فأما الذين أصابهم شرها، وهم نيف وسبعون من علماء الأزهر، فقد تلقَّوها كما علَّمهم الدين أن يتلقَّوا الشر بالصبر والثبات والإيمان بالحق، والثقة بعدل الله، والانتظار لهذا الإنصاف الذي إنْ أخَّرَه الله عنهم، امتحانًا لهم، وابتلاءً لأخلاقهم، واستزادةً لهم من الحسنات، واستكثارًا لهم من الثواب، فهو مدركهم من غير شك؛ لأن الله عز وجل قد تأذَّنَ أنه لا يظلم الناس شيئًا، ولا يضيع على ذي حق حقه، ولا يحول بين المظلوم وبين ما ينبغي له من الإنصاف.

وأما الذين مثَّلوا هذه المأساة، وصبُّوا شرَّها على المظلومين صبًّا، فما يزالون كما كانوا يوم أَقْدَموا على هذه القسوة، ودفعوا أنفسهم إلى هذا العنف، أقوياء أشدَّاء يستمتعون بلين الحياة، فينعمون بطيباتها، يبتسمون لضوء الشمس إذا أصبحوا، ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، يتحدَّثَ بعضهم إلى بعض، ويطمئن بعضهم إلى بعض، ويشفق بعضهم من بعض، ويضطربون في حياتهم بعد هذه المأساة كما كانوا يضطربون في حياتهم من قبلُ، لا يمس قلوبهم حزن، ولا يبلغ نفوسهم أسى، ولا ينتهي إلى ضمائرهم ندم، ولا تغشى وجوههم كآبة، كأنهم لم يُحدِثوا شيئًا، ولم يظلموا أحدًا، ولم يحولوا بين الصغار وبين ما لا ينبغي أن يصرف عن الصغار من هذا الرزق الحلال، الذي يكسبه الآباء الأخيار لأطفالهم الأبرياء.

وكأنهم لم يُخرِجوا قومًا من هذا الأمن الذي ينبغي للعلماء، إلى هذا الخوف الذي لا ينبغي للعلماء، وكأنهم لم يصدوا عن العلم قومًا خُلِقوا للعلم، ولم يصرفوا عن التعليم قومًا أعدُّوا حياتهم للتعليم، وكأنهم لم يردُّوا عن تعليم الدين والدعوة إليه قومًا هُيِّئوا لتعليم الدين والدعوة إليه.

نعم، هؤلاء الذين أحدثوا هذه المأساة يستمتعون الآن بلين العيش، وإن نيفًا وسبعين من إخوانهم في العلم لَيشقون بالعيش الخشن الغليظ، وهم ينعمون بطيبات الحياة، وإن قومًا من إخوانهم في الدين لَيبتئسون بشرِّ ما يبتئس الناس به في هذه الأيام السود، يبسمون للشمس إذا أصبحوا، وإن قومًا من إخوانهم في العلم والدين لَيستقبلون الشمس بوجوه لا ترتسم عليها ابتسامة الراحة والأمن والاطمئنان، وإنما ترتسم عليها ابتسامة الصبر والرضى بقضاء الله، والثقة بأن عدل الله قريب.

ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، وإن قومًا من إخوانهم في العلم والدين لَيستقبلون ظلمة الليل وفي قلوبهم ألم مما مسَّهم به النهار من ضرٍّ، وفي نفوسهم قلق وإشفاق مما قد يمسهم به الغد من ضرٍّ، وفي ضمائرهم مع ذلك إيمانٌ وثقةٌ بأن عدل الله قريب.

نعم، إن الذين أحدثوا هذه المأساة منذ ثلاثة أعوام لا يزالون كما كانوا حين أحدثوها، لم يصل الندم إلى نفوسهم بعدُ، ولم يبلغ الحزن قلوبهم بعدُ، ولم يرتسم أمام ضمائرهم، إنهم قد ظلموا إخوانهم، وبطشوا بهم في غير حق، وقسوا عليهم في غير ما يدعو إلى القسوة، وابتغوا لهم الشر، وكان ينبغي أن يبتغوا لهم الخير، وألقوا بهم وبمَن يعولون من النساء والأطفال ومن ذوي القربى، فرائس لهذه الوحوش الضارية التي تفسد الحياة المصرية في هذه الأيام، وحوش الخوف والقلق والشقاء والبؤس والحرمان.

نعم، لم يحزنوا، ولم يندموا، ولم يذكروا شيئًا من هذا، ولم يفكِّروا في شيء من هذا، ومع ذلك ففي أعوام ثلاثة ما يكفي ليتوب المذنب، ويتوب المخطئ إلى الصواب، ويتنبَّه الغافل من غفلته، ويستفيق الجاهل من جهله، ويعتبر مَن هو قادر على أن يعتبر، ويندم مَن هو مستعدٌّ ليذوق ألمَ الندم ولذته في وقت واحد.

في ثلاثة أعوام ما يكفي للتذكُّر والتفكُّر والرجوع إلى الحق، والانصراف عن الباطل، وإصلاح الخطأ، وإنصاف المظلوم. في هذه الأعوام الثلاثة ما يكفي ليتبيَّن شيخ الأزهر وأصحابه الذين أعانوه على هذه المأساة، أنهم كانوا مسرفين على أنفسهم وعلى هؤلاء الناس، وأن من الحق عليهم لأنفسهم ولهؤلاء الناس أن يتوبوا من هذا الإسراف، ويثوبوا إلى ما ينبغي لهم من القصد، وأنهم كانوا مخطئين، ومن الحق عليهم أن يعودوا إلى الصواب، وأن يردوا إلى هؤلاء الناس حقهم ويعيدوهم إلى حيث كانوا يعملون، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه لم يتبيَّنوا إلى الآن شيئًا، أو هم لم يريدوا أن يتبيَّنوا شيئًا، أو هم كانوا يعلمون كل شيء، وحين ما أقدموا على ما أقدموا عليه، ولكنهم مع ذلك أقدموا، لا خائفين ولا وَجِلين، ولا حاسبين لشيء حسابًا.

