… القُرَّاءُ كلُّ شيءٍ بالقياس إلى الكُتَّاب، ويُوشكُ ألَّا يكون الكُتَّابُ شيئًا بالقياس إلى القُرَّاء …

… متى يُتاح للكُتَّابِ أن يثأروا من القُرَّاء وأن يُقدِّموا أنْفُسَهم عليهم، وأن يؤثروها من دونهم بالعناية؟! …

وَتَسْتَطِيعُ أنْ تعكس العنوان؛ فإني لم أُرِد تقديمًا ولا تأخيرًا، ومن أوليات النَّحو أنَّ الواو لا تُفيد ترتيبًا ولا تَعقيبًا، فينبغي ألا يغضب القُرَّاء إذن؛ لأنَّ المُصادفة أرادت لعنوانهم أنْ يتأخر في اللفظ، فأنا أؤكد لهم أنَّ أشخاصهم مُقَدَّمون في المعنى أو مُقدَّمون في حقيقة الأمر، بل أستطيع أن أؤكد لهم أنهم فوق التقديم؛ لأنَّهم كل شيء، وليس الكُتَّاب بالقياس إليهم شيئًا، أو لا يكادون يكونون بالقياس إليهم شيئًا.

وآية ذلك أنَّ الكُتَّاب لا يعيشون إلا للقُرَّاء، وأنَّ القُرَّاء يستطيعون أن يعيشوا، بل هم يَعِيشُون لغيرِ الكُتَّاب، يَعِيشون لأنفسهم كما يعيشون لغيرهم، ولكنَّ غيرهم هذا ليس كاتبًا أو يجب ألا يكون كاتبًا. وآيةُ ذَلكَ أَيْضًا أنَّ الكُتَّاب يفكرون في القُرَّاء حين يُقْدِمُون على الكتابة، وحين يمضون فيها، وحين يفرغون منها، فأمَّا القُرَّاء فلا يُفكرون في الكُتَّاب إلا حين يقرءونهم.

ومن يدري؟! لعلهم يُفكرون فيما يقرءون دون أن يفكروا فيمن كتبوه. أو من يدري؟! لعلهم يَقْرَءون فلا يُفكرون فيما يقرءون، ولا فيمن كتب لهم ما يقرءون، إنما يمرون أبصارهم على هذه الحروف والسطور يتبينون ما فيها من الألفاظ، ويُلمون بما تدل عليه من المعاني إلمامًا خفيفًا جدًّا، ويقفون أو لا يقفون عند هذه المعاني؛ لأنهم يُريدون أنْ يُنفقوا الوَقْتَ أو أنْ يَتَسَلَّوا عن شيءٍ بشيءٍ أو أنْ يدعوا النَّوم إلى جفون يستعصي عليها النوم.

القُرَّاء إذن كل شيء بالقياس إلى الكُتَّاب ويُوشك الكُتَّاب ألا يكونوا شيئًا بالقياس إلى القُرَّاء! ولو أنَّ القارئ استطاع أن يدخل بين الكاتب وبين نفسه، وأن يشهده حين يهم بالكتابة، ثم حين يهجم عليها ويمضي فيها، لرأى شيئًا عجبًا، لرأى أنَّ الكاتبَ يُصارع خصمين عنيدين:

أحدهما: الموضوع الذي يريد أن يكتب فيه.والثاني: القارئ الذي يريد أن يكتب له.

ولرأى أنَّ الموضوع في أكثر الأحيان ليسَ أشد الخصمين عنادًا ولا أثقلهما خصومة، وإنما الخصم العنيف المُخيف حقًّا هو هذا القارئ الذي لا يعرفه الكاتب، ولا يستطيع أن يُحصي مُيوله وأهواءه وعواطفه، ولا أن يَتبين ذَوقَه، ولا أنْ يَسْتَيْقِن بما يُلائمه وما يُخالفه، وإنَّما هو خطر مُحَقَّق واقعٌ، ولكنه مُبهم غامضٌ شَائِعٌ مُختلف مُتناقض مُتفاوت لا سبيل إلى حصره ولا إلى تحديده، ولا إلى العلم بالطريق التي يجب أن تُسلَك إليه.

