حاربنا الشيوعية منذ ظهرت دعوتها في العالم قبل نيف وعشرين سنة.

ولم نحاربها لأننا أصحاب أموال نخشى عليها غائلة هذا المذهب لأننا لم نكن قط ولن نكون يومًا من أصحاب الأموال.

ولكننا حاربناها إشفاقًا من هذه البهيمية على نفوس المخدوعين فيها من الشرقيين.

ولم نزل نحاربها بتعزيز العقائد الروحانية وإحياء سير العظماء الذين قامت عظمتهم على البطولة الروحانية في تاريخ الإسلام.

ولهذا أيضًا ألَّفنا كتابًا ضخمًا في العقيدة الإلهية وكتابًا آخر في الفلسفة القرآنية.

وتوخينا في هذه المؤلفات جميعًا علاج الآفة الكبرى في العصر الحاضر، وهي آفة «المادية» الغليظة التي تحيل الإنسان إلى بهيمة سائمة أو آلة صماء.

توخينا فيها تحصين النفوس — ولا سيما النفوس الناشئة — من أزمات العصر التي تعرض لها من النزعة المادية دون غيرها.

وكتبنا أيضًا عن زعيم الهند «غاندي» لأنه بطل من أبطال العصر الحديث الذين كافحوا أكبر القوى الاستعمارية بقوة الروح، ولم نُرضِ أحدًا بالكتابة عنه؛ لأننا نقدنا في الكتاب خطة قومه، وليس قراء العربية من أهل الهندستان في مصر بالعدد الكثير.

***

إن أزمات الشباب في هذا العصر هي التي نظرنا إليها حين حاربنا المادية الماركسية وعنينا بالبحث في هذه المسائل الروحانية.

ولكن أزمات الشباب شيء غير نوازع الإجرام والتخريب التي يندفع معها بعض المفسدين ممن لا يصلحون لغير الفساد ولا يصبرون على عمل مفيد.

أزمات الشباب إنما تصيب خيرة الشبان الذين طبعوا على التفكير ودقة الحس وتفسير كل مشكلة من مشكلات الحياة بما يوافق العقل ويريح الضمير.

أما هذه النوازع الإجرامية فليست هي أزمات شباب وليس لها من الأزمات النفسية نصيب.

هذه هي دوافع الحيوان الغريزي التي أحيطت منذ ألوف السنين بوازع الدين ووازع العرف ووازع الأخلاق ووازع الشريعة.

هذه شيء قديم جدًّا في الغرائز الحيوانية.

هذه أقدم أزمة عرفتها الحيوانية إن صح أن تطلق كلمة «الأزمة» عليها. فليست هي من مبتكرات العصر الحديث، وليس العصر الحديث أول عصر عرف نوازع الإجرام في طبائع هؤلاء المفسدين.

غاية ما في الأمر أن الإنسانية قد أحاطت هذه النوازع بكل وازع من أوزعة العقائد والشرائع عصورًا بعد عصور وأجيالًا وراء أجيال.

ولكنها، في هذا العصر قد وجدت من يجيز لها شرورها ويعينها على تحطيم كل وازع يصدها عن عدوانها، فانطلقت مع الشر الذي طبعت عليه.

ولو وجدت قبل ألف سنة هيئة دولية ضخمة تنشر الدعوة إلى تحطيم العقائد والأخلاق لظهر هذا الفساد قبل ألف سنة، ولم يكن بدعة من بدع القرن العشرين.

وقد وجدت قبل ألف سنة دعوات تنتحل الدين لاقتراف الجرائم، فانساق لها المطبوعون على الشر، لأنهم أشرار لا لأنهم متدينون.

ولو لم تكن المسألة كلها عند هؤلاء المفسدين سهولة إقدام على الشر والجريمة لما انطلق أناس يعملون لها باسم المادية الملحدة، وأناس يعملون لها باسم العقيدة الإسلامية.

فشتان المحمدية والماركسية.

ولكن المفسدين يندفعون في شر واحد؛ لأن الآفة كلها طبيعة شر واحد في هؤلاء وهؤلاء، وإن اختلفت النحل والمعاذير.

كلا، ليست هذه أزمة العصر الحديث كما يصورها الذين يكبرونها في أدمغة أولئك الأشرار، ولكنها هي أزمة الكهف القديم الذي هو أقدم من جميع العصور؛ ينطلق منه الوحش المكبوح كما كان ينطلق قبل ألوف السنين، ويندفع مع السبب ونقيضه، لأنه يندفع مع كل وسواس يوافق فيه طبيعة العدوان، ويصدقه بمقدار ما فيه من الموافقة لطبعه، لا بمقدار ما فيه من الإقناع أو البرهان.

وكل نصيحة مرفوضة إذا كان فحواها كف شرير عن شره، وكل افتراء مقبول إذا كان يغريه بالشر ويملي له في دواعيه.

يسيرٌ جدًّا على الوغد من هؤلاء أن يصدق أن الكاتب الذي يحارب الشيوعية والصهيونية والاستعمارية والنازية وعصابات المجرمين يفعل ذلك كله لأنه كاتب مأجور.

ويسيرٌ جدًّا على الوغد من هؤلاء أن يصدق أن الكاتب الذي يؤلف في الأدب المحض وتنفد له الطبعة والطبعات في سنوات محتاج إلى تمليق الجماهير بالكتابة عن عبقريات الإسلام.

ويسيرٌ جدًّا على الوغد من هؤلاء أن ينسى أن التأليف والترجمة في كتب الغواية والشهوات أربح جدًّا من التأليف في كل موضوع.

ولكنه — وهو يبيع نفسه بدريهمات — يطيب له أن يقبل الفرية ويرفض النصيحة، لأن النصيحة تثنيه عن عمل السوء، والفرية تحببه إليه.

وليست أزمة هؤلاء المجرمين أزمة الشباب في العصر الحديث، لأن أزمات الفكر والضمير لا يتعرض لها من الشبان غير نخبتهم الممتازين بالحس والتفكير.

أما هؤلاء المجرمون فالأزمة التي يتخبطون فيها — إن صح أن تسمى أزمة — هي أزمة قديمة جدًّا في تاريخ الحيوانية: هي أزمة حيوان الكهف الذي تروضه الأديان والعقائد والشرائع والأخلاق منذ وجدت، وليس لها من رياضة غير رياضتها التي عرفها الإنسان لأمثال هذه الآفات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.