إذا شكا المسلمون من عدوان المبشرين على فتيانهم وفتياتهم، ومن إكراه المُبَشِّرِينَ لهؤلاء الفتيان والفتيات على أن يخرجوا من الإسلام ليدخلوا إلى المسيحية، أظهر البرلمان شيئًا من النشاط، وأظهرت الوزارة شيئًا من العناية، وكتب الشيخ الأكبر إلى رئيس الوزراء، أو سعى الشيخ الأكبر إلى رئيس الوزراء ثم يهدأ كل شيء إلا عدوان المبشرين، ويستقر كل شيء إلا اضطراب المبشرين، وينام البرلمان والوزارة والشيخ ملء جفونهم، ويحلم البرلمان والوزارة والشيخ بأن أمور المسلمين تجري على خير ما تجري عليه الأمور؛ فهم آمنون على أبنائهم وبناتهم أن يمسهم ضر أو يصيبهم إكراه، وهم مطمئنون على الإسلام أن يُعْتَدَى عليه في دار الإسلام، حتى إذا ظهر عدوان المبشرين مرة أخرى، واتصلت شكاة المسلمين لجَّ البرلمان والوزارة والشيخ في هذا النوم الهادئ اللذيذ، وفي هذه الأحلام الحلوة الباسمة، ونهضت صحف الوزارة تدفع عن الوزارة والبرلمان والشيخ، فتقول ما تَقَوَّلَه الشعب اليوم من أن الإثم في ذلك على الأمة لا على الحكومة؛ لأن الأمة هي التي ترسل أبناءها إلى حيث يعبث بهم المبشرون ويكرهونهم على ما لا يحبون، فإذا تعرَّض أبناء المسلمين وبناتهم لعدوان المبشرين وطغيانهم فلا ينبغي أن يلوم المسلمون برلمانًا ولا وزارة ولا شيخًا، إنما ينبغي أن يلوموا أنفسهم!

ومعنى ذلك أن البرلمان لا يستطيع شيئًا، وأن الوزارة لا تستطيع شيئًا، وأن الشيخ الأكبر لا يستطيع شيئًا، ومعنى ذلك أن الأمر ينبغي أن يُترَك للمسلمين والمبشرين، فإن كان المسلمون يحرصون على دينهم حقًّا، وعلى كرامتهم حقًّا؛ فليصرفوا أبناءهم وبناتهم عن مدارس المبشرين، وإذن فينبغي أن يعلم المسلمون أن البرلمان والحكومة والشيخ جميعًا يبرءون إليهم من أمر المبشرين، ويعلنون عجزهم عن معالجة هذا الأمر، ويُحَمِّلونهم وحدهم تبعة هذا الأمر، إن كانت الشعب تُصوِّر رأيَ الوزارة القائمة حقًّا.

والناس يعلمون أن المبشرين لا يعلنون إلى أهل مصر أنهم يفتحون مدارسهم للتبشير وإنما يفتحونها للتعليم؛ فهم لذلك ينخدعون ويرسلون أبناءهم وبناتهم إلى هذه المدارس، فإذا ظهر بعد ذلك أن المبشرين لا يعلمون فحسب، ولكنهم يحاولون إخراج الصبيان من دينهم، فمن الحق على المسلمين أن ينصرفوا عن هذه المدارس طبعًا، ولكن هل من حقهم أن ينتقموا لأنفسهم إذا أبت الحكومة أو عجزت عن أن تنتقم لهم؟ هل من حقهم أن يلقوا شرًّا بشر وعدوانًا بعدوان إذا امتنعت الحكومة أو عجزت عن أن تكف شر المبشرين وعدوانهم؟ هل من حقهم أن يغلقوا مدارس المبشرين إذا امتنعت الحكومة أو عجزت عن إغلاقها؟ هل من حقهم أن ينفوا المبشرين من الأرض إذا امتنعت الحكومة أو عجزت عن نفيهم؟

ستقول للشعب: لا، ونحن أيضًا نقول: لا، ونحن أيضًا نكره للمسلمين أن يلقوا شرًّا بشر، وعدوانًا بعدوان، وأن ينتصفوا لأنفسهم بأيديهم من الذين يعتدون على دينهم وكرامتهم، ولكن بشرط أن تعرف الوزارة واجبها، وتنهض بأدائه في صراحة وحزم وإخلاص، فإن لم تفعل عجزًا منها أو تقصيرًا؛ فمن الحق عليها أن تستقيل لتأتي مكانها وزارة أخرى تعجز لا عن النهوض بالواجب، ولا تشقق من احتمالات التبعات.