ومن هنا، ينبغي للكاتب المصري أن يسأل نفسه: متى يُتاح للكُتَّاب أن يثأروا من القُرَّاء، وأن يُقدِّموا أنفسهم عليهم، وأنْ يُؤثروها من دونهم بالعناية؟ ولا أقول: متى يُتاح للكُتَّاب أن يأثروا من القُرَّاء ومن أنفسهم وألا يُفكروا إلا في الفنِّ وحده، ولا يُعنَوا إلا بالفن وحده؛ فقد يظهر أن هذا الأمد ما زال بعيدًا أبعد من أن نطمح إليه أو نطمع فيه.

ولكنَّ السُّؤال الأولَ قريبُ المَنَالِ يُمكن أنْ نقف عنده بعض الشيء، وأنْ نَلْتَمِسَ له جوابًا، فهل في مصرَ هؤلاء الكُتَّاب الذين لا يُفكرون في القُرَّاء أو الذين لا يُسرفون في العناية بالقُرَّاء واستحضار أشخاصهم الخطرة دائمًا حين يكتبون؟

والغريبُ أنَّ كثرة القُرَّاء تُظَن، بل تُؤمَن بغيرِ هذا، تُؤمَن بأنَّ الكُتَّاب لا يفكرون فيها ولا يحفلون بها ولا يرجون لها وقارًا، وإنما يقدمون إليها ما يخطر لهم في غير عناية ولا إطالة تفكير. وقد يكون هذا شأن جماعة من الناس لا أعرفهم، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أنِّي لم أستطع في يوم من الأيام أنْ أُقْدِمَ على الكِتابة إلا وأنا أحسب للقُرَّاء أشد الحساب وأعسره.

والشيء الذي لا أشك فيه أيضًا أني لا أعرف كاتبًا مصريًّا خليقًا بهذا الاسم تحدثت إليه إلا رأيته يخاف من القُرَّاء مثل ما أخاف، ويخصهم من العناية والتفكير بمثل ما أخصهم به أو بأكثر مما أخصهم به. ولكنَّ القُرَّاء في حقيقة الأَمْرِ صِعَابٌ ليس إلى إرضائهم من سبيل، فهم يُنكرون بعضَ ما يقرءون. لا يكتفون بالإنكار، ولكنهم يُضِيفُون إليه شيئًا من الغضب والنِّقْمَة يَظُنُّون أنَّ الكاتب لم يحفل بهم، ولم يأبه لهم، ولم يَجمع كل ما يَمْلِكُ من الجهد، ولم يبذل كل ما يملك من القوة ليرضيهم، ويقدم إليهم ما ينتظرون، كأنه يعرف ما يرضيهم، أو كأنه يعرف ما ينتظرون.

ولا يخطر للقُرَّاء أنَّ الكاتب قد يُعطيهم كل ما يستطيع أنْ يُعطيهم، وقد يَبْذُل لهم جهد المُقِلِّ على أنه كل ما يملك. والغريب أن القُرَّاء يعرفون لأنفسهم الحق في أنْ تنشط للقراءة حين تواتيها الظروف، أو تفتر عن القراءة حين لا تواتيها الظروف، وهم لا يعرفون للكُتَّاب مثل هذا الحق، ولا يُقَدِّرون أنَّ نفوس الكُتَّاب كنفوسهم تنشط حين تتهيأ لها أسباب النشاط، وتَفْتُر حين تجتمع عليها أسباب الفتور.

والقُرَّاء مَعْذُورون؛ فهم لا يضربون على أيديهم ولا يُكرِهونهم على الكتابة إكراهًا، وإنَّما يَعرِض الكُتَّابُ عليهم آثارَهم، فمن حقهم أن تكون هذه الآثار التي تُعرَض عليهم، والتي يُغرَون بها، ويُرغَّبون فيها، وقد يُكرَهون بالإعلان إكراهًا على شرائها وقراءتها؛ مُلائمة لما كانوا ينتظرون، مُكافئة أو كالمُكافئة لما يبذلون من نقد ولما يُنفِقون من جهد، ولما يريدون أن يضيعوا من وقت …

وإذا كان الكُتَّاب مُعذورين لأنهم لا يستطيعون أنْ يأخذوا على أنفسهم عهدًا بالإجادة دائمًا، وإذا كان القُرَّاء معذورين؛ لأنهم لا يستطيعون أن ينفقوا مالهم وجهودهم ووقتهم في غير غناء، فمن يكون الملوم وعلى من تكون التبعة؟ فقد يجب أن يكون هناك ملوم يحتمل التبعة، ويتم على حسابه الصلح بين الكُتَّاب المظلومين والقُرَّاء المعذورين.

