صدر نصفه، وما يزال نصفه الآخر متمنعًا، متأبِّيًا، لا يريد أن يظهر على كثرة ما يلح الناس عليه في الظهور. وأظنك قد فطنت إلى أني إنما أريد أن أتحدث عن هذه القصة الطريفة الرائعة التي اتصلت بفصل الأستاذ السنهوري من كلية الحقوق، والتي أثرت في هذا الفصل بعض الأثر إن لم تكن أثرت فيه كل الأثر في أكبر الظن.

فقد زعموا — كما تعلم ويعلم الناس — أن أستاذًا من أساتذة كلية الحقوق حضر افتتاح نادي المحامين، كما حضره الأستاذ السنهوري، ولم يحضره من أساتذة الكلية غيرهما.

فلما أذيع في الصحف وعرفت الحكومة حضورهما هذه الحفلة، سألت أحدهما ولم تسأل الآخر. فأما الذي سئل فهو الأستاذ العربي، وأما الذي لم يُسأل فهو الأستاذ السنهوري. وقد كان سؤال أحدهما دون الآخر غريبًا في نفسه، ولكن فصل الأستاذ السنهوري أزال هذه الغرابة، ومحا اللبس عن هذا الموقف الذي لم يكن يخلو من غموض.

أما الأستاذ العربي فقد تحدث إليه عميد الكلية في حضوره هذه الحفلة، ثم طلب إليه أن يلقى وزير التقاليد، فلقيه وتحدَّث إليه الوزيرُ في هذا الموضوع، ثم فصل الأستاذ السنهوري.

وعلمنا من مصادر نثق بها أن بين الأمور التي ذكرت حول الأستاذ السنهوري واستُعين بها على فَصْله، أن الأستاذ العربي زعم لمن سأله أنه لم يذهب إلى نادي المحامين من تلقاء نفسه، وإنما استدرجه إليه الأستاذ السنهوري استدراجًا! وقد أنكرنا ذلك أشد الإنكار حين علمناه، وكتبنا في ذلك منكرين ومستفسرين، وأكبرنا على أستاذ من أساتذة الجامعة أن يرضى لنفسه أن يستدرجه غيره إلى ما لا يحب، وأن يقول غير الحق ليبرئ نفسه؛ لأن الأستاذ السنهوري لم ير زميله العربي في ذلك اليوم.

ولم يكد الأستاذ العربي يقرأ ما كتبناه حتى ضاق به أشد الضيق، وأسرع إلى لقائنا؛ فكذب أن تكون هذه القصة قد وقعت له، أو صدرت عنه، وكان تكذيبه صريحًا قاطعًا مؤكدًا، ثم دفع إلينا بيانًا صاغ فيه هذا التكذيب وطلب إلينا نشره، فنشرناه مغتبطين، وحمدنا الله على أن أساتذة الجامعة ما زالوا في نفسهم وعند الناس أكبر من هذه الصغائر، وأرفع من هذه الوقيعة.

ولكننا أكدنا أن أمر هذه القصة قد انتهى إلينا من مصادر نثق بها، وأن الحديث بهذه القصة قد جرى بين الوزراء، وطلبنا إلى الوزارة أن تنفيه نفيًا قاطعًا، فلما كان الغد، رأينا بيان الأستاذ العربي يُعاد نشره في الأهرام، ويزاد عليه أن الأستاذ قد استأذن الوزير في نشره، فأذن الوزير. وكان معنى هذا عندنا وعند غيرنا من الناس أن ذِمَّة الأستاذ العربي قد برئت من هذه القصة، وأنه قد خلص منها، وأدى بهذا التكذيب ما يجب لنفسه من الكرامة، وما يجب لزميله من الوفاء. وكان إذن الوزير له بنشر هذا البيان فيما يظهر شهادة من الوزير بأن الأستاذ العربي بريء من الكيد الذي دُبِّر له ولزميله، ومن الدسيسة التي دُسَّت عليه وعلى زميله.

