على مدار ثلاث سنوات فشلت التجربة، وعجز هنريك موريتسن عن معرفة السبب.

كان قد اصطاد مجموعة من طيور أبي الحناء الأوروبي، ووضعها في قفص على شكل قُمع في غرفة بلا نوافذ. كان القفص مبطنًا بورق نشَّاف، يحفظ آثار أقدام الطيور وهي تحاول الهرب. بطبيعة الحال، ستحاول الطيور الهرب في اتجاه ثابت؛ فطيور أبي الحناء تستطيع استشعار مجال الأرض المغناطيسي باستخدام بوصلة داخلية في رأسها. وحتى إذا لم تستطع رؤية الشمس أو القمر أو النجوم أو أي علامة أخرى مميزة، تساعدها تلك البوصلة على إيجاد طريقها.

لاحظ العلماء هذه الظاهرة لأول مرة في خمسينيات القرن الماضي، واستخدموا تجربة القُمع منذ ذلك الحين لدراسة الحاسة المغناطيسية لدى طيور أبي الحناء وطيور أخرى كثيرة؛ وهي طريقة تقليدية جرَّبها موريتسن مرات عديدة من قبل.

لكن عندما انتقل إلى جامعة أولدنبرج — منذ حوالي عقد — لم تَلْقَ التجربة سوى الفشل، وهو ما علَّق عليه قائلًا: «جرَّبنا كل شيء؛ غيرنا شدة الضوء، وحجم الأقماع وشكلها، والطعام الذي يقدَّم للطيور، ووضعنا الطيور بالداخل وبالخارج؛ جربنا كل هذا بلا جدوى. لقد قضيت فترة مفعمةً بالإحباط.»

ثم في عام ٢٠٠٦ قال له نيلز-لاسيه شنايدر — باحث ما بعد الدكتوراه الذي يعمل معه: «ما رأيك في وضع قفص فاراداي حولهم؟» وهو عبارة عن سياج موصِّل يحمي محتوياته من المجالات الكهربائية من خلال نقل الكهرباء عبر جدرانه. وهكذا إذا كانت المجالات الكهربائية تعطل بدرجة ما بوصلة الطيور، فإن قفص فاراداي سيحل هذه المشكلة. يقول موريتسن: «اعتقدتُ أن ذلك لن يساعد على الأرجح، لكني كنت يائسًا.» شيَّد الفريق بجهد جهيد قفصًا من الألومنيوم المؤرض حول الطيور وأوصلوه بمصدر للكهرباء.

عندما تعرضت الطيور لضوضاء كهرومغناطيسية محيطة في أكشاك غير محمية، طارت في اتجاهات عشوائية، لكن عند وضع قفص فاراداي، بدأت بوصلتهم في العمل مجددًا؛ وهو ما يعلق عليه موريتسن قائلًا: «كان الأمر سريعًا جدًّا كضغطة زر.»

كانت النتيجة مذهلة، وأدرك موريتسن أن عليه التحقق منها بعناية؛ إذ كتب قائلًا: «التأثيرات التي تبدو غير معقولة تتطلب برهانًا أقوى.» يزعم كثير من الدراسات الصغيرة أن المجالات الكهربائية والمغناطيسية التي يصنعها الإنسان قد تؤثر على بيولوجيا الحيوانات وصحة البشر، في حين زعم كثير من الأفراد — دون أي سند علمي — أنهم بالِغو الحساسية لتلك المجالات. لكن متى تحرَّى العلماء تلك المزاعم عبر التجارب الدقيقة — تجارب ثنائية التعمية على عينة كبيرة الحجم — لم يجدوا أثرًا لتلك التأثيرات.

