قد تكون عدلًا هذه القسمة ولكنها لا تخلو من الجور، وقد تكون قصدًا ولكنها لا تخلو من الإسراف، وقد تكون جِدًّا ولكنها لا تخلو من الهزل. وهي على كل حال آية بديعة يجب أن تسجل مع الثناء لرئيس الوزراء. وما زال رئيس الوزراء يأتي بالأعاجيب، لا نكاد ننسى أعجوبة حتى يأتينا بأعجوبة خير منها أو مثلها. فهو يطرفنا في كل يوم بما يسلي عن الصدور، ويجلي عن النفوس، ويملأ القلوب غبطة وحبورًا. جعلنا أحرارًا عبيدًا، وجعلنا آمنين خائفين، وجعلنا محاربين مسالمين، وجعلنا أغنياء فقراء. وأقام على ذلك كله أدلة لا تحتمل النقض، ولا يعرض لها الشك، فصدقناه وآمنا به، وكذبنا أنفسنا وأنكرنا ما نحس، وجحدنا ما نشعر. ولكنه جاءنا بآية جديدة أمس حين خطب في أشياعه وأتباعه الذين حشدوا له في نادي حزب الشعب في الإسكندرية. قسم العافية نصفين، وشقها شقين وجعل نصفها في مصر، ونصفها الآخر في أوروبا، وأعلن أنه كسب نصفها الأول حين رأى الأشياع والأتباع يهتفون ويصفقون لزعيمهم الذي اختاروه وآثروه بحبهم وإعجابهم، وأنه سيكسب النصف الثاني في أوروبا، حين يذهب للراحة والاستشفاء. وهو بالطبع لا يعرف أين يوجد هذا النصف: في إيطاليا، وقد يكون في كرلسباد، وقد يكون في فيشي، وأكبر الظن أنه في لندرة. وليس من شك عندي ولا ريب في أن العافية قد أصبحت شيئًا يقسم نصفين، ويشطر شطرين، ويكون نصفه في الجنوب، ونصفه الآخر في الشمال، ليس عندي في هذا شك ولا ريب؛ لأن رئيس الوزراء قد قاله وأعلنه، وأنا ملزم أن أصدق رئيس الوزراء إذا قال؛ لأني معجب به قبل كل شيء، وخائف منه بعد ذلك، ولأني إن خالفته فقد أنكرت استقرار النظام، وهو يؤكد أنه مستقر.

يمكن إذن أن تنقسم العافية نصفين، ولكني كنت أحب أن أعلم، وقد يتيح لي رئيس الوزراء أن أعلم، كيف تقسم العافية، وعلى أي نحو تشق، وبماذا تقسم؟ أتقسم طولًا أم تقسم عرضًا، أم تؤخذ من عمقها، وتشقق من سمكها؟ وبمَ تقسم؟! أتقص قصًّا؟ أم تقط قطًّا؟ أم تقطع بالسكاكين، أم تحطم بالفئوس؟ ومهما يكن من شيء فقد قسم رئيس الوزراء عافيته نصفين، استرد أحدهما أمس في نادي حزب الشعب، وسيسترد الآخر متى عبر البحر. ولكن فيمَ هذا العناء وعلام هذه المشقة وفيم الأسفار، واقتحام البحار، والغيبة عن الأنصار؟! وفيمَ حرمان الشعب طلعة زعيمه، ومحضر عظيمه، وفيمَ ترك الديار تتعرض للأخطار، ما دام تصفيق الأشياع، وهتاف الأتباع، يزيل الصداع ويمحو العلة ويبدل الزعماء من أسقامهم صحة، ومن آلامهم لذة؟! هؤلاء أشياع الرئيس وأتباعه في الإسكندرية قد ردوا عليه نصف عافيته حين هتفوا وصفقوا. وأين يقع أشياع الرئيس وأتباعه في الإسكندرية من أشياعه وأتباعه في الأقاليم؟ وأي مدير وأي مأمور يعجز عن أن يحشد لرئيس الوزراء من الأشياع والأتباع أضعاف مَن حُشدوا له في الإسكندرية؟ وقد احتشد لرئيس الوزراء في شمال البلاد وجنوبها، حين زار الأقاليم عشرات الألوف ومئاتها وكلهم هتف، وكلهم صفق. فما بالهم لم يردوا على الرئيس نصف عافيته أو ثلثها أو ربعها؟ فأنت توافقني على أن العافية إذ جاز أن تنقسم نصفين جاز أن تنقسم أثلاثًا وأرباعًا، وأن تشق أسداسًا وأسباعًا. وكان الحق على رئيس الوزراء وهو الرجل العدل المنصف، أن يقسم عافيته إلى أجزاء متساوية يوزعها على الأقاليم والمدن التي يمكن أن يزورها حتى إذا طوف أقطار مصر رد إليه كل إقليم جزءًا من عافيته، وكان يستطيع أن يحتفظ بجزء أو أجزاء من هذه العافية ويوزعها على المدن التي يحتاج لزيارتها في أوروبا. فأما أن يقسم عافيته نصفين اثنين ويقصرهما على الإسكندرية وأوروبا فمجاوز للعدل بعيد عن الإنصاف، مخالف للديمقراطية التي استقر عليها النظام. قال قائل: وما ذنب رئيس الوزراء إذا كانت عافيته لا تحب الحر، ولا تستقيم مع القيظ، ولا يردها عليه الهتاف والتصفيق إلا إذا مسهما من نسيم البحر نفَس عليل بَلِيل، وأصابهما ريق من هذا السحاب الذي يظلل أوروبا في الصيف والشتاء؟ فعافية رئيس الوزراء ليست جافة ولا يابسة، وإنما هي لينة، تحب اللين، وهينة تؤثر الجو الرطب.

