قبل وفاة والد الروائي التركي «أورهان باموق» بفترة قصيرة، أعطاه حقيبة صغيرة مملوءة بكتابات له ومخطوطات وقصاصات مختلفة ودفاتر، مطالبًا إياه بأن يقرأها بعد رحيله: «ألقِ نظرة عليها فقط — قالها الأبُ وهو مُحْرَجٌ قليلًا — لترى إن كان فيها ما ينفع، لعلك تختار منها ما يستحق النشر بعد موتي من مختارات.»

يروي باموق ما دار بعد ذلك في كلمته التي ألقاها في حفل العشاء الذي أقيم بمناسبة حصوله على جائزة نوبل للعام ٢٠٠٦: «أراد أبي أن يكون شاعرًا إسطنبوليًّا، وترجم فاليري إلى التركية، لكنه لم يُرِد أن يعيش تلك الحياة التي تأتي مع كتابة الشعر في بلد فقير به القليل من القراء.» لكن ما كان يؤرق أورهان هو أنه كان غاضبًا من والده؛ «لأنه لم يَعِشْ حياة مثل حياتي، لأنه لم يتعارك أبدًا مع حياته، وقضاها سعيدًا، ضاحكًا بين أصدقائه وأحبابه.»

يطرح باموق هنا أمامنا حياتين، على من يَوَدُّ الكتابة أن يختار بينهما: إما «أن يعيش كاتبًا ويتعارك مع الحياة»، أو «أن يعيش سعيدًا ضاحكًا بين أصدقائه.» باموق الذي حصل على أرفع الجوائز الأدبية يعترف بأنه: أن تكون كاتبًا يعني ألَّا تكون سعيدًا. لكنه لم يكن ناقمًا على والده بقدر ما كان غاضبًا؛ لأنه يريد بالفعل حياة الكاتب، لأنه يحتاج إلى الكتابة، لأن لديه — كما قال في كلمته تلك: «احتياجًا داخليًّا للكتابة! أكتب لأنني لا أستطيع القيام بأيِّ عمل آخر مما يفعله الناس. أكتب لأنني أريد قراءة كتب مثل التي أكتبها. أكتب لأنني غاضب منكم كلكم، غاضب من الجميع. أكتب لأنني أحب الجلوس في غرفة طيلة اليوم أكتب. أكتب لأنني لا يمكنني المشاركة في الحياة الحقيقية سوى بتغييرها. أكتب لأنني أحب رائحة الورق، والقلم، والحبر. أكتب لأنني أحب المجد والاهتمام اللذين تجلبهما الكتابة. أكتب كي أكون وحدي. ربما أكتب كي أفهم لِمَ أنا غاضب جدًّا جدًّا منكم كلكم. أكتب لأنني أحب أن يقرأني الآخرون. أكتب لأن الجميع ينتظرون مني أن أكتب. أكتب لأن لَدَيَّ إيمانًا طفوليًّا بخلود المكتبات. أكتب، لا كي أحكي قصة، بل كي أَنْظِمَ قصة. أكتب لأنني لم أكن سعيدًا تمامًا أبدًا. أكتب كي أكون سعيدًا.»

لكن الروائية الفرنسية «آني إرنو» تكتب لسبب آخر: «أكتب، ربما لأن الكلام كان قد انتهى بيننا.» كل كاتب لديه سبب جوهري للكتابة، مرتبط بالآخر، بالقارئ، كما تحدثت في مقال سابق، لكن كل هذه الأسباب تصب في اتجاه الخلود؛ خلود الكتابة، خلود الحياة، خلود الإنسان على هذه الأرض؛ حتى يصبح ثمة فارق بينه وبين الكائنات الأخرى.

الكتابة هي بداية الكلام وانتهاؤه، هي تكوُّن الجنين ونفخة الصُّور، هي القصيدة التي لم تكتمل وتتمة الحكاية، هي السؤال المعلق في الهواء مثل بيت أسطوري، وهي الجواب الذي يأتي مثل قطرة ماء لتائه في الصحراء، هي السراب الذي لا نريده أن ينتهي، وهي السراب الذي نريده أن يتحقَّق. هي التحقُّق، وهي الرغبة في التحقُّق، وهي ما بعد التحقُّق. هي التَّوْقُ إلى الحرية، والطريق إلى الحرية، والحرية ذاتها؛ لأنها — لكاتبها على الأقل — كل شيء، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أما لغيره ممن لم يدخلوا جِنَانَهَا، ويسيروا على صراطها ما بين بهجة الوصول وخوف السقوط، فليست أي شيء.