يقول موريتسن: «لم أنوِ نشر الدراسة رقم ٢٢٥ من ذلك النوع.» وعليه كرَّر فريقه — بقيادة شنايدر وطالبة الدكتوراه سفينيا إنجل — التجربة مرارًا وتكرارًا. استغرقت التجارب وقتًا طويلًا، في الوقت الذي عانى فيه الفريق بالفعل من ثلاث سنوات تأخير، وكان لديه مهام أخرى يجب عليه تنفيذها، لكن بعد ٧ سنوات كانوا قد أجرَوْا العديد من التجارب ثنائية التعمية على طيور كثيرة. وشاركت عدة أجيال من الطلاب على نحو مستقل في إجراء هذه الدراسة، وكانت النتائج دومًا متماثلة.

وفي إحدى التجارب نسي أحدهم توصيل قطب التأريض بالقفص؛ فتوقفت الطيور عن تحديد اتجاهها من جديد. وعندما اكتشف موريتسن المشكلة، قرَّر جعلها جزءًا من التجربة؛ فكان بالتعاون مع شنايدر يفصل القطب أو يعيد توصيله عشوائيًّا دون علم الطلاب الذين يدرسون الطيور. ظلت الطيور تتصرف كما هو متوقع؛ أي إن فصل القفص أخلَّ باتجاهاتها. يعلق موريتسن على ذلك قائلًا: «كان رد فعلي الأول هو: «مستحيل!» وأتوقع أن يكون ذلك هو نفس رد فعل معظم الناس تجاه هذا البحث، لكني متأكد من صحة الظاهرة.»

ليس لهذه الدراسة علاقة بشبكات الواي فاي أو الهواتف المحمولة أو خطوط الكهرباء؛ فعبر إدخال المجالات الكهرومغناطيسية عن عمد داخل الأكشاك المؤرَّضة، كشف الفريق حساسية الطيور للترددات بين ٢ كيلوهرتز و٥ ميجاهرتز؛ وهو مدًى يُشير على الأرجح بأصابع الاتهام إلى إشارات الراديو (موجات إيه إم) أو المجالات التي تُحدِثها الأجهزة الإلكترونية في الجامعة، رغم صعوبة تحديد المصدر أكثر من ذلك.

لا يتضح بعدُ إن كانت الطيور البرية تتأثر بهذه الظاهرة أم لا. ورغم انخفاض أعداد الطيور المغردة المهاجرة ليلًا، فإن ذلك قد يرجع إلى أسباب كثيرة من بينها الصيد والأضواء الليلية. لكن تعطُّل بوصلة الطائر المغناطيسية لا يقضي على الطائر، فلا يزال في وسعه استخدام الشمس والنجوم لتوجيه رحلته. لكن إذا كانت السماء ملبدة بالغيوم واختفت جميع العلامات الأخرى، فقد تصبح البوصلة المعيبة عائقًا أكبر.

إذا كانت المجالات الكهرومغناطيسية التي يخلقها البشر تؤثِّر على الطيور البرية، فلن يحدث ذلك سوى في أماكن محدودة للغاية؛ فعندما نقل الفريق أكشاك الطيور إلى موقع ريفي على بعد كيلومتر واحد من مدينة أولدنبرج ويتميز بمستويات طبيعية من الضوضاء الكهرومغناطيسية المحيطة، استطاعت طيور أبي الحناء تحديد اتجاهها حتى عند إزالة قفص فاراداي؛ مما يشير إلى حدوث التشويش بالقرب من المدن فحسب؛ حيث تنتشر الأجهزة الإلكترونية.

لكن الباحثة روسفيتا فيتشكو أجرت تجارب ناجحة على طيور أبي الحناء طوال أربعين عامًا في حيٍّ بقلب مدينة فرانكفورت؛ وهو ما تعلِّق عليه قائلةً: «لم نستخدم أي عوازل، وكان اتجاه الطيور في المجموعات الضابطة مثاليًّا. لا بد أن الوضع في جامعة أولدنبرج سيئ على نحو خاص، وهو ما يجعلني أتساءل عن مصدر هذا المجال المشوش؛ إذ لا يبدو ذلك الوضع المعتاد داخل المدن.»

