لم يفرغ الناس بعد من الحديث عمَّا قصدت إليه روسيا حين قررت ألَّا تجدد ما بينها وبين تركيا من ميثاق الصداقة والحياد؛ لأنه فيما ترى قد أصبح غير ملائم لظروف العالم الجديد، وأصبح محتاجًا إلى أن يمسَّه كثيرٌ من التعديل والتبديل.

وقد كثر التنبؤ بما تريد روسيا أن تقترح من تعديل وتبديل، يقتصد المتنبئون مرة ويسرفون مرة أخرى؛ حتى أذاعت بعض الصحف الإنجليزية أمس أن روسيا تريد أن تطلب إلى تركيا حرية المضايق، والنزول لها عن ولايتين من ولاياتها على الحدود، وتعديل دستورها بحيث يصبح ديمقراطيًّا صحيحًا. والمرجح أن مثل هذا التنبؤ لا يخلو من غلو شديد، وهو على كل حال مناقض للتصريحات التي تصدرها روسيا بالقياس إلى الدول التي تحررها من ألمانيا. فقد أعلنت روسيا غير مرة أنها لا تريد أن تتدخل في الشئون السياسية والاجتماعية لهذه الدول، وأنها لا تريد أن تحقق لنفسها مطامع إقليمية؛ أعلنت هذا بالقياس إلى رومانيا وبلغاريا والمجر، وأعلنته أمس بالقياس إلى النمسا. فمن غير المعقول أن يكون هذا موقف روسيا من البلاد التي تحررها بقوة السلاح، وأن تقف موقفًا آخر من بلاد مستقلة محايدة لم تكن بينها وبين روسيا حرب ما، ولعل الأدنى إلى المعقول ما أُذيع منذ حين من أن روسيا تريد حرية المضايق من جهة وضمان التعاون العسكري بينها وبين تركيا — إن ظهرت الحاجة إلى ذلك — من جهة أخرى.

ولكن المهم هو أن روسيا لم تكد تفرغ من تبليغ تركيا عدولها عن تجديد هذا الميثاق حتى خطت مثل هذه الخطوة بالقياس إلى اليابان، فأبلغتها أنها لا تريد أن تجدد ما بينهما من ميثاق الصداقة والحياد، وأبلغتها ذلك في لهجة عنيفة توشك أن تكون تحدِّيًا وإنذارًا؛ حتى تعجل المتنبئون فقالوا: إن روسيا قد تُعلن الحرب على اليابان قبل أن يبلغ الميثاق أجله. وقال قائلون آخرون: إن اليابان هي التي قد تعلن الحرب على روسيا قبل أن يبلغ الميثاق أجله. والشيء الواضح هو أن هذه الخطوة الروسية لها ما بعدها غدًا أو بعد غدٍ، وأن روسيا لم تخطها عبثًا، وأنها قد قصدت بها إلى أشياء ستكون أبعد مدًى وأعمق أثرًا مما ذهبت إليه حين ألغت ما بينها وبين تركيا من ميثاق.

والشيء الواضح أيضًا هو أن روسيا لم تسر حلفاءها البريطانيين والأمريكيين بموقفها الجديد من تركيا، وأنها قد سرَّت هؤلاء الحلفاء في ظاهر الأمر على الأقل بموقفها الجديد من اليابان. فتركيا حليفة للبريطانيين صديقة للأمريكيين، واليابان خصم لأولئك وهؤلاء، فتشدد الروسيين مع الترك يسوء الحلفاء من غير شك، وتشددهم مع اليابان يسرُّ الحلفاء من غير شك. وإن دل هذا كله على شيء فإنما يدل على أن للروسيين سياستهم الخاصة المستقلة التي يدبرونها ويسيرونها على مناهجهم الخاصة المستقلة أيضًا. وقد كانت روسيا ضيقة بما تفرض عليها الظروف السياسية والجغرافية في المضايق والبحر الأسود، وهي تريد أن تخرج من هذا الضيق. وكانت روسيا كذلك ضيقة بما تفرضه عليها الظروف السياسية والجغرافية في الشرق الأقصى — ولا سيما بعد انتصار اليابان عليها في أول هذا القرن — فهي تريد أن تخرج من هذا الضيق أيضًا. وهي بعبارة موجزة تريد أن تحقق سياستها التقليدية منذ عهد القياصرة، وهي حرية العمل في الشرق الأوسط والبحر الأبيض من جهة، وحرية العمل في الشرق الأقصى من جهة أخرى. ولن تستريح روسيا حتى يكون لها من الحرية في هذه الأرجاء كلها مثل ما لحليفتيها العظيمتين بريطانيا العظمى وأمريكا.

ونتيجة هذا كله أن الحرب واقعة لا محالة بين روسيا واليابان، فما ينبغي أن تنظم شئون الشرق الأقصى وتحدد فيه مناطق النفوذ وروسيا غائبة عن مؤتمر الصلح، ولا بدَّ من أن تشهد روسيا هذا المؤتمر مع البريطانيين والأمريكيين والفرنسيين والصينيين. ولا بدَّ من أن تثأر روسيا لنفسها من الحرب اليابانية الروسية التي وقعت في أول هذا القرن.

