انظر! أترى هذا البناء الفخم الذي يقوم العمَّال بتشييده، وما يزال تحيط به حواجز الخشب وسلالمه؟ وهل تسمع ضجة هؤلاء العمال من نحاتين، وبنائين، ونجارين وبعضهم يتنادى والبعض يتغنى؟! إن هذا البناء قصر يقوم مكان قصر سبقه ما تزال بعض أجزائه باقية، وما تزال أكثر أُسُسه في مكانها، لم يستطع الهدامون القضاء عليها، وانتزاعها من الأعماق التي نبتت فيها. وهو واحد من سلسلة هذه القصور المتصلة اتصال سلسلة قصور اللوفر بباريس أو معابد الكرنك بالأقصر، لا يتم تشييدها في جيل ولا في أجيال، بل تتعاقب القرون حتى يبلغ تمامه، أفتظن أن هؤلاء العمال الذين يصلون ليلهم بنهارهم في تعميره وتشييده يستطيعون أن يرسموا لأنفسهم صورةً صادقة مما سيكون بعد تمامه، وبعد أن يصبح مجموع هذه القصور قصرًا واحدًا؟ كلا، فكلٌّ في شغل أي شغل بالناحية التي يعمل فيها، وبالعمل الذي يشغل جهده وتفكيره، فإذا انتهى من كد نهاره أو أعياه التعب تغنَّى شاكرًا للقدر أن يسَّرَ له كد النهار؛ ليطمئن إلى راحة الليل، أو مستمدًّا من الغناء وسلطانه الموسيقي والنغم ما ينسيه إعياءه وتعبه. وهل تظن المهندس الذي وضع تصميم هذا القصر الذي يقوم العمال اليوم بتشييده أمامك قديرًا على أن يرسم لك صورة من هذا القصر، دَعْنا من مجموعة القصر بعد تمام زخرفته ونقشه وتأثيثه وكمال الغاية منه؟ كلا؛ فهو إنما رسم وصمَّم ما أمره رب هذا القصر برسمه وتصميمه، وربُّ هذا القصر لن يبقى أغلب الأمر إلى حين الانتهاء من إقامته وتشييده. وهل قدَّر الذين تعاقبوا على بناء اللوفر من ملوك فرنسا أنه سيصبح متحفًا كما أصبح اليوم، وأنه سيصبح أعظم متحف في العالم كله؟! إنما يقرر مصير هذه القصور التي تراها تُشَاد بعينك أولئك الذين يرثونها بعد أن تتم كلها، ويجعلون منها ما تلهمهم روح عصرهم ووحي روحهم أنها أكثر ما تكون صلاحًا له.

هذه المدنية الحديثة التي تغمرنا اليوم بمنشآتها أشبه الأشياء بذلك البناء الفخم الذي يقوم العمال بتشييده، لقد كانت حضارة العالم إلى قرون قليلة مضت مستمَدةً من حياة العالم في تلك العصور، ومن تأثُّر العلماء والمفكرين بتلك الحياة، وتكييفهم لنظم الإنسان والاجتماع على مقتضاها، ثم كانت الثورة على تلك الحياة وعلى تلك النظم ثورة بدأت بأوروبا دينية في القرن السادس عشر في القارة، وسياسية في القرن السابع عشر في إنكلترا، وفي القرن الثامن عشر في فرنسا. وكانت هذه الثورة هدَّامة لسلطة الملوكية، هدَّامة لسلطة الأشراف الالتزامية، هدَّامة بعد ذلك وأثناءه لطرق البحث والتفكير، ومن خلال هذه الثورة خرج العلم الواقعي، وألفى نفسه حين خرج خصمًا للكنيسة ولرجال الدين، وانتقل العلم سراعًا بعد خروجه من الميدان النظري إلى الميدان العملي، وبدأ العلم يغزو من ميادين الحياة والكون ما لم يكن أحد يفكر في غزوه تفكيرًا قويًّا مستقرًّا، وها هو العلم ما يزال يغزو الميدان العملي بقوة، وما يزال يكشف من قوى الكون كشفًا يزيدنا علمًا بها وسلطانًا عليها، ويجعلنا نرى فيما كان يحسبه أسلافنا معجزاتٍ وخوارقَ منذ بضعة قرون ظواهرَ طبيعيةً تخضع لنواميس الكون التي يزداد العلم كل يوم كشفًا عنها، فهذا الهواء قد أصبح في سلطاننا تطير طائراتنا مخترقة إياه، وها هو الأثير قد دخل في ملكنا نحمِّله من الرسائل والأخبار والأصوات ما نشاء لينقلها كرهًا أو طوعًا إلى حيث نشاء، وها هم العلماء ما يزالون يجدُّون في معرفة طبقات الأثير إلى ارتفاع الألوف والألوف من الأمتار لمعرفة كثافتها ومكانتها من حياة الكون، وها هو النشاط العلمي موزَّع في كل ناحية من نواحي الحياة في الجماد والنبات والحيوان، في الأرض والماء والهواء، في الذرات والإلكترونات وما هو أدق من الذرات والإلكترونات، في مصدر الحياة وأصلها ومتوجهها. والعلم التطبيقي في هذا أكثر نشاطًا من العلم النظري وأغزر آثارًا مادية، وإن استمد العلم التطبيقي حياته من العلم النظري، وما يزال العلماء يوالون جهودهم للكشف عن كثير مما لم يُكشَف عنه بعدُ من سنن الكون، وما يزال المخترعون والمكتشفون يستمدون من العلم قوة للبلوغ إلى مزيد من الاكتشاف والاختراع.

