لمناسبة انقضاء مائة عام على سنة ١٨٣٠ جعل الكتاب والمؤرخون يتناولون هذا العيد المئوي لثورة سنة ١٨٣٠ بشيء من الشرح لا يخلو من فائدة في حسن تصور الأحوال الحاضرة في بلاد العالم المختلفة، ذلك أن سنة ١٨٣٠ كانت السنة التي بدأت فيها معاهدة فيينا تتمزق إربًا إربًا والتي بدأت فيها ثمرات الثورة الفرنسية تنبض من جديد رافعة لواء الحرية وحق الشعوب في الحكم، بعد أن ابتلع نابليون الثورة وثمراتها منذ سنة ١٨٠٠ إلى سنة ١٨١٥، وقد تألبت أوروبا على نابليون وحاربته بكل قواها، حتى كانت هزيمته الأخيرة في واترلو ونفيه إلى سانت هلينا، وانعقاد مؤتمر فيينا في سنة ١٨١٥ لإعادة حقوق الملوك إليهم بعد أن زعزعتها الثورة حينًا، وبعد أن هددها نابليون كما هدد الثورة حينًا آخر، وقد خيل إلى الملوك الذين عادوا إلى عروشهم على أثر هزيمة نابليون أن حقهم المقدس قد عاد لهم، وأنهم أصبحوا في حل من أن يضربوا بمبادئ الثورة عرض الأفق، وأن يمسكوا بيدهم مقاليد الأمر في بلادهم، وأن يوجهوا شئونها حسب ما تملي عليهم أهواؤهم، أو حسب ما يملي به عليهم الوحي الذي يظنونه مصدر حقهم، لكن الفترة التي استقرت فيها هذه المحاولة لم تطل، وأدرك الكثيرون منهم أن يقظة الشعوب على أثر هزة الثورة الفرنسية ليست يقظة مصطنعة، فلا بد من التسليم بها وبما يترتب عليها من النتائج، وكان لويس الثامن عشر ملك فرنسا أكثر من غيره شعورًا بهذه الحقيقة؛ لأن فرنسا كانت المصدر الأول لنزعات الحرية، فكان طبيعيًّا أن تكون جياشة أكثر من غيرها بكل مظاهرها، حريصة أكثر من غيرها على التمتع بها معتزمة أن تشترك في الحكم اشتراكًا فعليًّا على نحو ما قرره الفلاسفة الذين سبقوا الثورة، وفي مقدمتهم روسو وڤولتير، وكان النظام البرلماني الإنكليزي هو الصورة الواضحة لاشتراك الشعب مع الملك في الحكم، وكان هذا النظام موضع دراسة متصلة في جميع بلاد القارة الأوروبية إذ ذاك، فإذا أريد أن تشترك الشعوب في الحكم، فقد وجب أن يتأقلم النظام الإنكليزي فيها وأن يصبح بعض طبائعها كما أصبح في جزر بريطانيا.

لكن النظام البرلماني يجعل الأمة مصدرًا للسلطات بأوسع ما يمكن أن تحيط به هذه الكلمة، فإذا تعارضت هذه السلطات كانت الكلمة الأخيرة للشعب ولو من طريق الاستفتاء إذا اقتضى الحال، والملوك الذين وضعوا معاهدة فيينا في سنة ١٨١٥ ليسوا على استعداد لهذا التنازل عما يسمونه حقوقهم المقدسة أو الموروثة على الأقل، فليبحث لويس الثامن عشر عن نظام غير هذا النظام، ليبحث عن نظام يجعل الكلمة الأخيرة للملك بدل أن تكون للشعب، وليكن لهذا النظام صورة تشبه صورة النظام البرلماني وإن اختلفت عنها في القاعدة التي ترتكز عليها وفي الآثار التي تنشأ عنها، وليكن هذا النظام الجديد المقابل للنظام البرلماني هو النظام النيابي.

والأساس الذي يقوم عليه النظام النيابي ويختلف فيه عن النظام البرلماني، يتناول مسألتين: المسئولية الوزارية، وإقرار القوانين، فالنظام البرلماني يجعل الوزارة مسئولة أمام المجلس الذي يمثل الأمة بحيث يجب على الوزارة أن تستقيل إذا هي لم تنل ثقة هذا المجلس، فإذا اختلف الملك والمجلس في الرأي وجب الرجوع إلى الأمة لتفصل في الخلاف من طريق حل المجلس وإجراء انتخاب جديد، والمجلس الذي تسفر عنه الانتخابات لا يجوز حله للسبب الذي حل من أجله المجلس الذي سبقه، وعلى ذلك يكون حكم الأمة في موضوع الخلاف فاصلًا بين الملك والمجلس، أما النظام النيابي فيختلف عن النظام البرلماني في هذه النقطة بأن تكون الوزارة مسئولة أمام الملك وحده، غير مسئولة أمام المجلس، وهي لذلك تبقى وَثِقَ بها المجلس أو لم يثق، وتظل في مناصبها ما دامت متمتعة بثقة الملك، فإذا فقدت هذه الثقة تخلت عن الحكم، ولو كانت حائزة لثقة المجلس التامة وكانت حائزة لثقة الأمة كلها.

