن تقتله، فلم يضعف لهم ولم يحفل بهم، ورد الله كيد قريش في نحرهم، وأنجى رسول الله من مكرهم. وبلغ رسول الله يثرب، وأقام بها، ونشر دين الله بين أهلها. أتراه حرص على الحياة بعد ذلك أو استحبها على الموت؟ كلا، بل بقي أشد ما يكون زهدًا فيها، ومغامرة بها، لم يمتنع بالمهاجرين إلى المدينة من خصومه كما كان يمتنع بأهله حين مقامه بمكة، بل وضع نفسه على رأس المسلمين جميعًا وتولى قيادتهم في غزواتهم على خطرها ومشقتها. كان على رأسهم يوم بدر إذ كان عدد قريش ثلاثة أضعاف المسلمين، وحين كان أهل مكة أشد حرصًا على الظفر بحياته مما كانوا أيام مقامه بينهم وحين هِجْرته عنهم، وكان على رأس المسلمين يوم أُحُد، ويوم الخندق، وحين فتح مكة، ويوم حُنَين، ولقد تعرَّض في غير واحدة من هذه الغزوات للقتل. أصيب يوم أُحُد بالحجارة في رأسه فوقع لشقه، وأصيبت رَبَاعِيته، وشُجَّ في وجهه، وكلمت شفته، ودخلت حلقتان من المخفر الذي يستر به وجهه في وجنته، وبلغ من إصابته أن تنادت قريش أن محمدًا قد مات. مع ذلك لم يلبث حين أنجاه الله أن ارتدَّ على رأس المسلمين في غده وسار يطلب قريشًا في عودها إلى مكة يريد قتالها، ووقف يوم حنين في طائفة قليلة ينظر إلى الألوف من رجاله يولُّون الأدبار، والعدو ينحطُّ من الجبال يتعقبهم ويود لو يظفر بالنبي ليقضي على حياته، وقف يوم حنين ينادي في الناس: «أين أيها الناس أين؟» ويطلب إليهم أن يعودوا. وعاد الناس حين سمعوا العباب بن عبد المطلب ينادي بصوته الجهوري: «يا معشر الأنصار الذين أووا ونصروا، يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، إن محمدًا حيٌّ فهلموا.» عاد الناس وقاتلوا وانتصروا وكان نصرهم مؤزَّرًا.

واجه رسول الله الموت في هذه الغزوات وواجهه في كثير من المواقف، بل لقد كان حريصًا على مواجهته حتى لكأنما يريد أن يصارعه ويصرعه؛ ذلك بأنه كان يؤمن بأن للحياة الإنسانية غرضًا ساميًا، وكان يدعو الناس إلى الإيمان بأن الله لم يخلقْنا عبثًا، وإنما خلقَنا لنقرَّ في العالم الحق ولنبلغ بالعالم الكمال. هذه رسالتنا الإنسانية التي لا مفرَّ لنا من أدائها إذا أردنا أن نبلغ من رضا الله ما نحيا به عنده جل شأنه. وكما يضحي الجندي في سبيل وطنه بحياته، وكما تضحي الأم في سبيل بنيها براحتها وبحياتها، وكما يشعر الجندي وتشعر الأم بأن الإقبال على التضحية يزيدها عذوبة ويجعلها سائغة لذيذة الطعم، كذلك يشعر الإنسان الذي سما الإيمان بقلبه إلى إدراك سبيل الحق ومعنى الكمال بلذةٍ دونها كل لذة؛ إذ يُقدِم على التضحية بنفسه في سبيل هذا الحق وهذا الكمال، فإن مات في سبيلهما مات شهيدًا فأحياه الله في جواره، وإن انتصر بهما ولهما عاش سعيدًا غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر.

هذا المثال الذي ضربه رسول الله للناس ليكون لهم فيه أسوة حسنة، والذي سما بالحياة الإنسانية إلى معناها الحق، فجعلها فكرةً تُنفَق أيام الحياة في تحقيقها، وتُبذَل الحياة في سبيلها؛ جدير بأن يقف نظرنا لتدبره، إذا كنا لم نتدبره من قبلُ، فما الحياة وما قيمتها إذا لم تكن غايتها فكرة سامية يُراد تحقيقها، لتَطُلْ الحياة أو تقصر، لنَكُنْ فيها أغنياء أو لنَكُنْ فقراء، إن لها خاتمة ننتهي إليها جميعًا، وما يبقى لنا من الحياة عند هذه الخاتمة هو قيمة هذه الحياة، ولعل عملًا واحدًا نقوم به أكرم عند الله من كثير يقتضي الأيام والسنين، فإذا لقينا الله بعد هذا العمل لقيناه بررة، وكان لنا عند الناس من الذكر ما لا تبيده الدهور.

