نبأ تحدث به إلينا من تحدث، وكتب إلينا فيه من كتب، وهو إن صح كان خطيرًا حقًّا، وكان جديرًا بالعناية والتفكير العميق، وأكبر الظن أنه صحيح؛ فالذين تحدثوا إلينا به، وكتبوا إلينا فيه، مختلفون، متباعدون لا يعرف بعضهم بعضًا، ولا يمكن أن يكونوا قد التقَوْا، وائتمروا ودبروا كيدًا بليل أو بنهار، وأُلَخِّصُ هذا النبأ ليظهر عليه القراء وليعلمه الذين يشرفون على تصريف الأمور في مصر، والذين ينبغي أن يُسألوا عن حماية الأمن والنظام، كان ذلك يوم الجمعة الماضي، وكان في مسجد من مساجد المسلمين، هو مسجد الرفاعي، وكان على منبر من منابر المسلمين، وهو منبر هذا المسجد، وكان على لسان خطيب من خطباء المسلمين، وإمام من أئمة الصلاة فيهم، هو هذا الذي خطب الناس وصلى بهم، في ذلك المسجد وفي هذا اليوم.

وقف هذا الخطيب ليعظ الناس ويذكرهم بأيام الله ويحدثهم بنعم الله عليهم، وحسن بلائه فيهم، ويخوفهم ما أعد الله للآثمين من عذاب، ولكنه لم يصنع من هذا كله شيئًا، وإنما هاجم كتابًا من الكتب، وكاتبًا من الكُتَّاب ولسنا نسمي هذا المؤلف ولا ذلك الكاتب فقد يكون أمرهما أيسر من أن يُعنى به الناس، ونحن لم نكتب لتسميتها، وإنما نمضي في رواية النبأ كما تحدث به مَن تحدث، وكما كتب فيه من كتب. أخذ هذا الخطيب إذن يذم الكتاب وصاحبه، ويكذب على الكتاب وصاحبه، ويضيف إلى الكتاب ما ليس فيه، وإلى صاحب الكتاب ما لم يقُل، وكان زياد يقول: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة.» ونحن نظن — ولعل شيخ الأزهر يوافقنا على ما نظن — أن المنابر لم تقم لتكون مصدرًا للكذب وإشاعة الإثم عن الأبرياء.

ولكن لنمض في رواية النبأ كما تحدث به المتحدِّثون وكما كتب فيه الكاتبون، ومضى الخطيب في ذَمِّ الكتاب وصاحبه حتى زعم للناس أن الكتاب دسيسة على الإسلام، وأن صاحب الكتاب يعمل متأثرًا بيدٍ خفية تمنحه المال، ليفسد على المسلمين دينهم، ثم لم يقف الخطيب عند هذا الحد، ولو وقف عنده لكان آثمًا في دينه؛ لأنه قال بما لم يعلم، وأذاع من منبر المسلمين غير الحق، ودعا إلى الفتنة، والمنابر لم تقم للدعوة إلى الفتنة، ولكنه مضى إلى أبعد من هذا فزعم للناس أن من ألَّف مثل هذا الكتاب وسعى مثل هذا السعي يجب قتله، ثم استدل للناس على ذلك بآية من القرآن لم تُرْوَ لنا فيما كتب إلينا الكاتبون.

فنحب أن نعلم قبل كل شيء أصحيح هذا النبأ أم غير صحيح، وقد قلنا: إنما نرجح صحته لأن الذين تحدثوا إلينا به وكتبوا إلينا فيه مختلفون لا يعرف بعضهم بعضًا، وتواطؤهم على الكذب مأمون، ويقال إن مسجد الرفاعي من مساجد الأوقاف الخصوصية، فنحب أن نعلم رأي صاحب السعادة زكي الإبراشي باشا في خطبائه هؤلاء الذين يختارهم ليدعوا الناس إلى الخير، ويصرفوهم عن الشر، وليأمروا الناس بالمعروف، وينهوهم عن المنكر، فلا يتحرج بعضهم أن يُمعن في الشر والفتنة إمعانًا، ويدعو إلى الإثم والمنكر دعاء صريحًا.

