تمنيت مرارًا أن أحوِّل هذه القصة — أو ما يشبهها — إلى قصة مصورة طويلة. عندي الفنان ذو اللمسة الذهبية القادر على هذا، لكن مشاكل الوقت ودوامة المطالب المادية، والحاجة إلى إشباع الأفواه: أفواه المجلات التي تنتظر رسومه والقراء الذين ينتظرون القراءة وأفواه أسرته، كل هذه الدوامة جعلت من العسير بالفعل أن يجلس ليرسم هذا العمل المرهق. أفهم هذا، ولا زلت أحلم.

من لوحات الفنان الإيطالي أميديو موديلياني.
من لوحات الفنان الإيطالي أميديو موديلياني.

كان يبحث عنها من قِدَمٍ. لا أتحدث عن الرسام، بل عن بطل القصة. قيل له إنه كان وهي ذرتين في جسد أبينا آدم يومًا ما، ولأن الذرتين كانتا متلاصقتين؛ فهما تبحثان عن بعضهما طيلة الوقت، عبر العصور.

عندما انفصلا راح يسبح وسط المجرات وخلف السُّدم في الأثير. كان يفتِّش عنها … الذرة تحاول أن تعود لذرتها السابقة للأبد ومن جديد.

كانت هناك لمسات منها في كل شيء … في كل صورة … في كل انطباع يراه.

هناك في تلك الكهوف رأى الرسوم؛ الرسوم الجدارية التي رسمها رجل الكهف بألوانٍ تتحدَّى الزمن، وبأدوات بُدائية لعلَّها شظية من عظام إبل أو جاموس. تراها هناك، برغم سذاجة الرسم تدرك أنها أنثى جميلة، تركض في الخلفية محلِّقة بينما في المقدمة يغرس رجل رمحه في عنق ثور.

هي كانت هنا، لا شك في هذا.

عندما ذهب إلى مصر رأى المعابد القديمة. رأى تلك الأنثى الجدارية الرشيقة الحسناء منتصبة القامة. رأى عازفات الهارْب الثلاث، ورأى الفتاة الممشوقة الذاهبة للسوق حاملةً إوزة. رأى الوجه الرشيق الساحر الحالم لنفرتيتي، ورأى نظرة إيزيس وهي ترضع ابنها حورس.

كل وجه في وضع البروفايل، لكن العيون مكتملة دائمًا كأنك ترى من الأمام! ألم يتعلم الفراعنة أن العين في الوضع الجانبي ترسم كأنها رقم سبعة على جانبه؟ قال له أحد الفنانين المهتمين: إن الفراعنة لم تُعْوِزْهم الدقةُ … لقد نحتوا أروع التماثيل وأدقها تشريحًا. الفكرة هي أنهم يضحُّون أحيانًا بالدقة من أجل الجمال؛ العين المكتملة تبدو أجمل مما تكون في وضع البروفايل.

وقف أمام اللوحات الجدارية وسألها: «هل كنتِ هنا؟ هل رآكِ الفنان المصري القديم؟»

لم يتلقَّ ردًّا. حتى عندما ارتحل إلى بلاد بين النهرين؛ رأى صورة عشتار … عشتار الخصيبة … الأنثى الأولى، التي حاولت طويلًا أن تفوز بالبطل الفارسي جلجاميش، عشتار التي قيل: إنها هي ذاتها إيزيس … هي نفسها أفروديت … هي نفسها كل إلهة أنثى في تاريخ البشرية.

هل كنتِ هنا؟ هل أخذوا بعض ملامحكِ؟ هل أدركوا أنكِ الأنثى الأولى بكل تفاصيلها؟

كان يفتش عنها بلا توقف.

إنه الآن يدخل عوالم فنَّانِي عصر النهضة. هذا الجو الرصين الزاهي والخطوط الثابتة الدقيقة. نساء ينظرن إلى السماء متبتلات حالمات، وكل صورة منها تصلح لتعلق في كنيسة. إنها «المادونَّات» العزيزات، حيث تحمل كل واحدة رضيعًا. يوشك الرسم أن يحمل توقيع فنان واحد هو «رافائيل سانزيو».

هذه هي غالبًا. يراها جالسةً على العشب في لوحة لرافائيل. لقد كانت هنا يومًا ما. لقد شعر رافائيل بأنها جميلة فعلًا، وطلب منها أن تجلس أمامه ليرسمها. مشى وسط الحقول الخضراء التي يزحف عليها أطفال «ملظلظون» بشدة ورعاة وأمهات بتولات. إنه في إيطاليا … ربما فلورنسا كذلك. هذا عصر النهضة بلا شك. اتجه نحو فتاة راعية ترضع طفلًا وسألها عن حبيبته.

ردت باللاتينية بجملة معقدة لكنه استطاع فهمها: «ذهبت مع السيد ليوناردو.»