هذا الملوم موجود من غير شك، ولعله ليس واحدًا، ولعله ليس اثنين، ولعل إحصاءه ليس بالشيء اليسير. فالقُرَّاء في مصر قليلون، هذا شيء لا شكَّ فيه، ولكنَّ الكُتَّاب أقلُّ منهم ألف مرة ومرة، فإحصاء القُرَّاء يَرْقى إلى الألوف، بل إلى عشرات الألوف، وإحصاء الكُتَّاب لا يكاد يرقى إلى العشرات.

وهؤلاء القُرَّاء القليلون بالقياس إلى مصر، القليلون بالقياس إلى حاجات الكُتَّاب والناشرين، الكثيرون مع ذلك بالقياس إلى طاقة الكُتَّاب، هؤلاء القُرَّاء يختلفون فيما بينهم اختلافًا شديدًا موجبًا لليأس من إرضائهم حقًّا؛ منهم المثقفون الذين لا يُعجَبون إلا بمقدار، ومنهم أنصاف المثقفين الذين يُعجَبون حين لا يوجد ما يُعجِب، ويسخطون حين يجب أن يرضوا، ومنهم الذين لا حظ لهم أو ليس لهم إلا حظ يسير من الثقافة، ولكنهم كغيرهم مُحتاجون إلى أن يقرءوا، قادرون على أن يشتروا الصحف، والكتب، والمجلات.

وكل فريق من هؤلاء ينقسم في نفسه إلى طوائف، هؤلاء تثقفوا في المدارس المدنية العالية المصرية، وهؤلاء تثقفوا في الجامعات الأوروبية، وهؤلاء خرجوا من الأزهر بعد أن أتموا الدرس فيه، وهؤلاء ظفروا بالشهادة الثانوية المدنية أو هم يطلبونها، وآخرون ظفروا بالشهادة الثانوية الأزهرية أو هم يطلبونها، وقوم وقفوا عند الشهادة الابتدائية، وقوم لم يجاوزوا ما تعلموا في الكُتَّاب، وكل أولئك على ما بينهم من الاختلاف والتفاوت يريدون أن يقرءوا ويريدون أن يرضوا.

وليس في مصر إلا عدد يسير من الكُتَّاب لا يبلغ العشرات متقارب الثقافة، وهو مكلف أن يقدم لهؤلاء جميعًا ما يلائم طباعهم وأذواقهم وطاقتهم ومثلهم العليا.

وشيء آخر يمكن أن يكون ملومًا، وهو انقطاع هذا العدد اليسير من الكُتَّاب إلى الصحف على اختلافها، وعَجْزُ أكثرِ هؤلاء الكُتَّابِ عن أن يفرغوا لما يُحبُّون من ضروب الأدب وفنون الإنشاء. ومَنْ ذَكَرَ الصحفَ فقد ذَكَرَ النظامَ والاطراد، ومَنْ ذَكَرَ النظامَ والاطراد فقد ضيَّق على الفن أشد التضييق، وقال للإجادة والإتقان: اذهبا؛ فليست مصر لكما بدار! وذلك أنَّ الفن في حاجة إلى الحرية الوَاسعة، وأنَّ الإجادة والإتقان في حاجة إلى راحة النفس وفراغ البال.