ونحب بعد هذا أن نعرف رأي صاحب العزة النائب العام في رجل يقف على منبر من منابر المسلمين في مسجد من مساجد المسلمين، في جمع من جموع المسلمين، وفي يوم مشهود من أيام المسلمين، فيُغري بالقتل، ويرغب فيه، ويصوره للناس على أنه تقرُّب إلى الله، أخليق هذا الرجل أن يُسأل أم غير خليق؟ أهو أجدر بالسؤال والتحقيق أم كُتَّاب الصحف الذين يخاصمون الحكومة فيما أباح الله لهم أن يخاصموها فيه، ومتى كان من حق أئمة المساجد وخطبائها أن يتحدثوا إلى الجماعات في القتل، وأن يبيحوا للجماعات وللأفراد أن يقتصوا بأنفسهم وبأيديهم للدين، حتى من الذين يقوم الأدلة الواضحة القاطعة على أنهم يسيئون إلى الدين، وماذا يصنع السلطان في بلد منظم، وماذا تصنع النيابة والقضاء إذا أبيح للناس أن يأخذوا الآثمين بآثامهم ويعاقبوهم على خطاياهم دون أن يلجَئوا للنيابة والقضاء؟

ثم نحب أن نعرف رأي صاحب السعادة وزير الداخلية، الذي يقال إنه حفيظ على الأمن، وإنه أبرع الناس وأمهر الناس في حماية هذا الأمن، وإنه أقدر الناس وأحرص الناس على حماية هذا الأمن، ما رأيه في خطباء المساجد الذين يتخذون منابر المسلمين أداة للإغراء بالقتل والتحريض على الإخلال بالأمن؟ وأي الأمرين أشد خطرًا على السلام والنظام في هذا البلد، أن يطوف رئيس الوفد في بعض الأقاليم فيتحدث إلى الناس في شئون وطنهم، ويذاكرهم حقوق هذا الوطن، لا يدعوهم إلى إثم، ولا يغريهم بفتنة، ولا يحرضهم على فساد، أم أن يقف خطيب من خطباء المساجد ترزقه الدولة ليدعو إلى الله، فإذا هو لا يدعو إليه، ترزقه الدولة ليأمر بالمعروف، فإذا هو يأمر بالمنكر، ترزقه الدولة ليصرف الناس عن الإجرام، فإذا هو يفتح لهم أبواب الإجرام.

ثم نحب أن نعرف آخر الأمر رأي صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر ورئيس هيئة كبار العلماء في رجل من رجال الدين، يدعو جهرة إلى ما ينهى عنه الدين، ويُمعن جهرة وعمدًا فيما يكرهه الله ورسوله وصالح المؤمنين، أخليق هو أن يبقى في زمرة العلماء، وأن يَشرُف بالانتساب إلى الدين، وأن يعيش بالانتساب إلى الدين أيضًا، أم خليق هو بأن يُمحى من زمرة العلماء محوًا ويقصى عن جماعات رجال الدين إقصاء؛ لأن دين الله أكرم على الله وأطهر في نفوس المسلمين، وأرفع عند رجال الدين أنفسهم من أن ينتسب إليه ويعيش على حسابه رجل يسلك مثل هذه الطريق. نظن أن صاحب السعادة زكي الإبراشي باشا، وصاحب السعادة محمود القيسي باشا وصاحب العزة لبيب عطية بك، وصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ الظواهري يوافقوننا في غيرة مشقة على أن هذا النبأ في حاجة إلى تحقيق، وعلى أن صاحب هذه القصة — إن صحت — في حاجة إلى تأديب، وعلى أن مساجد المسلمين، في حاجة إلى أن تُحمى من هذا الفساد، وعلى أن قلوب المصريين في حاجة إلى أن تعصم من هذا التحريض.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.