تحدثنا إلى القرَّاء بما علمنا من أمر هذا المشروع الخفي الذي يُعدُّ لإصلاح الأزهر ومدرسة القضاء، أو لتوسيع نطاق الأزهر وتضييق مدرسة القضاء. تحدثنا إلى القُرَّاء بما نعلم من هذا المشروع، ورغبنا إلى الحكومة في أمرين لا نزال نرغب إليها فيهما مُلِحِّين؛ الأول: ألَّا تتجاوز إعداد هذا المشروع إلى تنفيذه حتى ينعقد البرلمان وينظر فيه فيقره أو يأباه. الثاني: أن تصدر الحكومة للناس بيانًا تظهر فيه جلية لهذا الأمر؛ ليطمئن الأزهريون والقضائيون ومن يحرص على مصلحة الأزهريين والقضائيين. رغبنا إلى الحكومة في هذين الأمرين، وما زلنا نرغب إليها فيهما ملحين. ولكن الحكومة عرضت ويظهر أنها تريد أن تُعرض عن رغبتنا هذه، فلا تؤجل تنفيذ المشروع، ولا تتحدث إلى الناس فيه، وإنما تريد أن تفاجئهم به مفاجأة تضعهم أمام الأمر الواقع. وكأن الحكومة كانت تريد أن يظل أمر هذا المشروع مكتومًا حتى تكون المفاجأة به. ولكن ليس من اليسير كتمان مثل هذه الأمور، فما أسرع ما أحسَّ الناس أن شيئًا يجري وراء ستار! وما أسرع ما تحسس الناس من هذا الشيء فاهتدوا إلى بعضه ونال منهم الخوف والإشفاق! نال منهم الخوف والإشفاق لأن إصلاح الأزهر وإلغاء مدرسة القضاء أو تضييقها ليس بالشيء اليسير الذي يستطيع الناس أن يصبروا عليه أو ينظروا إليه كما ينظرون إلى نقل أو ترقية أو تعيين أو لون من ألوان هذا العبث الكثير في هذا الأيام. وإنما إصلاح الأزهر وإلغاء مدرسة القضاء أو تضييقها شيءٌ ذو بال، يمسُّ أكبر معهد للعلوم الإسلامية في الدنيا، ويمسُّ مدرسة دلَّت التجربة على أنها لم تخلُ من نفع كثير، ويمسُّ نظامًا من نظم الدولة له اتصال بالحياة الدينية وبالحياة المدنية على اختلاف فروعها، وهو نظام القضاء الشرعي. وكل هذه أشياء لها خطرها ومكانتها من نفوس الناس. فمن حق الناس أن يعرفوا ماذا يُراد بها من حق الناس — وقد ردَّ الدستور إليهم أمرهم — أن يقولوا كلمتهم فيما يمسُّ الأزهر الشريف ومدرسة القضاء الشرعي والمحاكم الشرعية. ذلك حق الناس، فلهم أن يُشفقوا ولهم أن يطالبوا الحكومة بالبيان أولًا وبانتظار البرلمان ثانيًا. والحق أنَّا لا نفهم تكتُّم الحكومة ولا تعجُّلها في هذا الأمر. فليس إصلاح الأزهر ومدرسة القضاء سرًّا من أسرار السياسة الدولية العليا، يجب أن تضنَّ به الحكومة وتحوطه بما تُحاط به الأسرار. وإنما هو أمر عادي، بل قُل إنه أمر من يمس التعليم وأمور التعليم، تنتهي إلى الخير كلما كثر حولها البحث واشتد فيها جدال الآراء. وليس هناك معنى لتعجُّل الحكومة؛ فقد احتملت مصر الأزهر الشريف ومدرسة القضاء كما هما إلى الآن، وتستطيع أن تحتملهما كما هما أشهرًا حتى يتم اجتماع البرلمان. فليس في الأناة خطر على مَرَافق الدولة أو مصالح الناس. وإنما هذا التعجل مدعاة إلى سوء الظن. فإن يكن هذا المشروع خيرًا فلِمَ لا ينتظر البرلمان لتنفيذه؟ إن يكن هذا المشروع شرًّا فلم لا يشفق الناس عن تنفيذه دون مشورة البرلمان؟

يُقال إن الحكومة تريد أن تضيف إلى الأزهر الشريف أقسامًا للتخصيص في أنواع العلوم المختلفة، يدخلها الطلبة أو العلماء متى نالوا شهادة العالمية بعد أن يُمضوا اثني عشر عامًا في الأزهر، ويمكثون فيها ثلاث سنين ينالون بعدها شهادة عليا تثبت اختصاصهم وتفوُّقهم فيما درسوا من علم. ويُقال إن مدرسة القضاء ستكون أحد هذه الأقسام، ولكن تستغرق أربع سنين لا ثلاثًا. ثم يُقال إن هناك رأيًا في اللجنة التي تُعِدُّ هذا المشروع يقضي بأن يُختار طلاب هذه المدرسة من حملة الشهادة الثانوية في الأزهر على أن يدرسوا في المدرسة أربع سنين، ينالون بعدها شهادة العالمية، ثم يتخصصون أربع سنين أخرى ليكونوا قضاة. ويُقال مع هذا إن قسم الاختصاص القضائي لن يُغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين يخرجون من الأقسام الأخرى، كما أن مدرسة القضاء الموجودة الآن لا تغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين لم يدخلوها. وإذن فلسنا نستطيع أن نفهم معنى الإصلاح، ولا إنشاء قسم للاختصاص في القضاء. ويُقال إن في اللجنة خلافًا حول كُتَّاب المحاكم الشرعية، يرى قومٌ أن يؤخذوا من العلماء الذين لم يتخصصوا للقضاء ولكنهم درسوا في مدرسة القضاء الشرعي على نظامها الجديد، ويرى قوم آخرون أن يؤخذوا من حملة البكالوريا على أن يمروا بمدرسة القضاء حينًا طويلًا أو قصيرًا.

كل هذا يُقال، وكل هذا حقٌّ أو أكثره حقٌّ. ولكن أكل هذا حسن؟ أكل هذا سيئ؟ هذا شيءٌ لا نستطيع أن نقوله في كلمة قصير كهذه، ولا نستطيع أن نستنبطه من معلومات قليلة غامضة مشكوك فيها، وإذن فمن الخير أن تصدر الحكومة بيانًا، وأن تنشر هذا المشروع. ومن الخير بوجه خاص ألَّا تتعجل الحكومة في تنفيذ هذا المشروع قبل أن تأخذ فيه رأي البرلمان. ولسنا نشك في أن الأزهر في حاجة شديدة إلى الإصلاح وكذلك مدرسة القضاء. وأي شيءٍ في مصر لا يحتاج إلى إصلاح؟ ولكنَّا لا نشك في أن أمر مصر قد رُدَّ إليها، وأن رأي البرلمان في إصلاح النظم المصرية على اختلافها أدنى إلى الصواب وأحق أن يُتَّبع من رأي حكومة فردية، ولا سيما وقد كثرت الإشاعات وساءت الظنون … فمن الناس من يرى في هذا المشروع حركة سياسية يُراد بها إرضاء قومٍ على حساب قومٍ آخرين … وقد نتمنى ألَّا يكون هذا حقًّا. ولكنَّا نعلم أن هناك سبيلًا واحدة لإثبات أن هذا باطل، وأنه إشاعات لا قيمة لها. وهذه السبيل هي ألَّا تنفذ الحكومة هذا المشروع حتى ينعقد البرلمان، ويقول كلمة فيه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.