ضربة وزير التقاليد أول أمس للمفاوضين، وسجَّلَ فيه أنَّ الوزارة لَقائمة، وهو من أعضائها بالطبع، باقية في الحكم إلى سنة ١٩٣٦، فإذا أقبلت هذه السنة احتكمت الوزارة إلى الشعب؛ لترى أَرَاضٍ هو عنها، أم ساخِطٌ هو عليها؟

ولسنا نكتب في هذا لنناقش وزير التقاليد أو لنحاوره، فقد وهب الله وزير التقاليد من الذكاء والفطنة، ومن المهارة والحكمة، ومن نفاذ البصيرة وحصافة الرأي، ومن قوة الحجة ووضوح الدليل، ما يجعله فوق المناقشة والمحاورة.

وما يحملنا على أنْ نرفق لأنفسنا ونشفق عليها، من أنْ نقف منه موقف الحوار والجدال، فنحن في هذا الموقف مع وزير التقاليد، معاونون دائمًا، ومَن ذا الذي يستطيع أنْ يقاوم البحر إذا زخر، والليث إذا زأر، والغيث إذا انهمر؟ كلَّا، لم نكتب لنحاور وزير التقاليد، فوزير التقاليد فوق الحوار، ومن المحقق أنَّ وزير التقاليد سيبقى في الحكم عامًا وعامًا — نستغفر الله — بل أعوامًا وأعوامًا، وأن وزير التقاليد مفروض على مصر، سيحكمها حتى يعجز عن الحكم، وسيقهرها حتى يعيا عن القهر؛ لأنه يريد ذلك قبل كل شيء، ومتى أراد وزير التقاليد فلا مردَّ لما يريد؛ ولأن عبقريته وملكاته الخارقة، وتفوقه الذي يعجز الوصف ويفوت الواصفين، كل ذلك يؤهِّله للحكم المتصل، والسلطان الذي لا أمدَ له، وإنَّ مصر لَأحب لنفسها، وأحرص على مصالحها من أنْ تعدل بوزير التقاليد وزيرًا آخَر، وهو الوزير الرشيد الذي لم تَرَ مصر وزيرًا مثله رُشْدًا وسدادًا، وفطنةً وذكاءً، وحلمًا وأناةً، فهو إذن باقٍ في الحكم إلى ما شاء الله، وهو باقٍ في الحكم برضى مصر وإرادتها، بل بإلحاح مصر واستعطافها، وهو باقٍ في الحكم مع ذلك برضى الإنجليز عنه واطمئنانهم إليه وثقتهم به وأملهم فيه، فوزير التقاليد رجل قوي، ولكنه مع ذلك مَرِن يستطيع أنْ يظفر بأمرين، لا يظفر بهما إلَّا النابغون الذين لم يعرفهم التاريخ المصري بعدُ، فيرضي الإنجليز ويرضي المصريين، ويُكرِه أولئك وهؤلاء على أنْ يريدوه وزيرًا للمعارف، وعلى ألَّا يعدلوا به وزيرًا آخَر، وهو يقيم الدليل في كل لحظة على قدرته هذه الفائقة، وبراعته هذه الخارقة، تقترح عليه مدرسة الهندسة ترقية أستاذ مصري، فيقصيه إلى الصعيد ليرضي المصريين، ويأمر باختيار أستاذ بريطاني ليرضي الإنجليز، وهو على هذا النحو جامع بين ما لا يمكن الجمع بينه من النقائض والأضداد، فويل للإنجليز إنْ ضاقوا به أو سخطوا عليه، وويل للمصريين إنْ رغبوا عنه أو زهدوا فيه، هو وزير المعارف، خُلِق للمعارف، وخُلِقت المعارف له، ليس في ذلك شك، وليس إلى الريب فيه سبيل، ولكن وزير المعارف بطبعه قدوة لعشرات الألوف، بل لمئات الألوف من الأساتذة والمعلمين، ومن الطلاب والتلاميذ، ومن أسر الطلاب والتلاميذ، هو المثل الأعلى لهؤلاء جميعًا في الإخلاص إذا عمل، والاعتدال إذا فكر، والصواب إذا حكم، والرفق إذا قضى، وقد اكتملت هذه الخصال كلها لوزير التقاليد، كما لم تكتمل لوزير من قبله، وكما لن تكتمل لوزير من بعده، وهو من أجل هذا قد ظفر بحب المصريين وتأييدهم، وحرصهم على أنْ يظل فيهم وزير التعليم ما كانت لهم وزارة للتعليم.

وزير المعارف صادِق دائمًا؛ لأنه مثال الصدق ومصدره، وقدوة الأساتذة والطلاب فيه، وهو من أجل هذا لا يقول إلَّا الحق، ولا يرفع إلى مجلس الوزراء إلَّا الصدق، وهو من أجل هذا لم يتردَّد في أنْ يطلب إلى مجلس الوزراء فصل أستاذ من أساتذة الحقوق، وفي أنْ يطلب ذلك في مذكرة رسمية كانت كلها حقًّا وصدقًا، حتى لم يتردد مجلس الوزراء في أنْ يأخذ بها، ويعتمد عليها، ويفصل الأستاذ الذي أراد وزير التقاليد فَصْله، ثم تبيَّنَ له بعد ذلك أنَّ في المذكرة شيئًا ليس بينه وبين الصدق سبب، وليس بينه وبين الحق سبيل، قد أنكره مَن نسب إليه، وكذَّبه في الصحف مَن حمل عليه.