والظاهر في حقيقة الأمر أن الذي رد على رئيس الوزراء نصف عافيته ليس هو هتاف الهاتفين، ولا تصفيق المصفقين، وإنما هو شيء آخر ظهر في «الشعب» صباح أمس، وأحب رئيس الوزراء فيما يظهر أن يعرفه الناس، فأوحى إلى جريدة «المقطم»، فنقلته عن «الشعب» ثم أحب رئيس الوزراء أن تذيعه «الأهرام» أيضًا، فقال في خطبته أمس، ونشرت «الأهرام» هذه الخطبة صباح اليوم، وهو أن المفاوضة آتية لا ريب فيها. نعم، نشرت «الشعب» و«المقطم» هذا الكلام وأعلنه رئيس الوزراء ثم نشرته «الأهرام»، فيجب أن تكون الطير قد حملته إلى رئيس الوزراء من لندرة. ومن الطير ما يصدق، ومنها ما يكذب، ورئيس الوزراء عليم بصدق الطير وكذبها؛ ولذلك لم ترد عليه هذه الطير عافيته كلها وإنما ردت عليه نصفها، ليس غير؛ لأنها لم تحمل إليه يقينًا وإنما حملت إليه ظنًّا وأملًا. وقد قُلتُ لك منذ أيام: إن لندرة تداعب حكومة القاهرة، فتدنيها أصبعًا إذا احتاجت إلى شيء، وتقصيها شبرًا إذا قضت منها ما تريد. وأمر حكومة القاهرة مع لندرة كأمر البحتري مع صاحبه حين قال:

لج هذا الحبيب في الهجر جِدَّا

وأعاد الصدود منه وأبدى

ذو فنون يريك في كل يوم

خلقًا من جفائه مستجدَّا

أغتدي راضيًا وقد بت غضبا

ن وأمسي مولًى وأصبح عبدًا

ولسنا ندري في أي الأطوار تكون حكومة القاهرة الآن: أراضية أم غضبى؟! سيدة أم مسودة! وأكبر الظن أنها شيء بين ذلك، ما دام رئيس الوزراء لم يسترد عافيته كلها، وإنما استرد نصفها وسيطلب إلى الأطباء في روما أن يدلوه على نصفها الآخر.

وهل هو سيطلب هذا النصف إلى أطباء روما أو إلى عظيمها مسوليني؟ فدكتاتور إيطاليا طبيب بالسياسة يحسن العلم بها والمشورة فيها، وهو إلى الآن أعظم الذين نهضوا بالدكتاتورية حظًّا من التوفيق. نجح في إيطاليا؛ فدان له الشعب وأحبته كثرته المطلقة، ونجح في سياسته الخارجية؛ فأكره خصوم إيطاليا على أن يعرفوا لها مكانها النابه بين الدول العظمى. فمن حقه أن يكون أستاذًا مسموع الكلمة، وطبيبًا مقبول الرأي عند رؤساء الحكومات الذين يريدون أن يصطنعوا الحزم في سياستهم الداخلية والخارجية. وقد وفق رئيس وزرائنا مع المصريين؛ فدانوا له جميعًا وأحبوه جميعًا حبًّا قوامه الإخلاص والإيثار، وآمنوا جميعًا وأنا أولهم لنظامه الجديد. ولكن نجاحه في السياسة الخارجية مشكوك فيه؛ فالإنجليز قساة لا يرحمون، جياع لا يشبعون. وليس يضر رئيس الوزراء وقد ينفعه كثيرًا أن يستشير طبيب إيطاليا في أمر هذه العلة، وأن يسأله عن أقرب الطرق إلى إكراه الإنجليز على قبول المفاوضات. وأنا واثق بأن موسوليني سيشير عليه بالرأي المستقيم؛ فقد عرف من قبلُ كيف ينزل إنجلترا وفرنسا عند ما كان يريد. ومن يدري لعل مشورة موسوليني هذه أن ترد على رئيس الوزراء النصف الثاني من عافيته، فيعود إلينا وقد غاب عنا أيامًا لا أسابيع؟ ونحن أحوج ما نكون إلى أن يعود إلينا في أقرب وقت، بل إلى أن يبقى فينا لا يفارقنا إلا حين يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز، ويستخلص منهم الاستقلال. وعلى كل حال فإني أهنئ رئيس الوزراء مخلصًا بنصف عافيته الذي استرده، وأتمنى له صادقًا أن يجد نصفها الثاني في غير مشقة ولا عناءٍ، ولا فراق طويل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.