ليوناردو؟! ما معنى هذا؟ إذن هي قد غادرت عالم رافائيل إلى عالم ليوناردو دافنشي. الرجلان كانا متنافسين، ولكلٍّ منهما مدرسته الخاصة! هكذا راح يركض إلى أن غادر عالم رافائيل. هناك كان دافنشي بلحيته الطويلة وقامته الفارعة والكاسكيت الشهير على رأسه، يرسم لوحة عملاقة على جدار: المسيح – مائدة عشاء – الحواريون يلتفون حوله. الرجل رسام عبقري لكنه أشول كما هو واضح، كما أنه لا يجيد فن الفريسكو — الرسم الجداري — الذي يجعل الألوان معمرة ويشيخ الجدار فلا تشيخ. مايكل أنجلو كان خبيرًا في هذا، لكن دافنشي لم يكن. وفي ذلك الزمن كان تركيب الألوان سرًّا لدى كل فنان، يشبه خلطة «الحواوشي» أو «الكنتاكي»، لا أحد يعرف السر الحقيقي؛ لأن صاحب السر يحتكره، ولهذا تلاشت وتحللت لوحة العشاء الأخير … ولهذا يقضي الإيطاليون ألعن وقت ممكن في محاولة إعادتها للحياة.

عالم دافنشي شديد التعقيد … من الصعب أن تجد في تاريخ العلماء من فكَّر في هذا كله في وقت واحد: يرسم الموناليزا ويرسم العشاء الأخير ويصمم غواصة ومدفعًا رشاشًا! هناك المزيد من الرعاة … سألهم عن حبيبته، قال له أحدهم إنه لا يعرف سوى زوجة التاجر فرانشيسكو جوكوندو. قال له أحد الرجال محذرًا: «خذِ الحذر! حولها حراسة عنيفة. لقد سرقها أكثر من مخبول؛ لأنه يرى فيها صورة حبيبته التي ماتت، وآخرهم فتًى اسمه بيروجي سرقها عام ١٩١١.»

لما صَعِدَ بطلنا في الدَّرَج إلى البرج العالي وأنفاسه توشك على الصعود لبارئها من فرط الجَهْدِ، وجد المَدام جالسة أمام الرسام. إنها هي الموناليزا ذاتها إذن. لكنها لا تمتُّ بصلة لحبيبته؛ هذه الملامح السَّمِجَة الممسوخة التي تتأرجح بين ذكر وأنثى، وكئيبة جدًّا. كما وصفها الساخر أحمد رجب بأنه كلما رآها شعر بأنها «ستي الحاجة» فلا تنقصها سوى كنكة القهوة والسبرتاية.

سأل ستي الحاجة: «هل رأيت حبيبتي؟»

قالت في قرف وسماجة: «وهل قال لك أحد أنني أمها؟!»

إذن من المؤكد أنها لم تأتِ هنا، لم تمر بعالم دافنشي. فكر في أن يفتش عن الرموز الخفية التي ملأ بها دان براون رءوسنا في «شفرة دافنشي» و«جماعة سيون» … إلخ، ثم قرر أنه لا وقت للتوقف.

عالم مايكل أنجلو كان البحث فيه سهلًا؛ لأنه عالم تماثيل. خذ عندك تمثال بيتا (الرحمة) مثلًا، لا يرى ملامح حبيبته في وجه العذراء التي تحمل المسيح على ركبتيها. أخيرًا، لا بد أن تقضي وقتًا طويلًا جدًّا تتأمَّل سقف كنيسة سيستين … عشرات الوجوه والأوضاع التي رسمها مايكل أنجلو وهو نائم على ظهره فوق السقالة والطلاء يسيل ليسقط في عينه. هذه على ما أعتقد أكبر مقاولة نالها فنان في التاريخ. لقد أحضره البابا ليرسم سقف الكنيسة تخليدًا للبابا؛ النتيجة هي أن كل العالم يعرف سقف الكنيسة ويتذكر اسم البابا بصعوبة بالغة.

غادر هذا العالم الساحر مُتجهًا إلى هولندا.

يمشي باحثًا عنها جوار الطواحين المائية، والفلاحات ذوات الأحذية الخشبية الثقيلة اللاتي يغسلن ثيابهن في النهر والأبقار … صورة ممتازة كي توضع في كتاب أطفال أو على علبة سمن. قالوا له أن يبحث عن حبيبته عند السيد رمبرانت. هكذا مشى إلى حيث كان رمبرانت يجلس في مرسمه؛ الظلام في كل شيء مع الحرص على الضوء الغريب القادم من اليسار … هذا هو توقيع الفنان الشهير. على حِجْر الفنان جلست امرأة رشيقة جميلة. هل هي؟ شعور غريب أن تبحث عن حبيبتك لتجدها أخيرًا وهي تجلس على حِجْر فنان هولندي!

قال رمبرانت وقد رأى نظرة الدهشة: «هذه ساسكيا … زوجتي. هل تبحث عن شخص معين؟»

تنهد الصعداء وقال إنه يبحث عن حبيبته.

مدَّ رمبرانت يده وراح يعرض عليه الرسومَ كلها، ثم قال له أن يجرب حظَّه ويذهب للفنان فيرمير، إنه عند الجهة الأخرى من النهر. وقبل أن يخرج طلب منه رمبرانت أن يعيد إظلام المكان ويفتح النافذة اليسرى.

