في عام ١٥٧٧ قاد المستكشِف الإنجليزي مارتن فروبيشر بعثةً مكوَّنةً من ١٥٠ رجلًا إلى الأطراف الشمالية لكندا، بحثًا عن ممر إلى الهند وثروة من الذهب. وأثناء استكشاف الجزر القريبة من الساحل، صادفوا شيئًا لم يكن ليخطر على بال فروبيشر أبدًا؛ سمكة وحيد القرن.

أحدهما حقيقي.
أحدهما حقيقي.

سجَّل فروبيشر في يومياته الآتي: «على جزيرة صغيرة أخرى هنا وجدنا أيضًا سمكةً نافقة عظيمة، كانت محصورةً في تجويف من الجليد على ما يبدو، وكانت مستديرةَ الرأس والجسم كالدولفين، وبلغ طولها نحو اثني عشر قدمًا، فماثلته في الضخامة، وكان لها قرن طوله ياردتان منبثِق من خَطْمها أو فتحتَيْ أنفها. قرنها مجدول مستقيم، يضاهي في هيئته شمعةً مستدقة الطرف، وربما يصح الظن بأنها وحيد القرن البحري.»

عندما عاد فروبيشر إلى إنجلترا، قدَّمَ القرنَ إلى الملكة إليزابيث، التي أمرَتْ بالاحتفاظ به ضمن مجوهرات التاج.

كانت قرون وحيد القرن — أو على الأقل ما زعم التجَّار أنه قرون وحيد القرن — رائجةً في جميع أنحاء أوروبا لقرون من الزمان قبل رحلة فروبيشر، وكانت قيمتها تفوق وزنها ذهبًا عدة مرات، فقد قيل إن الملكة إليزابيث دفعت ١٠ آلاف جنيه نظير قرن وحيد القرن، وهو ثمن قلعة. وكانت تلك القرون تدخل في صناعة الكئوس التي يشرب فيها الملوك، والصولجان الذي يمسكون به.

ترجع أصول خرافة وحيد القرن إلى العالم الكلاسيكي، إلا أن الفايكنج ظلوا يباشِرون تجارة قرون وحيد القرن طيلة العصور الوسطى وعصر النهضة، فكانوا يقتلون كائنات وحيد القرن البحرية المزعومة في شمال الأطلنطي، ويقتلعون قرونها ليبيعوها بأسعارٍ فلكية، دون أن يكشفوا أبدًا عن مصدرها.

ومع ازدياد معرفة علماء الطبيعة الأوروبيين بحيوانات العالم، تلاشَتْ أسطورة وحيد القرن، وصار واضحًا أن وحيد القرن البحري الذي زعم فروبيشر أنه اكتشفه كان في الواقع حوتًا، فيما يُعرَف في يومنا هذا بالحوت المرقَّط. ولكن في حين أن مصدر القرن اتضح، فالقرن نفسه ما زال مثارَ حيرةٍ ونقاش فيما بين العلماء.

حيتان مرقَّطة قبالة بوند إنليت في ترامبلي ساوند بكندا.
حيتان مرقَّطة قبالة بوند إنليت في ترامبلي ساوند بكندا.

ذلك القرن ليس قرنًا على الإطلاق، وإنما سنٌّ. أقارب الحوت المرقَّط منها أنواع كالحيتان البيضاء وحيتان الأوركا والدلافين، وكلها تتمتع بصفَّيْن من الأسنان البسيطة الشبيهة بالأوتاد في أفواهها تستخدمها للإمساك بالفرائس. وفي فم ذكر الحوت المرقَّط، بلغت إحدى الأسنان حجمًا هائلًا، بينما تصل نظيرتها عادةً إلى طولٍ أقصر بكثير. وسن الحوت المرقَّط شبيهةٌ بناب الفيل أو الخنزير الوحشي، لكن دون أي التواء.

لكن ما الداعي لنمو نابٍ لدى حوت؟ أو على وجه الدقة، كيف تطوَّرَتْ تلك السن الغريبة في هذا النوع بعدما تفرَّعَ أسلافه عن حيتانٍ أسنانُهَا عادية؟

تعدَّدَتِ الأفكار التي طرحها العلماء على مدى السنين، وتتضمن القائمة — على سبيل المثال لا الحصر — أن هذا الناب مسبار صوتي، أو وسيلة للتخلُّص من الحرارة الزائدة، أو دفة قيادة، أو أداة لالتقاط الثلج، أو رمح لمحاربة الحيوانات المفترسة أو ربما الحيتان المرقَّطة الأخرى. ولم تنبثق معظم تلك الأفكار عن المراقَبة عن كثب وإنما عن تخمين. فالحيتان المرقَّطة تعيش في أزِقَّة بحرية نائية في القطب الشمالي وفي المحيط حيث تتناثر الثلوج؛ ومن ثَمَّ لا يتيسَّر للعلماء رؤيتها وهي تستخدم نابها في أي شيء.