ووزير المعارف قدوة في الصواب إذا فكر، وهو من أجل هذا لا يشك، أو لا يتحرج من أنْ يرى أنَّ موسوليني وهتلر ودومرج إنما يتأثرون بالنظام المصري الحاضر، حين يغيِّرون ما كان في بلادهم من نظام، فإذا ظهر بعد ذلك أنَّ موسوليني قد أنشأ نظامه قبل أنْ ينشأ النظام المصري، وأنَّ هتلر قد فكَّرَ في نظامه وجَدَّ في الدعوة إليه، حين لم يكن صدقي باشا يحلم بأنه سينهض برياسة الوزراء، وحين كان وزير التقاليد نفسه ينفق خير أوقاته في الكونتننتال، وإذا ظهر أنَّ دومرج لا يريد قلبًا للنظام، ولا خروجًا على الدستور، ولا تجاوزًا للقانون، ولا إكراهًا للشعب على ما لا يريد، فليس بشيء من ذلك بأس على وزير التقاليد؛ لأنه لم يَقُلْ إلَّا حقًّا، ولم يَرَ إلَّا صوابًا؛ ولأن ما يعرفه الناس كلهم خطأ، وما يعرفه هو وحده صواب. ووزير التقاليد قدوة في نزاهة اللسان، لا يحب المُمَارَاة، ولا ترضى له أخلاقه أنْ يصطنع الألفاظ المبتذلة، والكلام البذيء، فإذا ظهر بعد ذلك أنه يصف خصومه بالتغرير والغرور، وبالتضليل والضلالة، وبالخيانة والإثم، وبغير ذلك من الأوصاف التي لا ينبغي أنْ تصدر عن المثقفين فضلًا عن الوزراء، وفضلًا عن وزراء التعليم، وفضلًا عن رؤساء الجامعة الأعلين، وفضلًا عن الذين كانوا مستشارين، يعاقبون على السب، ويحاسبون على الإهانة، ويأخذون الناس بنزاهة اليد والضمير واللسان، فليس على وزير التقاليد من ذلك بأس؛ لأن هذه الألفاظ القذرة والكلمات البذيئة، تطهر ويملؤها النقاء إذا جَرَتْ على لسانه العَفِّ، وانطلقت من فمه النقي، وخطرت لضميره الكريم.

ووزير المعارف قدوة في الاعتدال، ورفض الغرور والإيمان بأن الرجل الحازم العاقل ذا العقل المتزن والرأي الحصيف هو الذي لا يغترُّ بالأيام، ولا ينخدع بالظروف، ولا يسترسل مع الأمل، ولا يطير مع الخيال، ولا يمني نفسه بما لا سبيل إلى أنْ يأخذ به على الأيام عهدًا، أو يكتب به على الحوادث كتابًا، وهو من أجل ذلك يعمل لدُنْيَاه كأنه يعيش أبدًا، ويعمل لآخِرته كأنه يموت غدًا، فإذا ظهر بعد ذلك أنه يتحكم في الأيام، ويتسلط على الحوادث، ويستطيل بقوته وسلطانه، ويزعم أنه باقٍ في الحكم إلى سنة ١٩٣٦ مهما تزلزِل من تحته الأرض، ومهما تضطرب من فوقه السماء، ومهما يفسد من حوله الجو، فليس عليه من ذلك بأس؛ لأن الغرور يستحيل إلى اعتدال حين يمسُّه أو يخطر له، ولأن الإسراف في الثقة والاستهزاء بالدهر يستحيلان إلى تواضع واتزان حين يخطران له، فهو كما ترى قدوة في كل شيء، وهو كما ترى خليق أنْ يكون وزيرَ المعارف، وأنْ يظل وزير المعارف، وهو كما ترى حري أنْ يكوِّنَ أبناءنا أحسن تكوين، ويهذِّبهم أحسن تهذيب، ويعلِّمهم كيف يكونون رجالًا صادقين مخلصين، يؤثرون الحق، ويحرصون على الصواب، ويرتفعون عن الدَّنِيَّات، ويبرءون من الشهوات، ويجنِّبون أنفسهم الغرور، وإذا ظفرت مصر برجل صادق نزيه نقي، طاهر القلب والضمير واللسان كوزير التقاليد، فويلٌ لها إنْ عدلت به وزيرًا، وويلٌ لها إنْ لم ترشِّحه لرياسة الوزراء، وأنا من أجل هذا كله واثق كل الثقة بأن وزير التقاليد كان موفَّقًا في الموعد الذي ضربه أول أمس، فسيبقى في الحكم إلى سنة ١٩٣٦، ولكن بعد أنْ يرقى إلى رياسة الوزراء، وأنا أبشِّره بأنه يوم تُسنَد إليه الرياسة سيقف موقفًا كله حيرة؛ لأن الوزارات جميعًا ستتضرع إليه في أنْ يكون لها وزيرًا، ومَن يدري؟! لعل الأمة المصريَّة وقد عجبها وزير التقاليد، وسحرتها خِلَاله وخِصَاله، ترى أنْ يكون هو رئيس الوزارة، وهو الوزير لكل وزارة، فنجعل إليه تدبير أمرها كله، لا يشاركه في ذلك أحد، ولا يُعِينه على ذلك زميل، يقضي في كل وزارة ساعةً أو بعضَ ساعة، ثم يقبض آخِر الشهر إلى مرتب الرياسة مرتبات الوزراء جميعًا. وأنا أؤكِّد لك أنه أهل لذلك، وخليق به، وقادر على أنْ يتمنَّاه وينتظره، وأي شيء يعجز الأماني، وأي شيء يفوت الأمل العريض، حين يمتلئ به العقل العريض؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.