وقد أحسَّت البيئات السياسية في بريطانية وأمريكا إحساسًا قويًّا واضحًا بهذه الاتجاهات الروسية. ولاحظ الملاحظون أن الابتهاج لم يكن شديدًا جدًّا في أمريكا — مثلًا — بهذه الخطوة التي خطتها روسيا مع اليابان، وأن الأمريكيين تساءلوا متى تعلن الحرب بين الدولتين، وكان ابتهاج البريطانيين بهذه الخطوة معتدلًا أيضًا. ولست أعلم أن هذه الخطوة ذكرت في مجلس العموم البريطاني، ولكن البريطانيين قومٌ عمليون يحسنون انتهاز الفرص، ويحسنون لقاء الحوادث والخطوب، ويحسنون الاحتياط للمستقبل وما قد يثار فيه من المصاعب والمشكلات. ومع أن الهيئات الرسمية البريطانية لم تعلن خطة ما بشأن موقف روسيا من تركيا أو موقفها من اليابان؛ فقد نشرت التيمس منذ يومين مقالًا له خطره ومغزاه بالقياس إلى بلاد الشرق الأوسط، وأكبر الظن أنها ستنشر يومًا مقالًا آخر له خطره ومغزاه بالقياس إلى مشكلات الشرق الأقصى.

فأمَّا المقال الذي نشر منذ يومين فهو طريفٌ حقًّا عمليٌّ حقًّا؛ لأن محرر التيمس لا يطلب فيه إلَّا شيئًا يسيرًا وهو ألَّا تنفرد بريطانيا العظمى باحتمال أعباء الأمن السياسي والعسكري والاقتصادي في بلاد الشرق الأوسط كما كانت الحال أثناء هذه الحرب، وإنما ينبغي أن تشترك الدول الأربع الكبرى في هذا كله. والدول الأربع الكبرى بالطبع هي بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا وأمريكا. ومعنى هذا الاقتراح هو أن التيمس تريد من بريطانيا العظمى أن تفتح الباب للتعاون الروسي والأمريكي في شئون هذا الشرق. وقد كانت شئون الشرق الأدنى على الأقل محتكرة أو كالمحتكرة لبريطانيا العظمى وفرنسا، فأمَّا الآن فقد ظهر أن هذا الاحتكار غير مفيد أو غير ممكن، وظهر أن من الملائم للمنفعة الإنسانية العامة — أو من الملائم للضرورات الإنسانية العامة — أن تتعاون الدول الأربع ذات الخطر في الإشراف على شئون هذا الشرق. ولو أن للصين من البأس مثل ما لهذه الدول الأربع لدُعيت هي أيضًا إلى المشاركة في هذا الإشراف. ولكن يد الصين أقصر من أن تبلغ الشرق الأوسط، فليس لها من أساطيل البحر والجو ما يبلغها البحر الأحمر أو البحر الأبيض أو البحر الأسود، وحسبها أن تشارك في شئون الشرق الأقصى.

وتقترح ألَّا يُلغى مركز تموين الشرق الأوسط؛ لأن التجارب قد أظهرت أنه عظيم النفع في أيام الحرب، ولأن التجارب ستظهر أنه سيكون عظيم النفع بعد إمضاء الهدنة وبعد إمضاء الصلح، ولأنه سيكون وسيلة صالحة من وسائل التعاون بين الشرق والغرب.

وقد تسأل عن موقف بلاد الشرق الأدنى والأوسط نفسها من هذا التعاون بين الدول الكبرى كما يتصوره محرر التيمس، وكما يصوره محرر التيمس أيضًا. فموقف هذه الدول الشرقية بسيطٌ جدًّا واضح كل الوضوح، هو موقف الدول القاصرة التي تحتاج إلى الوصاية والمعونة والإرشاد حتى تبلغ أشدها في يوم من الأيام. فلا بدَّ من حماية المواقع العسكرية ذات الخطر؛ لأن التجارب قد أظهرت أن لهذا الشرق شأنه العسكري العظيم، وأن الاستيلاء عليه أمر حاسم في الحرب. وقد نهضت بريطانيا العظمى بحماية هذه المراكز العسكرية وأيَّدتها البلاد الشرقية في ذلك تأييدًا له قيمته، ولا ينبغي أن تنهض وحدها بهذا العبء منذ الآن. ولا بدَّ من الإشراف على النظام الاقتصادي لهذا الشرق؛ لأنه طريق التجارة من جهة، ولأنه مصدر خطير من مصادر الإنتاج من جهة أخرى، فلا يمكن الاستغناء عنه لا في السلم ولا في الحرب.

وقد أنشئت الجامعة العربية، وإنشاؤها خطوة حسنة جدًّا في سبيل هذا التعاون بين الشرق والغرب.