تبعث نتائج موريتسن على الحيرة؛ لأن المجالات الكهرومغناطيسية حول الجامعة ضعيفة للغاية، أضعف من مجال الأرض المغناطيسي نفسه، وهي كذلك أقل — بنسبة تتراوح من ١٠٠ إلى ١٠٠٠ مرة — من حدود التعرض التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، بل إنها ضعيفة لدرجة تمنعها من التأثير على الأنسجة البيولوجية. ورغم ذلك تتسبب في تغيير الجهاز الحسي لدى الطيور.

يبدو الأمر عجيبًا، لكنه يدعم كذلك فكرة معروفة منذ أمد بعيد حول كيفية عمل بوصلة الطائر المغناطيسية، وهي ترتبط بقواعد فيزياء الكم.

تملك الطيور في عيونها جزيئًا يُدعى كريبتوكروم. عندما يسقط الضوء على جزيء الكريبتوكروم ينتقل إلكترون إلى جزيء مصاحب؛ مما يخلق زوجًا من «الجذور»، وهي جزيئات تحوي إلكترونات منفردة. تملك تلك الإلكترونات غير المتزاوجة خاصية تدعى «الدوران»؛ فهي إما تدور معًا أو في اتجاهات متعاكسة. قد يحدث انتقال من حالة لأخرى؛ مما يؤدي إلى نتائج كيميائية مختلفة. يأتي ها هنا دور مجال الأرض المغناطيسي؛ فعلى الرغم من ضعفه، فإنه يملك طاقة كافية للتأثير على انتقالات زوج الجذور من حالة لأخرى. وأثناء قيامه بذلك يستطيع التأثير على نتيجة تفاعلات زوج الجذور الكيميائية.

اقتُرحت فكرة جزيء الكريبتوكروم عام ٢٠٠٠، ولا تزال تثير جدلًا حتى بين علماء الأحياء الذين يدرسون الحاسة المغناطيسية، لكن إذا كانت صحيحة فسوف تفسر كيف يستطيع مجال كهرومغناطيسي ضعيف مثل المجالات التي قاسها موريتسن التأثيرَ على طيور أبي الحناء المحبوسة. يقول موريتسن: «رغم أن ذلك لا يزال تخمينًا، أعتقد أن نتائجنا تقدِّم دليلًا بالغ القوة على حتمية اعتماد حاسة البوصلة المغناطيسية لدى تلك الطيور على ميكانيكا الكم في الأساس.»

لا تعني تلك النتائج أن المجالات الكهرومغناطيسية تؤثر سلبًا على صحة البشر؛ وهو ما يعبِّر عنه موريتسن قائلًا: «نحن قطعًا لا نقول بذلك؛ فنحن لا نعرف، لكني متأكد إلى حدٍّ ما من عدم وجود تأثير كبير.»

في الواقع، إن البوصلة المغناطيسية حاسةٌ خاصةٌ لدى الطيور؛ حاسة تستطيع استغلال مستويات الطاقة الضئيلة في الضوضاء الكهرومغناطيسية المنخفضة (والتعرض للتشويش بسببها). لا تنطبق نفس الظاهرة على حاسة البصر أو الشم أو اللمس؛ لهذا السبب عجزت طيور أبي الحناء عن تحديد اتجاهها، لكنها لم تتأثَّر من أي ناحية أخرى. قد ينطبق اكتشاف موريتسن على الحيوانات التي تملك كذلك حواسَّ مغناطيسية، إلا أنه لا يتضح بعدُ إن كان البشر يملكون تلك الحاسة.

تقول ماريا فيشتينج — الأستاذة بمعهد كارولينسكا، والتي تدرس آثار المجالات الكهرومغناطيسية على الصحة: «إنها نتائج مثيرة حقًّا للاهتمام، لكن لا أحد يعرف إن كانت ذات صلة بالبشر أم لا؛ فهي تشير إلى احتمالية كون الطيور المهاجرة حساسة، وأنها قد تملك جهازًا متخصصًا لا يوجد في الثدييات/البشر.»

Man-Made Electromagnetic Noise Disrupts a Bird’s Compass by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. May 4, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.