مارتن نويا — طبيب أسنان من كونيتكت، ومدرِّس طب سريري في كلية طب الأسنان بجامعة هارفرد — يسافِر إلى القطب الشمالي باستمرارٍ منذ أربعة عشر عامًا لدراسة الحيتان المرقَّطة، ولا سيَّما نابها، وقد أدلى بأحاديث علمية عن أبحاثه على مدى الأعوام، ونشر بعض التفاصيل في فصول كتب، ولكنه نشر الآن بالتعاون مع فريق من الزملاء من جامعة هارفرد ومؤسسة سميثسونيان وجامعة مينيسوتا ومنظمة فيشريز آند أوشنز كندا وجهات أخرى؛ سردًا مفصَّلًا في مجلة ذي أناتمويكال ريكورد للدراسات التي أجرَوها على ناب الحوت المرقَّط، وقد توصَّلوا إلى أن الناب عضوٌ حسِّيٌّ يتيح لذكر الحوت المرقَّط إدراك المحيط حسيًّا، وربما يساعده في العثور على الأزواج أو الطعام.

يستند جزء من رأيهم إلى تشريح الناب؛ فهو ليس قطعةً صلبةً من العَظْم، وإنما يزخر بالأعصاب، ويبدو أنه مكيَّف خصوصًا لجعل تلك الأعصاب شبهَ متصلة بماء البحر. إن أسناننا وأسنان الثدييات الأخرى محصَّنة بطبقات من الميناء، لكن الحوت المرقَّط لا يغطِّي نابَه الميناءُ، وإنما يكتسي سطحُ الناب بقنواتٍ دقيقة يمكن أن تُنْزِل المياه إلى داخل الناب، بالقرب من النهايات العصبية هناك، وبعض تلك النهايات العصبية مماثِل في تكوينه لما تجده في الأعصاب الحساسة للألم.

ولمعرفة ما إذا كانَتِ الحيتانُ المرقطة تستخدم ذلك التشريح المعقَّد لاستشعار البيئة المحيطة بها، اصطادَ نويا وزملاؤه بضعةَ حيتان حية بالقرب من جزيرة بافين ووضعوا غطاءً مخروطيًّا على نابها، ثم ضخَّ فريق العلماء ماءً داخل الغطاء، إما بدرجة عالية أو منخفضة من الملوحة، وثبَّتَ فريق نويا أقطابًا كهربائية على جلد الحيتان لقياس معدل ضربات قلبها طيلة التجربة، التي استغرقَتْ أقل من نصف ساعة لكل حوت.

عندما ضخَّ العلماء مياهًا مالحة في غطاء الناب، سجَّلوا متوسط ضربات قلب قدره ٦٠٫٤٢ ضربة في الدقيقة، لكنهم عندما صبُّوا مياهًا عذبة داخل الغطاء، انخفضت سرعة ضربات القلب إلى ٥٢٫٥٦ ضربة في الدقيقة. وكان ذلك فرقًا مهمًّا من الناحية الإحصائية، واعتبره العلماء دلالةً على أن الحوت المرقَّط يمكن أن يستشعر الفرق بين المياه المالحة والعذبة باستخدام نابه فحسب، وربما كان الحوت المرقط يستشعر ألمًا شبيهًا بألم الأسنان عندما يسبح في مياه مالحة، ويجوز أيضًا أن تكون النهايات العصبية الأخرى في الناب تستشعر أشياءَ أخرى، مثل الحرارة أو الضغط.

وفيما يلي شكل توضيحي يلخص ببراعة الهيكل التشريحي الذي وجده الفريق:

الهيكل التشريحي لسن الحوت المرقَّط

يمثِّل الجهاز العضوي للسن أداةَ استشعار هيدروديناميكية قادرةً على جسِّ تدرُّجات الجسيمات، والحرارة، والضغط.