يقول صلاح جاهين:

في يوم من الأيام ح اكتب قصيدة

ح اكتبها

وإن مكتبتهاش أنا حر

الطير ماهوش ملزوم بالزقزقة.

الكتابة تكسر القيد، الكتابة تطلق حمائم الله في سمائه، ثم تنظر إليها، الكتابة حمامة تُحَلِّقُ، فتخلف في السماء سحاباتٍ بيضاء، تمطر على البلاد الفقيرة، وتُورق الورد في الحدائق وفوق الأسطح، وتُلَوِّنُ ملابس البنات الذاهبات إلى المدرسة بالسماوي المبهج.

الكتابة تخلق اللغة، تعيد صياغتها، استخدامها، نحتها، تشكيلها مثل قطعة صَلصال في يَدِ طفل. لم تتطور اللغة إلا بفضل الكتابة. لم نحافظ على اللغة إلا بفضل الكتابة. ما الذي حفظ تراث الأدب الجاهلي، واللغة الهيروغليفية، واللاتينية؟ هل يتوجب على الإنجليزية أن تنحني شكرًا لشكسبير؟ كيف يمكن للإغريقية أن تشكر هوميروس وإلياذته والأوديسا؟

الكتابة اختيار للطريق الصعب، فباموق ودَّع سعادته من أجل الكتابة، راضيًا بذلك، وهو يعرف أن الكاتب يدفع الثمن، لكنه في المقابل يحصد الثمن. لا أتكلم هنا فقط عن الخلود، والجمهور، لكني أتحدث عن الانتصارات الصغيرة، عن السعادة بانتهاء نَصٍّ، عن الفرحة الغامرة بصورة جديدة، عن عملية الخلق التي يمارسها مع كلِّ نَصٍّ، عن رغبته في الحياة حتى يُكمل نَصًّا آخر، عن شعوره بأنه يقوم بغاية إنسانية، تقول الشاعرة فيسوافا شيمبوريسكا: «الشعر غاية إنسانية بالدرجة الأولى، ويكفيني أن أستمر في كتابة الشعر حتى مماتي.»

كل كاتب عندما تسأله: لماذا تكتب؟ سيجيب بطريقته؛ جالسًا أو واقفًا أو نائمًا، متواضعًا أو متعاليًا، أطال أم قصَّر. يقول جارثيا ماركيز: «أكتب ليحبني أصدقائي.» ويشرح جورج أمادو: «أكتب لكي يقرأنى الآخرون، ولكى أؤثر فيهم، ومن ثَمَّ أستطيع المشاركة في تغيير واقع بلادي وحمل راية الأمل والكفاح.» ويبرر جورج أورويل الأمر ﺑ «الرغبة في رؤية الأشياء كما هي، بالعثور على الوقائع الحقيقية وحفظها من أجل الأجيال القادمة.» أما نجيب محفوظ فلأمر آخر: «أولًا كتبت للاستمتاع الشخصي، وبعد أن أخذت موضوع الكتابة مأخذ الجِد، بدأت أحلم.»

الكتابة إذن تُغَيِّرُ الواقع وتحمل راية الأمل والكفاح، كما أنها توضح الأشياء وتحفظها للمستقبل، فإذا كان يُقال: إن التاريخ يكتبه المنتصرون، فيمكننا أن نقول: إن الكتابة الإبداعية هي التاريخ الذي يكتبه البسطاء والعاديون، المهزومون من مجتمعاتهم وظروفهم وحيواتهم، ويسعَوْن للانتصار من أجل حياة أفضل. الكتابة هي بوابة الحلم كما رأى نجيب محفوظ، بل الكتابة تسعى لتحقيق هذا الحلم.

يمكنك أن تعتبرني منحازًا، لكني أقول لك: الكتابة هي ذواتنا التي لم نتعرف عليها إلا بفضل الكتابة. الكتابة تمنح الحياة للحياة. الكتابة هي الحياة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    حازم سويلم ·١٧ سبتمبر ٢٠١٤، ١٤:٣ م

    ان من البيان لسحر.. مقال غاية فى الروعة والإيجاز، تحياتى للكاتب..