فإن كانت الوزارة وأنصارها يرون أن أمور الحكم لون من ألوان الهزل، تكفي فيها المظاهر دون الحقائق، ويجزئ فيها إعلان النهوض بالواجب دون النهوض به حقًّا؛ فإن الشعب لم يبلغ بَعْدُ من الرُّقِيِّ هذا الحدَّ الذي يمكنه من أن يتخذ الحكومة أداة من أدوات الترف وفنًّا من فنون الهزل.

ما يزال الشعب مقتنعًا إلى الآن بأن الحكومة أداة من أدوات الجِدِّ، عليها واجبات يجب أن تؤديها، فإن لم تفعل وجب عليها أن تستقيل، فإن لم تفعل خِيفَ أن ينتصف الشعب لنفسه؛ فيصون كرامته إن لم تصنها الحكومة، ويحمي دينه إن لم تحمه الحكومة، ويعاقب المعتدين إن لم تعاقبهم الحكومة.

وإذا شكا الشعب من الأزمة، وألح في الشكوى؛ لأن الأزمة ألحت عليه، أظهر البرلمان شيئًا من النشاط، وأكثرت الوزارة من الكلام، وخُيِّلَ إلى البرلمان وإلى الوزارة أنهما قد أديا واجبهما بما أظهرا من نشاط وما أكثرا من كلام، فإذا مضت الأزمة في إلحاحها حتى أهلكت أو كادت تهلك كل شيء، وإذا مضى المصريون في شكاتهم نهضت صحف الوزارة فقالت كما قال الاتحاد منذ أيام: إن إثم الأزمة على الأمة لا على الحكومة؛ لأن الأمة مُسْرِفَةٌ مُبَذِّرَةٌ لا تفهم الاقتصاد ولا تقدره، ولا تظهر الميل إليه.

ومعنى ذلك — إن كانت الاتحاد تُصوِّر رأيَ الحكومة حقًّا — أن الحكومة تتخفف من إثم الأزمة كما تتخفف من إثم التبشير؛ إما لأنها لا تريد أن تصنع شيئًا مغنيًا، وإما لأنها لا تستطيع أن تصنع شيئًا مغنيًا.

ولكن الشعب لم يتخذ الحكومة — كما قلنا — أداة من أدوات الترف، ولونًا من ألوان الزينة، فإذا لم تُحَقِّق الحكومةُ الأغراضَ الجدية وجب عليها أن تستقيل، فإن لم تفعل فمن حق الشعب نفسه أن ينهض بواجباته، وأن يصلح من أموره مهما كانت نتيجة هذا النهوض وعواقب هذا الإصلاح، لو أن الوزارة تنظر إلى أمورها وإلى أمور الناس نظرة جد وإخلاص لراقبت صحفها بعض الشيء، ولمنعتها من أن تكتب هذا السخف وتذيع هذا الهذيان، فلو أن الناس صدقوا صحف الوزارة، وأعفوا حكومتهم من التبعات، ونهضوا لأنفسهم بما يجب لهم؛ لكانت الثورة المهلكة المدمرة التي لا تريدها الحكومة ولا تميل إليها، والتي تخاف الحكومة حتى من ذكرها أو التفكير فيها.