إذا كان ناب الحوت المرقَّط عضوًا حسيًّا حقًّا، فالذكور فقط هي المستفيدة منه. يشير نويا وزملاؤه إلى أن الذكور يمكن أن تستخدمه لاستشعار أشياء قد تساعدها في الفوز بأزواج؛ فقد تتمكَّن من تتبُّع إناث الحوت المرقَّط بجسِّ المواد الكيميائية الموجودة في الماء؛ إذ تبحث عن المواد الكيميائية التي توجد حيث تتغذى الإناث، بل ربما تتوفر لديها القدرة أيضًا على استشعار مدى استعداد الإناث للتزاوج استنادًا إلى المواد الكيميائية التي تفرِزها. وبعض الذكور قد يمكنه استخدام نابه للبحث عن طعامٍ للصغار الحديثي الولادة. والذكور التي لديها أنياب أكثر حساسيةً قد تكون أوفر حظًّا في التكاثُر من غيرها، ومن شأن هذا الاختلاف أن يمثِّل دافعًا لتطوُّر الناب ذي الطول الجامح.

لقد اتصلتُ ببعض الخبراء الآخَرين في تشريح الحيتان لكي أعرف رأيهم في ذلك كله، وبصفة عامة، كانوا مبهورين إلى حدٍّ كبير بالبيانات التي جمعها نويا وزملاؤه.

أخبرني نيك باينسون — القَيِّم على الثدييات البحرية في مؤسسة سميثسونيان — الآتي: «لقد حقَّقوا إنجازًا رائعًا بجمع أطروحات صدرت على مدى عدة مئات من السنين بشأن وظيفة ناب الحوت المرقَّط، ثم استخدموا جميع خيوط الأدلة المتاحة تقريبًا في التعامل مع المسألة.»

لخَّصت جوي رايدنبرج — عالِمة التشريح بكلية آيكان للطب التي كتبتُ عنها العام الماضي — ردَّ فعلها في قولٍ واحدٍ: «يا للروعة!» فكل خيط من الأدلة التي جمعوها كان يمكن أن يكون بحثًا قائمًا بذاته، وقد أجزلت الثناءَ على نويا وزملائه لجمعهم تلك الأدلة كلها في سردٍ متَّسِق واحد. وقالت: «من المثير أن يرى المرء بحثًا لا يُسلَّط فيه الضوء على الوحدة الأقل قابليةً للنشر، وإنما على فهم شامل للهيئة والوظائف والتطور.»

صبي من الإنويت يمسك بناب حوت مرقَّط.
صبي من الإنويت يمسك بناب حوت مرقَّط.

إلا أن بعض الباحثين لم يقتنعوا بالنتائج التي استخلصها نويا وزملاؤه من تلك البيانات كلها، وكان أشد نُقَّادهم كريستِن لايدرى من جامعة واشنطن. بدايةً، أشارت إلى أن الأسنان الحسَّاسة ليست حِكْرًا على الحيتان المرقَّطة، وقالت: «عندما تتناول الآيس كريم، تؤلمك أسنانك، وتُخطِر أعصاب الأسنان دماغك بأنك تتناول شيئًا باردًا.»

تلك معلومة مفيدة، لكن ليس من المنطقي أن نقول إن أسناننا أعضاء حسية؛ فقد تطوَّرَتْ لتتيح لنا قضم الطعام وطحنه.

يقرُّ نويا وزملاؤه بأن أسنان الأنواع الأخرى يمكن أن تستشعر بعض الأشياء، لكنهم يذهبون إلى أنَّ ناب الحوت المرقَّط يفعل شيئًا يتجاوز إمكانات الأسنان العادية. لا تظن كريستِن لايدرى أن قراءة ضربات القلب تجيز توصُّلهم إلى تلك النتيجة، وقالت: «إن حساب معدل ضربات القلب بعد ٣٠ دقيقة من تعرُّض حيوان لواقعة أسر عدواني بالشِّباك وسحبه إلى المياه الضحلة يفيد بأنَّ ذاك الحيوان متوتر، ولا يدُلُّكَ على استجابته لتعريض سنِّه لمحاليل ملحية مختلفة التركيزات.»