أما المسألة الثانية التي يختلف فيها النظام البرلماني عن النظام النيابي فهي مسألة القوانين، صحيح أن حق إقرار الميزانية مسلم به للمجلس الذي تنتخبه الأمة سواء في النظام النيابي أو النظام البرلماني، وذلك لأن الضرائب التي تعتمد عليها الميزانية إنما تُجبى من الأمة، فيجب أن تكون الرقابة عليها للأمة، لكن الحق الأخير في شأن إصدار القوانين يظل للملك في النظام النيابي، في حين هو شركة بين الملك والمجلس في النظام البرلماني، فإذا وقع خلاف بشأنه، حل إما بطريقة استفتاء الأمة إذا حل الملك المجلس المنتخب، أو بطريقة إعادة القانون إلى البرلمان وإمراره عليه على النحو الذي يُقرر في دستور الأمة التي يقع الخلاف فيها.

وقد أمكن للنظام النيابي الذي وضعه لويس الثامن عشر أن يُجرى زمنًا في فرنسا، ولعله نجح في عهد لوي فليب أكثر من نجاحه في عهد غيره؛ لأن لوي فليب عرف كيف يضرب الأحزاب بعضها ببعض ويستفيد من خلافها بعضها مع بعض، لكن هذا النظام النيابي غير البرلماني لا ينطوي على مقدار كافٍ من المرونة تحول دون الاحتكاك، ذلك بأن الاعتراف الذي لا محيد عنه بحق المجلس في إقرار الميزانية يجعله قديرًا على أن يشل حركة عمل الوزارة التي لا يرضى عنها ولا يثق بها بحيث لا تستطيع مزاولة شئون الدولة بقليل ولا بكثير من النجاح، وفضلًا عن أن إقرار الميزانية يمكِّن المجلس من هذا فإن الحكومات تحتاج في أثناء الدورة إلى اعتمادات لا يمكن تقريرها — حتى في النظام النيابي غير البرلماني — إلا بموافقة المجلس، لذلك كان محتومًا أن تصطدم سلطة الملك بسلطة الأمة ما دامت الوزارة باقية برغم المجلس وما دام الملك هو المسئول عن بقائها، وقد ظهر ذلك واضحًا وصريحًا في فرنسا سنة ١٨٤٨ حين قامت الثورة التي عقبت ثورة سنة ١٨٣٠، لكن هذه الثورة تمخضت كما تمخضت الثورة الكبرى عن دكتاتورية نابليون الثالث، وظلت هذه الدكتاتورية حتى سنة ١٨٧٠ حين تداعت قواعدها وانهارت وحين قامت الثورة، فأعلنت الجمهورية الثالثة الباقية إلى اليوم قوية قديرة على الاحتفاظ بمجد فرنسا وبحقوقها وكرامتها، وقد قامت هذه الجمهورية بطبيعة الحال على النظام البرلماني بعد أن فشلت المحاولات لإقرار النظام النيابي وحده في فرنسا.

وقد طاب لبعض كبار المؤرخين أن يقارن بين هذا الذي حدث في فرنسا وأدى إلى جمهورية سنة ١٨٧٠، وما حدث في ألمانيا وأدى إلى جمهورية سنة ١٩١٨، وأن يعتبر النظام النيابي البسيط «أي غير البرلماني» وما يعرض الشعب والملك للاصطدام هو السبب في هذا، ولعل الأمر يحتاج إلى تمحيص أكثر مما قام به العالم المؤرخ الذي نشير إلى رأيه، على أن الأمر الذي يلاحظ في أدوار التاريخ المختلفة أن النظام البرلماني هو أشد نظم الحكم مرونة وأقدرها على أن يقاوم بنفسه ما فيه من عيوب، صحيح أن هذا النظام اضطربت قوائمه على إثر الحرب، وترتب على اضطرابها قيام الدكتاتوريات لإصلاح العِوَج، لكن أي شيء في نظم الحياة الاجتماعية لم يضطرب على إثر الحرب؟! وأي شيء في نظم حياتنا الفردية لم يعتوره الاضطراب ولم يتزعزع؟ فإذا كان النظام البرلماني قد أصابه ما أصاب الحياة كلها في مختلف أنحاء العالم، فإنه لا شك سيعود سيرته وسيصلح ما أصابه! لا شك ستعود الأمور كلها سيرتها وستصلح ما اضطرب من شئونها.

ولعلنا إذا أردنا أن نعرض بالبحث في النظام البرلماني الوليد في مصر وأسباب ما أصابه نقول: لعلنا واجدون أن الخطأ ليس هذا النظام، ولكنه خطأ ظروف وملابسات غير طبيعية أحاطت به، وهي جديرة بالعناية والبحث، ونرجو أن نقوم بهذا البحث في الأسبوع المقبل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.