… وجدت الحياة على الأرض ولا بد أن توجد على الكواكب الأخرى؛ لأنها ظاهرة طبيعية، وليس من المفهوم أن تكون شروطها قد وجدت في الأرض بين هذه الكواكب التي تملأ الفضاء ولم توجد في غيرها، فإذا وصل الطيارون الأرضيون إلى كوكب فيه سكان عقلاء؛ فما هو موقفنا معهم في مسألة الدين؟ هل نعتبرهم جاهليين ينتظرون التبشير بدين من أدياننا؟ أو نعتبرهم سابقين لنا في الوحي السماوي فنأخذ منهم الدين الذين سبقونا إليه؟

غير مؤمن ولا مؤاخذة

هذا التوقيع «غير مؤمن ولا مؤاخذة» منقول بحرفه، أما الخطاب فقد لخصناه لطوله وتكراره، واكتفينا في هذه السطور بالجانب الجوهري منه، وهو جانب الظاهرة الطبيعية وضرورة ظهورها على الكواكب كما ظهرت على الكرة الأرضية.

ونقول «لغير المؤمن بلا مؤاخذة»: إنه لم يتكلم عن الحياة بلغة الدين ولا بلغة العلم، ولا غرابة في مخالفته للدين؛ لأنه غير مؤمن، ولكن الغريب أن ينتحل صفة العلم وأن يقول: إنه يستند إلى آراء العلماء، وهو بعيد فيها بُعد الأرض من كواكب الفضاء.

إن الكرة الأرضية ليست بالظاهرة الطبيعية التي تتكرر بالكثرة التي يظنها «غير المؤمن ولا مؤاخذة»؛ لأنها جزء من منظومة شمسية متوسطة بين أجزائها، وله قمر واحد يلحق به على صورة غير متكررة حتى في السيارات ذوات الأقمار بين أعضاء المنظومة الشمسية.

وقيام الكرة الأرضية بهذا الوضع شرط كبير الأهمية في مسألة الحياة؛ لأنه يجعلها بعيدة من حالات الحرارة المفرطة والبرد المفرط، وأن توسطها في الحجم أهم من توسطها في البُعد عن الشمس؛ لأنه يجعل الجاذبية فيها صالحة للاحتفاظ بالطبقة الجوية حولها، وعزلها عن عوارض الفضاء الضارة بالحياة، فلا هي جاذبية ضعيفة تطلق الأهوية إلى الفضاء، ولا هي جاذبية ثقيلة تشل حركة الأعضاء الحية.

وإلى جانب ذلك يتعادل النور والظلام على أكثر جهاتها بين أوقات الليل والنهار، وتتعادل الفصول وما يتبعها من توزيع عوامل الخصب والنماء، ويأتي دور القمر بالإضافة إلى هذه العوامل فيفعل فعله في المد والجزر، وفي تنظيم التبخير وتقسيم مجاميع المياه بين الملح والعذوبة، وتهيئة الملح لقبول الشحن الكهربية الصغيرة التي تناسب الخلايا الأولى في البحار.

هذا مع شروط كثيرة متعلقة بدرجات الحركة ودرجات الإشعاع لم يتكرر لها نظير بين كل ما يعرفه الفلكيون من مجاميع الفلك ومنظوماته، وكل ما يقال عن إمكان وجود هذا النظير فهو من قبيل الفروض المنطقية التي يفرضها كل فارض كما يشاء، ولا دليل لها من الأرصاد ولا الحساب.

ونترك كل هذه الوقائع وكل هذه الفروض، ثم نأتي إلى الواقعة الكبرى التي لا جدال فيها، وهي صلاح الأرض لظهور الحياة عليها.

فما معنى ذلك على «التحقيق العلمي» الذي يحكيه «غير المؤمن ولا مؤاخذة»؟

معناه أن الأحياء موجودون الآن على الكرة الأرضية، ولكن هل توجد الآن ظاهرة واحدة تثبت أن الحياة تنشأ من مادة الكرة الأرضية في صورة من أبسط الصور البدائية التي ندركها للكائنات الحية؟

هل يوجد في الأرض مكان واحد تتحول فيه خلايا المادة إلى خلايا حية؟

فلماذا لا تتكرر اليوم نشأة الخلية الحية من الأجسام المادية؟

هل شروط هذا التحول موجودة اليوم كما كانت موجودة عند ابتداء ظهور الحياة؟ إن كانت موجودة فلماذا لا تفعل فعلها اليوم كما كانت تفعله قبل ملايين السنين؟

وإن كانت قد زالت، فما هي؟ وكيف عرف العلماء أنها هي شروط تكوين الأحياء؟ وكيف حكموا هذا الحكم على الفرض والتخمين؟ وهل هم علماء «يحققون تحقيق العلماء» حين يخبطون في هذه الظنون، ويهرفون بما لا يعرفون؟

إن آخر ما اطلعنا عليه من أخبار هذه التجارب هو تجربة «ستانلي ميلر»، الأستاذ بجامعة شيكاغو، وهو يبني تجربته على فرض من أمثال هذه الفروض خلاصته: أن الكرة الأرضية كانت مغطاة قبل ملايين السنين بالهيدروجين والنشادر والميثين Methane أو غاز المستنقعات، ولم يكن فيها «أُكسجين» منفصل من الماء، وقد تعرضت هذه العناصر لدفعات الأشعة فوق البنفسجية، فتولَّدت منها أحماض النشادر التي تدخل في تكوين المادة البروتينية، وهي قوام الخلايا الحية.

