يبدو جليًّا تمامًا في الوقت الحالي أن الميكروبات التي تعيش في أجسامنا تشكِّل جزءًا مهمًّا من حياتنا وصحتنا، ولم تكن دراسة هذه الميكروبات وجيناتها — التي يُطلَق عليها الميكروبيوم — بمثل هذا الشيوع من قبلُ.

اقتصرت هذه الدراسة إلى الآن على الدول الغربية والمثقَّفَة والصناعية والغنية والديمقراطية. ويعني هذا أن العلماء قد حلَّلوا إلى حدٍّ كبير ميكروبات من متطوعين من المناطق الأغنى في العالم. لم يتخطَّ إلا عدد قليل من الدراسات حدودَ الغرب، وذهبت إلى مناطق مثل بوركينا فاسو وفنزويلا وبنجلاديش ومالاوي.

يُعَدُّ هذا الأمر مهمًّا؛ لأننا نحصل على صورة مشوَّهة عن الميكروبيوم البشري، تقوم على شريحةٍ لا تعبِّر عن البشرية ككلٍّ. كما أنه مهم أيضًا؛ لأن العلماء أصبحوا يدركون سريعًا أن كثيرًا من جوانب الحياة الحديثة — بدايةً من المضادات الحيوية إلى العمليات القيصرية والأطعمة الدسمة — بإمكانها تحويل ميكروباتنا إلى المجتمعات المرتبطة بأمراضٍ مثل السمنة وأنواع الحساسية المختلفة ومرض السكري وغيرها. يطوِّر الباحثون أيضًا سُبُلًا لتحويل الميكروبات إلى صور صحية أكثر.

لكن كيف يمكننا فعل ذلك إذا كنَّا لا نعرف فعلًا كيف تبدو الميكروبات لدى مَن لم يختبروا قطُّ أنماط الحياة الغربية؟ لا تتمتع هذه المجتمعات بالضرورة بالصحة أكثر من مجتمعاتنا، لكنها تُطلِعنا على مدى التنوُّع الكامل في البكتيريا التي تؤثِّر في حياتنا. وكما كتبتُ في مقالة على موقع برنامج نوفا العلمي في العام الماضي: «نحن نشبه تمامًا حُماةَ البيئة الذين يحاولون إعادة غابة إلى الحياة وهم لم يروا في حياتهم إلا الصحراء!»

إن هذا الوضع آخذ في التغير الآن؛ حيث قامت ستيفاني شنور من معهد ماكس بلانك لعلم الإنسان التطوري وفريقٌ من العلماء الدوليين، بنشر ميكروبيوم مَن يعيشون على الصيد وجمع الثمار في العصر الحديث، وذلك للمرة الأولى في التاريخ؛ ميكروبيوم ٢٧ فردًا من شعب الهادزا في تنزانيا.

إن شعب الهادزا هذا لا يزرع المحاصيل ولا يربي الحيوانات، فهم يحصلون على كلِّ طعامهم من الصيد وجمع الثمار. ويحتوي نظامهم الغذائي على الدرنيات والفواكه وأوراق النباتات والعسل واللحم الذي يحصلون عليه من الحيوانات الكبيرة والصغيرة. فهم يمدوننا بأقرب صورة ممكنة (لكنها ليست صورة طبق الأصل) لحياة أجدادنا الذين عاشوا منذ نحو ١٠ آلاف سنة، وهو الأمر الذي يجعل دراسة الميكروبات لديهم مثيرةً للاهتمام.

اكتشف الفريق أن المجموعات البكتيرية الموجودة داخل أمعاء شعب الهادزا أكثر تنوُّعًا من تلك الموجودة لدى ١٦ شخصًا إيطاليًّا أُجرِيَ ترتيب تسلسليٌّ لمجموعاتهم البكتيرية في الوقت نفسه. لم يكن ذلك أمرًا مفاجئًا، فنحن نرى النمط نفسه في جميع السكان القرويين تقريبًا الذين تعرَّضوا للفحص من قِبَل أي جهة حتى الآن.