كل هذا صورته التيمس منذ يومين تصويرًا رائعًا مؤثرًا، ولم تنسَ أن تذكر في مقالها ذاك استقلال البلاد الشرقية والمحافظة لها على كرامتها. وأي شيء أيسر من المحافظة على الكرامة والاستقلال بعد أن تُضمن حماية المراكز العسكرية، ويُضمن الإشراف على الشئون الاقتصادية، ويُضمن تقديم المعونة والإرشاد لهذه الدولة حتى تستطيع أن تعتمد على نفسها. ولست أدري أتصور التيمس الرأي العام البريطاني في هذا المقال أم تريد التيمس أن تدعو الرأي العام البريطاني إلى أن يتصور شئون الشرق الأوسط على هذا النحو؟

ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن الشرقيين أنفسهم لا يتصورون المستقبل القريب على هذا النحو، بل لا يتصورونه على نحو قريب من هذا النحو. فهم لا يريدون أن يخرجوا من وصاية دولة واحدة إلى وصاية دول أربع، وإنما يريدون أن يخرجوا من الوصاية كلها سواء أكانت فردية أو اجتماعية، وأن يخرجوا منها خروجًا صريحًا لا غموض فيه. وهم لا يطيقون الاحتلال مهما تكن أسبابه وأغراضه ودواعيه، وهم يريدون أن يشاركوا بأنفسهم في حماية الأمن الدولي، وأن ينهضوا بحماية المراكز العسكرية ذات الخطر، وهم لا يريدون الإشراف الاقتصادي وإنما يريدون التعاون الاقتصادي ينظِّمونه فيما بينهم من جهة، وينظِّمونه فيما بينهم وبين أوروبا وأمريكا من جهة أخرى، وينظِّمونه تنظيم الراشدين المستقلين لا تنظيم القاصرين الذين يحتاجون إلى الأوصياء.

والشيء الذي أستطيع أن أؤكده هو أني أصوِّر الرأي العام الشرقي تصويرًا دقيقًا كل الدقة، وأن أصدقاءنا البريطانيين وغيرهم من الأوروبيين والأمريكيين يخطئون الخطأ كله إن ظنُّوا أنهم يستطيعون أن يتحدثوا إلى الشرق بهذه اللغة القديمة التي أدركها البلى وأصبح الشرق عاجزًا عن أن يفهمها أو يسيغها.

وهذا كله يدلُّ فيما يظهر على أن مؤتمر سان فرانسيسكو ليس وحده هو الذي يشغل الرأي العام العالمي، وإنما هو شيء يسير بالقياس إلى المشكلات التي تشغل الناس ويجب أن تشغلهم. ولست أدري أي الأمرين هو الأصل، وأيهما هو الهامش، وأكاد أعتقد أن المشكلات التي تحدثت عنها هي الأصل، وأن مؤتمر سان فرانسيسكو سيجتمع وسيعمل على هامش هذه المشكلات.

وقد أنبأنا وزير الخارجية الأمريكية في خطبة ألقاها منذ أيام بأن مهمة مؤتمر سان فرانسيسكو يسيرة جدًّا، وهي: وضع نظام الأمن الدولي، وإنشاء محكمة العدل الدولية، وإنشاء المجلس الاقتصادي الدولي. وكل هذه أمور حسنة جدًّا، ولكنها بناءٌ ينبغي أن يوضع له أساس، وأساسه لن يوضع في مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن مؤتمر سان فرانسيسكو لن يكون مؤتمر صلح، ولن يقضي في استقلال الدول المطالبة بالاستقلال، ولا في استكمال الاستقلال للدول التي تريد أن تستكمل استقلالها، وإنما هو يترك هذه الأمور كلها ويضع نظامًا مثاليًّا لتحقيق السلم وحمايتها بعد أن يستكمل العالم نظمه التي تتيح له شيئًا من الاستقرار. وقد فهمت مصر فيما أعتقد أمر المؤتمر فهمًا صحيحًا قائمًا على التجربة، فهي قد ظنته هائلًا عظيم الخطر أول الأمر؛ فألَّفت له وفدًا هائلًا خطيرًا، ثم جعلت مهمة المؤتمر تتضاءل شيئًا فشيئًا، وجعل وفدنا إلى المؤتمر يتضاءل شيئًا فشيئًا حتى إذا ظهرت مهمة المؤتمر كما هي قيِّمة جدًّا ولكن يسيرة جدًّا أصبح وفدنا ملائمًا كل الملائمة لهذا المؤتمر القيم اليسير. فأعضاؤه ثلاثة لا عشرة وفي الثلاثة الكفاية كل الكفاية، ورئيسه وزير الخارجية لا رئيس الوزراء وفي وزير الخارجية الغناء كل الغناء.

فلنتمنَّ للمؤتمر نجحًا، ولنتمنَّ لوفدنا فوزًا وتوفيقًا، ولنتمنَّ قبل هذا كله وبعد هذا كله أن تبلغ مصر حقوقها كاملة موفورة لا يشوبها احتلالٌ ولا وصايةٌ ولا إشرافٌ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.