هذا النشاط الحاضر هو نشاط البناءين، والنحاتين، والنجارين، وسائر العمال في ذلك القصر الذي رأيت، وهو نشاط المهندسين الذين يوجهون مجهودات أولئك العمال ومَن يقوم بالرقابة عليهم، وهو نشاط مجهِد شاقٌّ يشغل صاحبه عن التفكير في الأثر المحتوم الذي ينتج عنه إذا آن لهذا النشاط أن تهدأ ثائرته، ويشغله عن أن يرى هذه القصور الفخمة التي يقيم العلم حتى يقرر مصيرها بعد الفراغ من إقامتها مَن يدفع إليها وحدة في حياتها كمجموعة، هي وحدة الحضارة التي تجيء وراء هذه المدنية الحديثة، مدنية النشاط الإنشائي تحت لواء العلم وفي ظل قيادته.

ولقد أَلِف الناس من أهل هذا الجيل أن يسموا هذا النشاط وما يصل إليه من نتائج تحكُّمَ الإنسان في الطبيعة، وهؤلاء يرون أن العلم ومدنية العلم سيطوعان للإنسان أن يزداد في العالم تحكمًا حتى يبلغ من السلطان عليه أن يوجه كل ذرة فيه الوجهة التي يشاء، وهذه في رأينا نظرة خاطئة، فالإنسان لا يزداد بالعلم تحكمًا في الكون، وإنما يزداد بالعلم معرفة للكون واتصالًا به، وهذه القوى التي تسيِّر القطر والبواخر والطائرات، وهذه الموجات الأثيرية التي أتاحت لنا أن نتصل بمختلف نواحي العالم، وما يمكن أن نصل إليه بعد ذلك من المعلومات، ونكشف عنه من سنن الكون، لا يزيدنا على الكون قوةً، ولكنه يزيدنا بالكون علمًا واتصالًا، أفيزيدنا هذا الاتصال حريةً، أم هو يخلق لنا على العكس قيودًا جديدة؟ أفيزيدنا هذا العلم سعادةً، أم يخلق لنا من الشواغل ما يزيدنا للحياة تنبُّهًا وما يلهينا بدوره عما نجد في لذة نسيان النفس من سعادة؟ وهل يزيدنا العرفان بسنن الكون خضوعًا لهذه السنن وإسلامًا لها، أم يدفعنا إلى الثورة عليها والحرص كل الحرص على أن نكون أصحاب السلطان المتحكمين فيها؟ هذه كلها مسائل ليس من اليسير الإجابة الآن عليها إجابة دقيقة؛ لأن كلامنا ما يزال كما قدَّمنا في شغل بهذا الجزء الذي ألقت الأقدار علينا أن نقوم به في سبيل الكشف عن سنن الكون، والمزيد من الاتصال العلمي به. كلٌّ منا ما يزال في شغل مثل شغل كل أولئك البناءين، والنحاتين، والنجارين، والمزخرفين في ذلك القصر وفي تلك القصور التي رأيت، فمن العسير علينا أن نضع الإجابات الشافية لتلك الأسئلة، وكل الذي نستطيعه أن نرسم ما يدور بخيالنا كصورة لهذه القصور التي يشيد العلم، وما يمكن أن يكون الضياء الذي ينتشر من بعدُ فيها، والروح الذي يبعث الحياة من بعدُ إليها.