إلا أن شنور أظهرت أيضًا أن ثمة اختلافًا إلى حدٍّ ما بين رجال ونساء الهادزا في مجموعات ميكروبات الأمعاء، وهذا أمر جديد. ربما تعكس هذه الاختلافات أنماط حياتهم المتفاوتة؛ إذ يقضي الرجال وقتهم في الترحال بحثًا عن الطرائد والعسل، بينما تظل النساء في المعسكر الرئيسي يبحثن عن النباتات والدرنيات. يتشارك الجميع، لكن الجميع أيضًا يتغذَّون على المتوافر لديهم طوال اليوم. لذا، فإن نساء الهادزا ينتهي بهنَّ الحال بوجود نِسَبٍ أعلى من البكتيريا اللولبية الشاحبة لديهن، والتي تجيد تفتيت الألياف الصلبة الموجودة في النباتات.

الغريب في الأمر أن شعب الهادزا يخلو تمامًا من «البيفيدوبكتيريا»؛ وهي مجموعة من البكتيريا تشكِّل نحو ١٠ في المائة من بكتيريا الأمعاء في الغرب، وتُعتبَر بكتيريا مفيدة بوجه عام. يُعَدُّ هذا النوع من البكتيريا هو النوعَ الأساسيَّ من الميكروبات الموجودة لدى الأطفال الرُّضَّع، ويبدو أنه يتغذَّى على أنواع معينة من السكريات في لبن الأم. ومع تقدمنا في العمر تفقد هذه البكتيريا سيطرتها لكنها تظل موجودة، ربما بسبب استمرارنا في تناوُل منتجات الألبان. من المنطقي إذن أن يفتقر شعب الهادزا — الذي لا يتناول منتجات الألبان ولا يربي الماشية — إلى هذه الميكروبات المنتشرة في كلِّ مكان آخَر.

في الوقت نفسه، يتمتع هذا الشعب بمستوياتٍ مرتفعة من أنواع أخرى عادةً ما نعتبرها انتهازية، وهي أنواع من البكتيريا غير الضارة بوجه عام، لكنها قد تسبِّب أمراضًا خطيرة إذا ما كان جهازنا المناعي في حالة من الضعف. تضم مجموعة البكتيريا اللولبية الشاحبة — على سبيل المثال — نوعًا يسبِّب مرض الزهري والداء العليقي، لكن ليس ثمة أَثَر لأي من المرَضَيْن لدى شعب الهادزا. تقول أماندا هنري التي تولَّتْ إجراء الدراسة الجديدة: «عندما نرى هذا النوع من البكتيريا لدى المجتمعات الغربية، فربما تكون إشارة تحذيرية، لكن شعب الهادزا لديه الكثير منها، ويبدو أنهم بصحة جيدة.»

كذلك فإن الكثير من البكتيريا الانتهازية هذه متخصِّص في تفتيت الألياف؛ لذا من المحتمل أن شعب الهادزا يعتمد عليها في استخلاص المزيد من العناصر الغذائية من طعامهم. مع هذا تظل مجموعاتهم البكتيرية مختلفة إلى حدٍّ ما عن تلك الموجودة لدى الأفارقة الريفيين من بوركينا فاسو، والذين يتغذَّون أيضًا في الغالب على النباتات. لذا، ربما يوجد شيء مميَّز في نظام الهادزا الغذائي يضمن وجود مجموعة مختلفة من الميكروبات المفتِّتَة للألياف.

ترى هنري أن هذه النتائج توضِّح ضرورة حذرنا قبل أن نضع أسلوبَ حياةِ شعب الهادزا في قالب مثالي ونعتبره أسلوبًا يشبه نمط حياة أجدادنا، ومن ثَمَّ يكون نمطًا صحيًّا أكثر. فعادةً ما يُشار إليهم على أنهم مصدر إلهام لحمية «باليو». إلا أن هنري تقول: «إنهم يعيشون في منطقة متسعة تضم رعاةً ومزارعين، ويزورهم سياح ومتخصِّصون في علم الإنسان، وما زالوا يطوفون بحثًا عن الطعام، لكنهم يعيشون في العصر الحديث ولا يمثِّلون تمامًا حالة أسلافنا.»

إن افتقارهم إلى البيفيدوبكتيريا ومستويات البكتيريا اللولبية الشاحبة المرتفعة ليس بالأمر الضار بالضرورة، غير أن مجموعات البكتيريا في أمعائهم ليست بالضرورة أفضل من تلك الموجودة لدينا كذلك. إنهم يأكلون النباتات ولحوم الحيوانات الموجودة في موطنهم ويشربون المياه المحلية، وقد عاشوا على تراب ذلك المكان؛ لذا فإن مجموعات الميكروبات الموجودة لديهم قد تكيَّفَتْ ببساطة مع موقعهم في العالم.