أستغفر الله! فلست أريد من راحة النفس وفراغ البال هذا المعنى الواضح الذي يفهمه الناس جميعًا، والذي لا يُتاح للأدباء ولو أُتيح لهم ما صنعوا شيئًا، وإنما أريد راحة النفس وفراغ البال من هذا النظام والاطراد، وهذا الإلحاح الذي يخضع له الكاتب حين ينقطع لصحيفة يومية أو أسبوعية أو شهرية، فكيف إذا انقطع الكاتب لهذه الصحف جميعًا؟! وكيف إذا ألحت عليه المطبعة في كل يوم وفي كل أسبوع، وفي كل شهر؟! وكيف إذا اجتمعت عليه هذه الضروب الثلاثة من الإلحاح في يوم واحد؛ فقيل له: اكتب ليقرأ الناس إذا أصبحوا أو أمسوا، واكتب ليقرأ الناس إذا كان يوم كذا فإن المطبعة لا تستطيع أن تنتظر، واكتب ليقرأ الناس إذا كان أول الشهر؛ فإنَّ صدور المجلة لا بد من أن يكون منتظمًا مطردًا؟!

هذا النظام الذي يهدر حرية الفن والذي يقطع الأسباب بين الكاتب وبين الإجادة والإتقان، وهو الملوم الأول حين يقصر الكُتَّاب ولا يبلغون من إرضاء القُرَّاء ما يريدون؛ لأنه يدفع الكُتَّاب إلى الإسراع والعجلة.

ومَنْ ذكر الإسراع والعجلة فينبغي له ألا يذكر معهما الفن، ولا أنْ ينتظر منهما إجادة أو إتقانًا. وأَمْرُ النظامِ والاطراد لا يقف عند هذا الحد، فلو أنَّه يحول بين الكُتَّاب وبين الإجادة فيما يقدمون إلى الصحف من المقالات والفُصول التي لم يُقدَّر لها النضج، لهان احتماله، ولقيل للقُرَّاء: لوموا الكُتَّاب إن شئتم في هذه الفصول وأعرضوا عن قراءتها إن أحببتم، وتعزَّوْا عنها بهذه الكتب القيِّمة التي تُقدَّم إليكم من حين إلى حين. ولكنَّ الأمر أعسر من هذا كله وأشد حرجًا؛ فمن للكُتَّاب بالوقت الذي يفكرون فيه؟! ومن لهم بالقوة التي ينفقونها في الدرس؟! ومن لهم بالجهد الذي ينفقونه في الإنشاء؟! ومن لهم بفراغ البال الذي يستعينون به على الإجادة؟! من لهم بهذا كله والمطبعة من ورائهم تلهبهم إلهابًا؛ ليقدموا لها من الفصول اليومية والأسبوعية والشهرية ما ينبغي أن يصدر في نظام ودقة واطراد؟! فالصحف المنتظمة المطردة لا تمنع الكُتَّاب من الإجادة فيما يكتبون لها فحسب، ولكنها تمنعهم من الإجادة فيما يكتبون لأنفسهم وللناس.

أستغفر الله! بل هي تمنعهم الكتابة لأنفسهم وللناس. صدِّقْني أيها القارئ العزيز، إن الكُتَّاب الذين تضيق بهم وتقسو عليهم أبطالٌ في مصر حقًّا يحتملون من العناء ما لا تستطيع أنت أن تحتمل بعضه. وأي عناء يمكن أن يُقاس إلى هذا الحزن العميق الذي يجده الكاتب حين يخطر له الموضوع الطريف فيود لو يفرغ لدرسه والكتابة فيه، ثم يُصرَف عن ذلك أشد الصرف وأعنفه؛ لأنَّ المطبعة تريد منه الفصل الذي يجب أن يظهر في نظام واطراد.

خطرت لي هذه الخواطر منذ ساعة حين فرغت من قراءة فصل في النوفيل ليترير حول تحقيق يشتغل به بعضُ الناس في فرنسا، وموضوعه هذه المسألة: «أيستطيع الكُتَّاب أن يكونوا صحفيين؟» وصاحب هذا الفصل يجيب: «نعم» في شيء من الاحتياط. أما أنا فأحب أن أعكس المسألة: «أيستطيع الصحفيون في مصر أن يكونوا كُتَّابًا؟» ففي مصر صحافيون، فأما الكُتَّاب بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة فأخشى أن أقول: إنهم سيُوجَدون أن شاء الله بعد زمن طويل أو قصير، ولكنهم سيُوجَدون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.