دقَّ البابَ ففتحت له خادمة حسناء. أهم ما لفت نظره فيها هو قرطها المصنوع من لؤلؤ … الفتاة ذات القرطين من اللؤلؤ؛ أشهر لوحة لفيرمير. الظلام دامس بالداخل إلا من ضوء ذهبي رهيب يتوهج في مركز الأشياء. يبدو أن هؤلاء الهولنديين كانوا يعشقون الظلام.

حبيبتك ليست هنا يا بني … آسف!

ابحث عنها في لوحات الرسامين الإنجليز؛ إخوة ما قبل رافائيل. هناك تجد آلهة الأوليمب تتصارع وترى هِرَقل، فلا تعرف بأي شيء تتعلق بقايا الثياب التي يضعها فوق جسده نصف العاري، وترى الرعاة تحت الأشجار يعزفون الناي لحبيباتهم، أو الساتير المكسو بالفراء يعزف الفلوت الخشبي.

ابحث في إسبانيا وسط لوحات فيلاسكويز رائعة الجمال. ابحث وسط عوالم جويا الشيطانية المقبضة: اللوحات السوداء التي رسمها وهو أصم وقد عزل نفسه عن العالم وراح يرسم ويرسم … كل رسومه تدور حول الشيطان والسحر. هناك تسأل عن حبيبتك فلا يرد أحد … صوت الطلقات المنهمرة من الجيش الفرنسي يصم الآذان؛ لو كانت قد جاءت هنا فقد ماتت بالتأكيد.

تعالَ إلى فرنسا … دَعْكَ من ديلاكروا؛ فقد مر عصره … هنا راح اتجاه جديد من الفن يظهر. امشِ في مونمارتر، وامشِ في الحي اللاتيني حيث يجتمع الفنانون الجدد المتمردون الذين قرروا أن الإنسان ليس مجرد كاميرا.

يقول واحد جائع ثائر ثَمِل اسمه ديجا: «النور! يجب أن تقتنص الضوء كما هو وتُريه للناس … هذا هو الأسلوب التأثيري.»

ويأخذك معه لترى رسومه لراقصات الباليه. هناك راقصة باليه ترقص على مسرح مظلم ومصدر الضوء الوحيد هو الشموع على المسرح أمامها … لقد اقتنص ضوء الشموع فعلًا! يمكنك أن تراه بوضوح. تسأل كل راقصات الباليه عن حبيبتك؛ لا أحد يذكرها. تقول واحدة منهن إنها رأت خادمةً تشبهها عند رينوار.

تُهرع أنت بحثًا عن رينوار. تفتح لك البابَ خادمةٌ من خادماته الشقراوات. يقال: إنه كان يختارهن «على الفرَّازة» بحيث تمتص بشرتهن الضوءَ؛ السبب أنه سيرسمهنَّ عارياتٍ بالتأكيد. لا تقبل أن تكون حبيبتك هنا. لكن عليك كذلك أن تعرف أنه فنان عبقري وأنه يجيد اقتناص الضوء. هناك لوحات له في الشمس ترغمك على إغلاق عينيك فعلًا!

الخادمات ينصحنَكَ بأن ترى مرسم مودلياني. مودلياني فتًى إيطالي سقيم لا يكف عن احتساء الخمر والسعال. سيموت قريبًا جدًّا، لكن له طريقة عبقرية في الرسم، وموديلاته طويلات العنق بارزات الوجنات كأنهن أشباح من عالم آخر. هل حبيبتك هنا؟

للأسف لا! فلتجرِّبْ عالم شاجال. فتش عن فتاتك في هذه الأجسام المرسومة ببساطة وسذاجة تذكرك برسوم الأطفال.

ينصحونك بأن تجرب عوالم فنان آخر اسمه بيكاسو. تبحث بين اللوحات، هذه الوجوه التي تمَّ تحطيمها ثم أعيد تجميعها، كأنها شظايا ومكعبات تفتتت وأُلصقت متجاورةً؛ المرأة لها أنفان أو عينان في نصف وجهها، أشكال مشوهة … جميلة فعلًا لكنها مشوهة. لو كانت حبيبتك هنا فلن تعرفها. لو كانت أمك ذاتها هنا لما وجدتها!

عاد إلى مصر وقرر أن يفتش في اللوحات المصرية أكثر. سوف يجدها حتمًا بين فاتنات بيكار الرشيقات طويلات العنق وأنامل اليد، أو سمراوات محمود سعيد السكندريات الساخنات، أو نساء صبري راغب الأرستقراطيات … أو … أو …

سوف يجدها … وعندئذٍ، سوف يذوب في لوحتها إلى الأبد. فإن لم يجدها فلسوف يتعلم الرسم كي يخلق وجهها على القماش والورق. لقد حاول الفنانون منذ فجر التاريخ أن يجدوها ويصوروها، ومن الواضح أنهم فشلوا … لكنه سوف ينجح … هو على يقين من ذلك.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.