ثمة مشكلة واحدة في هذه الدراسة، وهي أن فريق البحث قد خزَّنَ عينات البراز من شعب الهادزا في الكحول؛ الأمر الذي يمكن أن يؤثِّر بشدة على نِسَب الأنواع المختلفة الموجودة بداخل هذه العينات. ربما يفسِّر هذا سببَ سيطرةِ مجموعة بكتيريا «متينات الجدار» على عينات كلٍّ من الهادزا والإيطاليين، وهي نوع من البكتيريا ارتبط بالسمنة في دراسات سابقة. واجهت ماريا جلوريا دومينجيز بيلو من جامعة نيويورك هذه المشكلة من قبلُ، وتحتَّمَ عليها إعادة جزء كبير من عملها السابق لتصحيحه؛ ففحصَتْ ميكروبيوم مجتمعات الصيد وجمع الثمار في فنزويلا (لم تُنشَر بعدُ) وأطفال الريف في المكسيك، ولم تطغَ على أيٍّ من المجموعتين بكتيريا «متينات الجدار».

يقول روب نايت، عالم الميكروبيوم وصاحب الخبرة في الأمور الفنية: «يحتمل أن تكون الاستنتاجات بشأن النِسب التقريبية للبكتيريا غير صحيحة. للأسف لم يُنشَر حتى الآن مرجع لهذا الأمر، ونحن نعمل على نشر واحد حاليًّا.» لم يتضح إذا ما كانت هذه المشكلة قد أثَّرَتْ على الاستنتاجات الأخرى للدراسة، كما في حالة غياب البيفيدوبكتيريا.

يقول الدكتور سيسل لويس الابن من جامعة أوكلاهوما: «أنا متحمس لرؤية ما سيكون من مقارنة بين مجموعة بياناتهم والدراسات المستقبلية التي ستُجرَى على ميكروبيوم مجتمعات الصيد وجمع الثمار الأخرى.» ولن يضطر إلى الانتظار طويلًا؛ فهو يدرس مع دومينجيز بيلو ميكروبيوم سكان القارتين الأمريكيتين الأصليين من الهنود في كلٍّ من بيرو وفنزويلا على التوالي.

في الوقت نفسه يعمل كلٌّ من نايت ودومينجيز بيلو على مشروع آخَر من أجل تحديد تسلسل ميكروبيوم الهادزا، ويقود هذا المشروع جيف ليتش من مشروع الغذاء البشري. وقد جمعوا أكثر من ٥٠٠ عينة حتى الآن، من أجسام شعب الهادزا، وأيضًا من طعامهم وبيئتهم، كما جمعوا العينات أيضًا طوال العام. وهو أمر مهم لأن نظام الهادزا الغذائي يتغيَّر على نحوٍ جوهريٍّ في الفصول الرطبة عن الفصول الجافة؛ فهم يتناولون المزيد من النباتات في الأشهر المطيرة، والمزيد من اللحوم في الأشهر الأكثر جفافًا.

يقول ليتش: «نحن نتوقَّع الحصولَ على بعض التصورات المثيرة للاهتمام بشأن كيفية اكتساب البشر — الذين يحيون حياة التجول — ميكروباتٍ من المجموعات البكتيرية الخارجية الهائلة التي تأتي من النباتات والحيوانات والمياه وغيرها، والموجودة في شرق أفريقيا. يصطاد شعب الهادزا فعليًّا الحيوانات نفسها (عدا الحيوانات الضخمة)، ويجمعون النباتات نفسها، ويعيشون على التربة نفسها، ويجري في عروقهم الدماء نفسها، ويُخرِجون الفضلات نفسها، وهي الأنشطة التي تميَّزَ بها أشباه البشر أثناء تطورهم. إنهم يمثِّلون فرصة فريدة لاختبار بعض الفرضيات المثيرة للاهتمام.»

First Look at the Microbes of Modern Hunter-Gatherers by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. March 15, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Samo Seem ·٢٥ يونيو ٢٠١٤، ٨:٣٥ ص

    شكرا لكم هل يمكن ان تكون موضوعات منشورة مشابهة لهذا النوع تساعد فى عمل بحث علمى ؟؟