وتشكِّك لايدرى أيضًا في الاحتمالات التي قدَّمَها نويا وزملاؤه لكيفية استخدام ذكور الحوت المرقَّط لأنيابها في الاستشعار؛ فالدراسات التي أُجرِيَت على محتوى معدة الحيتان المرقَّطَة كشفت أن الذكور والإناث يتغذيان على نفس الأنواع من الفرائس، في نفس مناطق المحيط، وفي نفس الأوقات من العام، والإناث هنَّ مَن يتولين رعاية الصغار، وليس ثمة دليل على أنَّ الذكور قد تقدِّم أيَّ نوع من المساعدة. والواقع أنَّ وجود الإناث فائق الأهمية لبقاء صغار الحيتان المرقَّطة، حتى إنَّ لايدرى تجد صعوبةً في تخيُّل امتلاك الذكور لمثل ذلك العضو الحساس دون الإناث.

تقول لايدرى إن فكرة كون الناب عضوًا حسيًّا «لا تزال نظرية عديمة الفعالية ليس لها سند من البيانات.»

في المقابل، تظن لايدرى أنَّ ذكور الحيتان المرقَّطة تستخدم أنيابَها للتنافُس على الأزواج، ولا يمكن للعلماء مشاهدتها تستخدم أنيابها بالسهولة ذاتها التي يشاهِدون بها الظِّبَاء تشتبك بقرونها، أو السرطانات العازفة وكلٌّ منها يقلب الآخَر بمخالبه العملاقة. لكنهم رأَوا ذكور الحيتان المرقَّطة «تتبارَز بأنيابها»؛ أي تشتبك بأنيابها على سطح المياه، وقد شاهَدَ العلماء إناثًا على مقربة أثناء حدوث ذلك؛ إذ قد يتكوَّن لديهن تفضيل لذكر بعينه.

آخِر شخص استشرْتُه بشأن دراسة الحيتان المرقَّطة لم يكن خبيرًا في الحيتان مطلقًا، وإنما عالِم أحياء يدرس الخنافس. يدرس دوجلاس إملين من جامعة مونتانا القرونَ الفائقة الضخامة للخنافس وحيدة القرن وغيرها من الأنواع، وقد تعلَّمْتُ منه الكثير عن أسلحة الحيوانات بصفةٍ عامةٍ أثناء اشتراكنا في تأليف كتاب تعليمي عن التطور.

وعندما سألته عن رأيه في النقاش الدائر بشأن أنياب الحيتان المرقَّطة، أرشدني إلى دراسة مدهشة نشرتها تلميذته إرين ماكولو في العام الماضي بالتعاون مع روبرت زينا من جامعة واشنطن الحكومية؛ فقد ألقَيَا نظرةً فاحصةً على قرن الخنفساء الوحيدة القرن العملاقة في اليابان، واتضح أن سطح القرن مغطًّى بشعيرات حساسة للَّمْس، فبعض أجزاء القرن مغطَّاة بشعيرات كثيفة، بينما تقلُّ الشعيرات في أجزاء أخرى.

وجد زينا وماكولو نمطًا يحكم تلك الشعيرات؛ فعندما يتأهَّب ذَكَران من الخنافس للقتال على فرع شجرة، يقترب أحدهما من الآخَر ويقرع قرنه بقرن الآخَر، فإذا كان أحدهما أصغر من الثاني بكثير يتقهقر، وإذا كانَا متكافئين، يمضيان قدمًا إلى المستوى التالي، فيحاول كلٌّ منهما أن يقذف الآخَر بعيدًا عن فرع الشجرة. واتَّضَح أن الرُّقَع ذات الشعيرات الحسية الأكثر كثافةً هي بالضبط الموضع الذي يتصل فيه قرن ذكر الخنفساء بقرن عدوه.

ربما كان الحوت المرقَّط هو خنفساء عالم الحيتان، وقد يكون الاختيار بين كون الناب عضوًا حسيًّا أو سلاحًا خيارًا مضلِّلًا؛ فربما كان ذكر الحوت المرقَّط يقاتِل فعلًا، لكنه يقيِّم خصمه أولًا.

حتى إن كان لأحدٍ أن يقبل تلك الفكرة، فالمرجح أن إثباتها — إنْ حدث — سيستغرقُ وقتًا طويلًا؛ فقد مضى ٤٣٧ عامًا منذ أبصر فروبيشر الحوت المرقَّط النافق، وفي وقتنا المعاصر ليس من السهل على العلماء أن يجدوا مثل هذه الأنواع الغريبة المراوغة.

The Mystery of the Sea Unicorn by Carl Zimmer. The Loom. March 18, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.