وعلى هذا الفرض جمع الأستاذ بعض تلك العناصر بنسبة مختلفة، وعرَّضها في الأنابيب لدفعات من الكهرباء تكثر فيها الأشعة فوق البنفسجية، فتولدت فيها أحماض نشادرية كالتي تحتويها البروتينات، واستخلص الأستاذ من ذلك أن الكرة الأرضية في أوائل عهدها بالابتراد كانت تصلح لتوليد أحماض النشادر، ثم توليد البروتينات، ثم توليد الخلايا الحية، إذا فرضنا أن الأشعة التي كانت تتلقاها من الفضاء كانت على مثال أشعته التي اختارها لتسليطها على أنابيبه، ثم حدثت الحادثة ونشأت خلايا الحياة مرة واحدة، ولم تتكرر بعد ذلك بالوسائل الطبيعية ولا بالوسائل الصناعية!

وتلك هي الظاهرة الطبيعية التي يقول «غير المؤمن ولا مؤاخذة»: إنها شيء محقق لا بد من مصادفته في السماء كما هو على الأرض! … ويفوته أننا لا نصادفه على الأرض اليوم حيث تحقق وجود الحياة وبقائها؛ فلا موجب للتوكيد فيما وراء ذلك من مجاهل الفضاء.

وهناك احتمالات كثيرة تحول دون هذا التوكيد.

فيحتمل «أولًا» أن المنظومات الشمسية من قبيل منظومتنا لا توجد في أنحاء الفضاء التي يصل إليها الطيارون الأرضيون.

ويحتمل «ثانيًا» أن توجد المنظومة ولا توجد السيارة المتوسطة على مثال كُرتنا الأرضية.

ويحتمل «ثالثًا» أن تكون السيارة أو المنظومة في حالة كالحالة السابقة لظهور الحياة على الكرة الأرضية، وأنها لا تزال مغطاة بالهيدروجين والنشادر وغاز المستنقعات، ولم تصل إلى درجة صالحة لتكوين البروتين إلخ إلخ.

ويحتمل «رابعًا» أن تكون السيارة أو المنظومة في حالة متأخرة فقدت فيها شروط ظهور الحياة وشروط بقائها.

ويحتمل «خامسًا» أن تجري الحياة هنالك على خطة غير خطتها فوق الكرة الأرضية، وأن يكون شأنها بالنسبة إلينا كشأن الأحياء التي انقرضت عندنا قبل عصور التاريخ.

وبين هذه الاحتمالات المتضاربة لا سبيل إلى توكيد شيء من الأشياء.

ولا ندري لماذا نظن أننا نحن أبناء الأرض نبحث عن سكان الكواكب ونجدهم بالطيارة دون غيرها، ولا نجدهم قبل ذلك بتيارات الأشعة ومواصلاتها التي تسبق الطيارة بالسرعة والنفاذ؟!

ولماذا يوجد سكان على الكواكب ولا يبحثون عنا ويصلون إلينا؟ هل هم أقل منا علمًا؟ هل هم أعلم منا؟ هل هم مثلنا في العلم؟ فلماذا ننفرد نحن بالسؤال عنهم والوصول إليهم، ويمكثون هم على كواكبهم مستترين منتظرين إلى أن يبلغ إليهم الرسول من ناحيتنا نحن على هذه الكرة الأرضية؟

إن العلم الصحيح لا يسوغ هذا التطوح بالظنون إلى ما فوقنا من أنحاء الفضاء السحيق.

وهل هو فوقنا حقًّا أو نحن فوقه على كل اعتبار من اعتبارات الأبعاد والجهات؟

أما إذا صح يومًا أن نلتقي بأبناء وطننا الكونيين، فليس من المنتظر أن يكون لقاؤنا بهم مشكلة دينية، سواء وجدناهم جاهليين أو وجدناهم هداة مهتدين سابقين لنا بالوحي واليقين؛ فإن الأديان هي التي علمتنا أن الأرضين والسماوات عامرة بالخلائق الحية من غير بني آدم وحواء: ملائكة، وأرواح، وجِنَّة، وأحياء عند ربهم، ويخلق ما لا تعلمون.

فإن كان «غير المؤمن ولا مؤاخذة» يحار في أمر زملائنا الكونيين؛ فليتركهم للذين يؤمنون ويفهمون أبناء السماء؛ فهم الزملاء، فإنهم أقرب إليهم ممن يخبطون الآن بين كواكب السماء خبط عشواء، وإنهم لأقوى على النظر في ظلماتهم ممن يغوصون بين أنقاض النشادر وغاز المستنقعات، وبين البقايا والنفايات، ثم يحصرون الأكوان والآباد في معامل الكيمياء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.