وهل عملٌ صالحٌ تذهب الحياة في سبيله ويُبقِي الدهرُ ذكرَه كنشر الحق بين الناس، الحق الذي يؤمِّن به الإنسانُ الخيرَ للناس جميعًا، ولو أصابه من وراء ذلك أبلغ الضر وأعظم الأذى؟ وما الضر والأذى يصيبان أجسامنا ويصيبان منافعنا في الحياة إذا بقيت أرواحنا حرة طليقة، وبقيت قلوبنا مطهَّرة سليمة، وبقيت عقولنا لا تحرف القيود والأغلال، وبقيت نفوسنا لا تخضع في الحياة لشيء ولا لإنسان، ولا تعرف الخضوع ولا العبودية إلا لبارئها جل شأنه وتعالت أسماؤه. إن التضحية في سبيل هذه الحرية هي الحياة، ولو كانت هذه التضحية بالحياة نفسها، وذلك معنى الكلمة المأثورة: «احرص على الموت تُوهَب لك الحياة».

أيها السادة

لكي تقدِّروا قيمة المثل الذي ضربه رسول الله للناس حين استهان بالموت في سبيل رسالة ربه بالحق وإبلاغها للناس، تذكَّروا الذين صاحبوه وتأسوا به وعرفوا كيف يستهينون بالحياة في سبيل الحق كما استهان بها، وكيف يرغبون عنها كما رغب عنها، وكيف يزهدون فيها كما زهد فيها. تذكَّروا هؤلاء المسلمين من أبناء شبه جزيرة العرب، لقد انبعثوا من بلادهم يغزون الفُرس ويغزون الروم، حين كان الفُرس والروم سادة العالم، وحين كانت لهم مصائر حضارته. في أقل من عشرين سنة طوى الفُرس صفحة ونشروا صفحة غيرها، وطوى الروم صفحة ونشروا صفحة غيرها، في أقل من عشرين سنة امتدت الإمبراطورية الإسلامية إلى العراق، وإلى الشام، وإلى مصر لتمتد من بعد ذلك إلى الهند في آسيا، وإلى بلاد المغرب في أفريقيا، وإلى الأندلس في أوروبا، كيف تم هذا كله؟ كيف حدثت هذه المعجزة التي غيَّرت أوجه العالم وعدَّلت سير التاريخ؟ … حدثت هذه المعجزة وتم هذا كله لأن أولئك العرب استهانوا بالموت، ووهبوا حياتهم لينصروا حقيقة آمنوا بها بعد أن حرروا عقولهم وقلوبهم وأرواحهم من قيود الوثنية، وبعد أن أباحوا لأنفسهم التفكير الحر في خلق الله وفي سنته التي تنظِّم هذا الخلق.

ولن يستطيع إنسان أن يسمو إلى مكان الحق ولا أن يعرفه إلا إذا بلَّغ هذه الحرية لعقله وقلبه وروحه ونفسه، وهذه الحرية هي التي دعا رسول الله قومه إليها، ونصح إليهم أن يتحللوا من قيود التعصب لما وجدوا عليه آباءهم في سبيلها. وهذه الحرية هي أعز شيء في الوجود، بل هي الحياة كلها، والوجود كله، إذا فقدناها فقدنا إنسانيتنا وعدنا أشباحًا نروح ونغدو، ونعمل للطعام والشراب كما يعمل الوحش والطير والحيوان، أَوَليس الموت خيرًا من الانحدار إلى هذه المنزلة؟ أَلَا إنه ليُستَحَب على الحياة يومَ لا نتمتع في الحياة بهذه الحرية الكاملة الشاملة.

أرأيتم أيها السادة أن زهد رسول الله — صلى الله عليه وسلم — في الحياة إنما كان زهدًا في هذه المظاهر الزائلة التي يجيء عليها الموت يومًا من الأيام ولو تحصَّنَّا منه بأمنع الأبراج، وأنه إنما كان يزهد في هذه المظاهر ولا يعبأ بها حرصًا منه على الحياة الإنسانية الكاملة، حياة الروح والنفس، الحياة الحرة العزيزة التي تعرف الإيمان المستنير، تهتدي إليه من طريق النظر في خلق الله نظرًا حرًّا طليقًا.

لا ريب قد رأيتم ذلك وقدَّرتم سمو هذه النظرة وجلال هذه الأسوة، ولا ريب لذلك في أنكم قد أَحَطْتُم بعظمة المعنى الإنساني في الحياة، وبعظمة ما تنطوي عليه الكلمة المأثورة: «احرص على الموت تُوهَب لك الحياة».

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.