وفي هذه الحدود نتحدث اليوم إلى قراء «الهلال» عما وراء هذه المدنية الحديثة، وعما ستكون حياة هذه القصور التي يشيد العلم على أحدث طرائقه النظرية والتطبيقية. ورأينا أن هذه القصور التي يشيد العلم سينتهي نشاط الناس في بنائها وسيطمئنون إليها بعد قرن أو نحوه من الزمان، هنالك تصبح هذه العمائر قسمًا مألوفًا من حياة الإنسانية لا يثير طلعتها بمقدار ما يدعوها إلى التفكير في حسن الاطمئنان إليه والمتاع به، هنالك يشتد بها الشعور الذي بدأ يظهر منذ اليوم، الشعور بالشوق إلى معرفة صلة الإنسان بالكون كله، الشعور بهذه الوحدة الروحية التي صبا الإنسان منذ بدء حياته إلى الإحاطة بها، والتي صوَّرها في مختلف العصور حسب ما هداه إلهام ما يعرف من الكون إياه، يومئذٍ نشعر بأن هذه القوة المادية التي تستخدم ليست مجرد قوة صالحة لخدمتنا، ولكنها مظاهر لوحدة الكون كالشمس والقمر والنجوم، وكالهواء والماء، ككل ذلك الذي أَلِف الإنسان منذ آلاف السنين. ستصبح الكهرباء وسيصبح الأثير كهذه الظواهر الكونية الكبرى، وسنصل من العلم بهذه القوى إلى مثل ما وصلنا من العلم بالماء وباليابسة، وستتصل هذه القوى بشعورنا وبعواطفنا وبوجداننا المختلف، وسنتغنى بها ونرى فيها بعض حياتنا كما أن فينا بعض حياتها. لا يصبح مرور منطاد أو طائرة أو سماع ألحان آتية من أمريكا أو من المحيط المتجمد الشمالي عن طريق الأثير بعض ما يلفت النظر، بل ستصبح هذه القوى جميعًا من مألوفات ما نعرف كلنا، رجالًا ونساء، شبانًا وشيبًا، وستنفتح بذلك دائرة علمنا الوجداني بمقدار ما يزداد اتصالنا بالكون، وسنرى يومئذٍ لزامًا علينا أن نعيد نظام حياتنا على أساس هذا الاتصال وذلك العلم، وستكون تلك هي المدنية الحَقَّة، وستكون ما وراء الحضارة الحديثة.

أنا مؤمن بأن هذا الدور الذي يبدأ فيه ذلك التنظيم الإنساني الرفيع لصلتنا بالكون سيكون من عمل الشرق؛ فالنظرية الطبيعية التي تقتضي تنظيم العمل قد جعلت للشرق دائمًا هذا التنظيم، وألقت عليه في مختلف العصور عبء القيام به، قامت حضارة بابل وآشور، وقامت الحضارة الفرعونية معاصرة لها، وكانت وثنية تلك العصور وعبادة النار وقوى الكون المختلفة، ثم قامت الموسوية في مصر داعية إلى التوحيد، وقام التنظيم الروماني معيدًا إلى العالم العهد الوثني متغنيًا أغنيات النعيم والترف، غارقًا في المادة إلى أذقانه، ثم قام عيسى في فلسطين يعلن أن دخول ملكوت الله أيسر من دخول الغني سَمَّ الخِياط، وافتنت الإمبراطورية الرومانية في روما ثم في بيزنطة في التشريع جاعلةً الوثنية ثم المسيحية المحرَّفة قبلتها، وقامت إمبراطورية مثلها في فارس المجوسية، ثم قام محمد في بلاد العرب يدعو إلى التوحيد، توحيد الله في أبسط صورة وأقواها وأسماها، وحكمت الحضارة الإسلامية العالم بعد ذلك في شرقه وغربه قرونًا متتالية، حتى آن لسلطانها أن يفتر، وإنْ بقي لها سلطان الغلب الحربي ممثَّلًا في الأتراك حين اقتحموا أسوار القسطنطينية، وحين مهدوا بهذا الفتح الحربي للبعث الأوروبي، ثم كانت فترة الإحياء وما أعقب فترة الإحياء من ثورات دينية في أوروبا توَّجها فولتير ومدرسته بنفي الأديان جميعًا والنعي عليها، مما شق الطريق لبواكير البحث العلمي. وهذا العلم يؤتي اليوم من الثمرات ما أشرنا إليه، ويشغل الإنسانية كلها ببناء قصور المستقبل، فليس من ريب في أن يكون الوقت قد آن لتلقي المقادير على كاهل الشرق حظَّه من تقسيم العمل في حياة الكون، لتنظيم وحدة الكون على الأساس الذي آمن به الشرق دائمًا، والذي تتابعت رسائل الوحي فيه على رسله وأنبيائه.

على أن الشرق يجب عليه حين يضطلع بهذا العبء أن يقف على أصدق ما قرَّر العلم من نظريات عن سنن الكون، ومن تطبيق لهذه النظريات في واقع الحياة، وهذا ما يقوم الشرق اليوم به جاهدًا برغم ما يوضع من عقبات في سبيله.

وهو إذ يهضم نظريات العلم، ويطبِّق هذه النظريات ويعاون على نشرها، يفعل ذلك في الاتجاه الذي هيَّأه القدر له، فإذا جاء اليوم الذي تدوي فيه الصيحة ويطلع فيه النور، كان الشرق مصدر الصيحة والنور جميعًا، وكان ذلك إيذانًا بعهد جديد في حياة الإنسانية، فهو عهد أساسه الإيمان بالحق وبوحدة الوجود إيمانًا مستنيرًا لا يشوبه دجل ولا تعبث به خدعة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.