ما أقصى قلوب الناس وأغلظها! وما أخشن طباع الناس وأجفاها! وما أشد ما تحب بعض الضمائر أن تخلد إلى النوم! إن شيخ الأزهر وأصحابه لَيرون هؤلاء المظلومين منذ ثلاثة أعوام، وهم يحتملون الظلم، ويشقون بآلامه، ويثبتون له كرامًا، ويصبرون عليه أقوياء النفوس، وإن في بعض ما يرون من أمرهم وما يعلمون من أطوارهم، لما يكفي لتنغيص الحياة أثناء النهار، وردِّ النوم عن الجفون أثناء الليل، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه يَحْيَون بياض النهار سعداء ناعمين، وينامون ملء جفونهم سواد الليل، لا تؤرقهم الهموم، ولا يقلقهم الندم، ولا تروعهم الأحلام.

لقد كنتُ أعلم قبل أن يبسط صدقي باشا على المصريين ظل هذا العهد، أن في الدنيا ظلمًا كثيرًا، وأن الناس جميعًا عرضة لأن يصدر عنهم الظلم، ويقع عليهم، ولكني ما كنتُ أقدِّر في يوم من الأيام أن الأزهر الشريف سيصيبه مثل ما أصابه في هذا العهد، وأن نيفًا وسبعين من علمائه ستُقطَع أرزاقهم في لحظة قصيرة في غير سؤال، ولا تحقيق ولا محاكمة، ولا رعاية لحرمة من الحرمات، ولا لتقدير ظرف من الظروف، ولا تفكير فيما سيئول إليه أمر هذا العدد الضخم من علماء الدين، ومَن يعولون من الصغار والضعفاء، ولا حساب لأمر هؤلاء الطلاب الذين كانوا يختلفون إلى دروسهم، ويستعينون بهم على التفقُّه في العلم والدين.

لم أكن أقدِّر أن حدثًا جَلَلًا كهذا الحدث يمكن أن يلمَّ بالأزهر؛ لأني كنتُ أعتقد أن مكانة الأزهر من الدين ستحميه دائمًا من أن يقع فيه الظلم الشنيع، أو تحدث فيه الأحداث الجسام، ولكن أيام صدقي باشا أَبَتْ إلا أن ترينا كل شيء، وأن نُكْرِه التاريخ على أن يسجِّل ما لم يتعوَّد تسجيله منذ أُنشِئ الأزهر، ويثبت أن نيفًا وسبعين من العلماء قد أُخِذوا بالشبهة وعُوقِبوا على الظنَّة، وكانوا آمنين مطئمنين، فدُفِعوا في لحظة قصيرة إلى القلق والخوف.

ولم أكن أقدِّر أن علماء الأزهر سيفقدون ما لا ينبغي أن يفقد رجال الدين من التعاطف والتراحم فيما بينهم، ومن إنكار الشر وجحود الظلم والوقوف في وجه العدوان، ولكن قسوة صدقي باشا وصرامة حكمه وهذه الألوان من العنف التي أحاط بها كل شيء وكل إنسان، كانت أقوى فيما يظهر من التعاطف بين رجال الدين، فأخرج هذا العدد الضخم من الأزهر ودفعه إلى الشارع، ولم يظهر من علماء الأزهر إنكار، ولم يجر لسانُ واحدٍ منهم باحتجاج، وأكبر الظن أن كثيرين منهم تجنَّبوا هؤلاء المظلومين، مخافَةَ أن يُتَّهَمُوا أو أن يُسَاء بهم الظن، أو أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء من ظلم وجور.

وكذلك انتهى الفساد إلى أقصاه، وبلغ الشر غايته في هذه الأيام، يقع الظلم العنيف حيث لا ينبغي أن يقع الظلم، حتى إذا وقع لم ينكره أحد، وإنما استكان له الناس جميعًا، وخاف منه الناس جميعًا، وأصبح الذين كان ينبغي أن يكونوا دعاة إلى العدل وحماة للحق خائفين وَجِلين، يسألون الله أن يردعهم عن الشر، ويدفع عنهم السوء، ويلطف بهم في القضاء.

لا يمكن أن يصل الضعف إلى شر من هذا، لا يمكن أن يعقد الأمل بقوم ينتهون من الضعف إلى مثل هذا، لا يمكن أن يُنتَظَر الخير من قوم يلقون الشر بمثل هذا.

لا يمكن أن يُرجَى الصلاح عند قوم يطمئنون إلى الفساد مثل هذا الاطمئنان، ومع ذلك فإن هؤلاء العلماء الذين نيَّفوا على السبعين، والذين صبروا لهذا الظلم ثلاثة أعوام؛ مؤمنون بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، ونحن نؤمن معهم أصدق الإيمان بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، وبأنه سيردُّ عليهم حقهم، ولكن لا على أيدي الأزهريين بل على أيدي قوم آخَرين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.