وإذا كانت الحكومة لا تحب الثورة ولا تحب أن ينتصف الناس لأنفسهم؛ فإن أوجب شيء عليها أن تنتصف هي للناس، وأن تقيم بينهم العدل حقًّا وأن ترد عنهم عدوان المعتدين حقًّا، وأن تنظر إلى مقامها من الشعب نظرة العامل الجاد لا نظرة المقصر الهازل؛ فقد يطول صبر الشعب وقد يشتد حتى يُخَيَّلَ إلى الحكومة أنه إلى الضعف أقرب منه إلى أي شيء آخر، وأنه إلى الفناء والاستسلام أقرب منه إلى المقاومة والاحتمال، ولكن نفسية الشعوب ليست من اليسر والسهولة بحيث تظن الحكومات التي تهمل أمر الشعوب وتستهين به؛ فرب هدوء أعقب اضطرابًا، ورب سكون أثار حركة، ورب إخلاد إلى الدعة أنتج فسادًا وشرًّا.

وإذا ابْتُلِيَتْ وزارة المعارف بطائفة سخيفة من رجال التعليم وضعت لها أسئلة سخيفة للامتحانات العامة، وعجزت الوزارة عن أن تدرك ما في هذه الأسئلة من سخف، أو أن تقدر ما فيها من عسر، فأقرتها ثم أخذت الطلبة بالإجابة عليها، ثم ظهر سخفها للناس واضحًا لا يقبل شكًّا ولا جدالًا؛ فشكا الطلاب وشكا آباؤهم من هذا الإرهاق، وضج الطلاب وضج آباؤهم من هذا الاستخفاف بجهود الشباب وآمالهم، وأظهر البرلمان شيئًا من النشاط، وأظهرت الوزارة شيئًا من العناية، ولكن الامتحان يمضي في سبيله، ولكن المصححين يمضون في تصحيحهم، ولكن الظلم يظل واقعًا على الطلاب وعلى آبائهم، ولكن شيئًا لا يتغير، وإنما هي وعود وأحاديث يَلْهَى بها الناس بعض الشيء حتى تظهر النتيجة منكرة فينجح الناجحون في غير حق، ويرسب الراسبون في غير حق، وتُؤَلَّفُ لجنة أو لجان للتحقيق أو لشيء يشبه التحقيق، ثم ينقضي الصيف ويأتي أول العام الجديد، وينسى الناس أمر الامتحان، ويُشغَل الناس عن هذا الظلم بالتخلص من ظلم آخر، والاحتيال في إدخال أبنائهم مدارس الدولة، أو إعفاء أبنائهم من المصروفات، أو الجد في جمع هذه المصروفات لِيُقْبَلَ أبناؤهم في المدارس.

وكذلك يصبح النسيان أداة من أدوات الحكم، ووسيلة من وسائل السياسة، يشكو الناس ويضجون، فتَعِدهم الحكومةُ وتُمنِّيهم، وتخدعهم بالأوهام والآمال، وتستعين عليهم بالزمان والنسيان؛ لتنتقل بهم من شر إلى شر، ومن سوء إلى سوء.

وقد نجحت الوزارة في الاستعانة بالزمان والنسيان على الناس إلى الآن، ولكن من الحق على الوزارة أن تفكر في أن لكل شيء غاية يقف عندها، وحدًّا ينتهي إليه، وفي أن النسيان نفسه أسعف أَمْسِ فقد لا يُسْعِفُ اليوم، وإن أعان اليوم فقد لا يُعِينُ غدًا، وإن تهدأ الشكوى بالتلهية والاستعانة عليها بالنسيان ليس من الجد في شيء ولا من الإخلاص في شيء، وإنما هو لعب كل اللعب، وخداع كل الخداع، وإن الشعوب قد تنخدع بلعب اللاعبين، وخداع المخادعين مرة ومرة، ولكن من العسير جدًّا أن يتصل بها هذا الانخداع إلى غير حد ولا أمد.

يجب على الحكومة إذن أن تتوكل على الله، وأن تواجه الأمور في صراحة وشجاعة كما ينبغي أن تُواجَه، وأن لا تعتمد على التلهية ولا على النسيان، وقد أصبح الاعتماد عليها فيما يظهر غير نافع ولا مفيد. يجب عليها أن تُبَيِّنَ للناس أنها حكومة إسلامية حقًّا، قد نهضت لحماية الإسلام ورعاية أمور المسلمين وكف المبشرين عن أن يعتدوا على الدين، يجب عليها أن تأخذ شجاعتها بكلتا يديها كما يقول الفرنسيون، وأن تُغْلِقَ مدرسة واحدة من هذه المدارس الأجنبية التي تسيء إلى المسلمين في أبنائهم وبناتهم، وتعتدي على عقولهم بالتنويم المغناطيسي وعلى أجسامهم بالسياط، يجب عليها أن تأخذ شجاعتها بكلتا يديها؛ فتنفي من الأرض مبشرًا واحدًا من هؤلاء المبشرين الذين يستغلون ضعفها وعجزها، فيمعنون في الاعتداء على كرامة المصريين ودينهم الرسمي، ولكني أزعم أن الحكومة لن تفعل شيئًا من هذا بل لن تفكر في أن تفعل شيئًا من هذا؛ لأنها تخاف الأجانب أكثر مما تخاف المصريين، ولأنها تشفق من الأجانب أكثر مما تشفق من المصريين، ولأنها تؤثر إرضاء الأجانب على أن تحمي دينها الرسمي الذي تزعم أنها إنما قامت لتحميه وتُعْلِيَ كلمته!

يجب على الحكومة أن تصطنع الشجاعة حقًّا، وتواجه الأزمة الاقتصادية بما ينبغي أن تُواجَه به من الحلول الحاسمة الصريحة، لا هذه الحلول العوجاء الملتوية التي تُلْهِي بها الناس، ولكني أزعم أنها أضعف من ذلك، أضعف من أن تمس الضرائب، وأضعف من أن تتخذ موقفًا حاسمًا في مسألة الدين، وأضعف من أن تشتد ولو قليلًا على المصارف الأجنبية؛ لأنها تعتمد على الأجانب أكثر مما تعتمد على المصريين، وتحرص على إرضائهم أكثر مما تحرص على إرضاء المصريين؟

يجب على وزارة المعارف أن تعتمد على الله، وتلغي امتحانها هذا السخيف، وتبحث لها عن رجل من خيار الناس قد استقام عقله وخلصت نيته؛ ليضع لها أسئلة مقبولة معقولة، ولكني أزعم أنها لن تفعل؛ لأنها تخاف من الإنجليزي الذي اضطرها إلى هذا الموقف السخيف أكثر مما تخاف من هؤلاء الألوف من المصريين، الذين أفسد هذا السخف عليهم حياتهم في هذه الأيام!

يجب على وزارة المعارف أن تعتمد على الله أيضًا، وأن تحقق مع هذا الأستاذ الذي وضع لصبيان الشهادة الابتدائية هذا السؤال الظريف الطريف، الذي لا يُسِيغُه إلا عقل وزارة المعارف: بحر ونهر يفتخران؛ فماذا يقولان؟!

أليس من سوء الحظ ونكد الطالع كما يقولون أن تُوكَل حياة الألوف من أبناء المصريين إلى مثل هذا الأستاذ البارع الذي يسأل أبناء العاشرة والتاسعة عما يقوله البحر والنهر حين يفتخران؟!

ولكن وزارة المعارف لن تبحث عن ممتحنها هذا السخيف، ولن تكلفه هو أن يكتب ما يقوله البحر والنهر حين يفتخران، وأنا زعيم لك بأنها إن فعلت وجمعت رجالها كلهم في حظيرة واحدة من حظائر الامتحان، وطلبت إليهم جميعًا أن يكتبوا ما يقول البحر والنهر حين يفتخران، ثم أذاعت بين الناس ما يكتبون لأضحكت المصريين طوال الصيف.

وبَعْدُ، فما لوزير التقاليد لا يقبل هذا الاقتراح؟! أؤكد له أنه إن فعل أَلْهَى الناس وسلَّاهم وصرفهم عن الحكومة ونقدها وتتبع أعمالها شهرًا أو شهرين.

خُذْ ما شِئْتَ من أعمال الحكومة، فسترى أنها تظهر فيه مظهر الجد، حتى إذا حققت النظر رأيت الأمر كله هزلًا في هزل، وعبثًا في عبث، تكلفًا ليس وراءه شيء!

وليس الغريب أن يكون هذا شأن حكومة من الحكومات، وإنما الغريب أن تستقيم أمور حكومة قوام سياستها الهزل والمزح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.