ولكن براءة الأستاذ من هذا الكيد لا تنفي أن هذا الكيد قد كان، وأن هذه الدسيسة قد دبرت، وأن الحديث بها قد جرى على لسان بعض الوزراء، وإذن فما زال من حقنا اليوم كما كان من حقنا أمس أن نعرف جلية الأمر في هذه القصة: كيف ارتفعت إلى وزير التقاليد أو إلى غيره من الوزراء؟ وكيف جرى الحديث بها في مجلس الوزراء؟

من حقنا أن نعرف هذا لأسباب مختلفة؛ فإن هذه القصة — كما قلنا، وكما نقول — قد جرى بها الحديث بين الوزراء، وكان لها في فصل الأستاذ السنهوري أثر، فهي إذن كذبة من الكذبات قد أثرت في حياة الجامعة، وفصلت أستاذًا من أساتذتها، ودفعت الوزارة إلى اتخاذ قرار خطير. وما ينبغي للمصريين ولا لأي جماعة متحضرة تحب الحق والعدل، وتُكْبِر الخُلُق ونقاء الضمير، أن تسكت حين ترى الكذب والكيد يؤثران في حياة الناس، ويمسان أعمال الحكومة من قريب أو بعيد، وما ينبغي للمصريين ولا لأي جماعة متحضرة أن يروا أستاذًا يفصل، وأن يعلموا أن الكذب قد كان له بعض الأثر في فصله، ثم يسكتوا عن المطالبة بإنصاف هذا الأستاذ مما أصابه من الظلم، وبأخذ الذين كذبوا بالعقاب على ما تورطوا فيه من الإثم، ومن الإثم الذي لا يمس أخلاقهم وسيرتهم وكرامتهم وحدها، وإنما يمس حقوق الناس أيضًا.

ثم إن هذه القصة التي جرى الحديث بها بين الوزراء، والتي يقال: إنها عملت بعض العمل في حرمان الجامعة أستاذًا من خيرة أساتذتها لم يقف شرها عند الجامعة وعند الأستاذ وحدهما، وإنما تناول شرها الوزراء أيضًا؛ فمما لا شك فيه أن هذه القصة إذا ارتفعت إلى الوزراء، وارتفعت إليهم ممن يحسنون الظن به، والاطمئنان إليه؛ تركت في نفوسهم أثرًا، قد يكون سيئًا، وقد يكون مسرفًا في السوء، وكان من حقها أن تنتهي بهم إلى ثورة النفس وفساد الرأي في أستاذ يستدرج زميله إلى ما لا يحب الوزراء.

وإذن فهذه القصة قد غشت الوزراء وهيَّأتهم لأمور لعلهم ما كانوا ليقدموا عليها لو لم ترتفع إليهم هذه القصة بما فيها من مكر وكيد، وإذن فمن حق الوزراء أن يغضبوا إذا تبين لهم أن هذه القصة مكذوبة، وأن الذي رفعها إليهم قد غشهم وكاد للأستاذ، وأن غشه قد انتهى إلى غايته، وأن كيده قد بلغ مداه، ومن حق المصريين أن يغضبوا حين يرون أن بين الناس من تبيح لهم ضمائرهم الكذب على الوزراء، والكيد للأبرياء.

وإذن فمن حق الوزراء، فيما نظن، بل من الحق عليهم لأنفسهم وللمصريين، وللأخلاق واستقامة السيرة ونقاء الضمير، أن يتبينوا كيف ارتفعت إليهم هذه القصة، ومن الذي رفعها إليهم، وماذا كان يريد حين سعى إليهم بها، ومن حق الوزراء، بل من الحق عليهم أن يعاقبوا هذا الذي أساء إليهم وأساء إلى مصر بالكذب عليهم، وأساء إلى رجل بريء من هذه القصة بنوع خاص على أقل تقدير.

والوزراء حين يحققون هذا الأمر، ويضربون على يد الذي ارتفع إليهم به، إنما يضربون أحسن الأمثال للناس، ويُثبتون أنهم لا يُحبون سعاية ولا وشاية ولا كيدًا، وأنهم لا يرضون أن تتأثر أعمال الحكومة ولا سيرة الأفراد بالسعاية والوشاية والكيد.

ونظن أننا لا نسرف على الوزراء ولا نسرف على أحد حين نطلب إلى الوزارة أن تَتبيَّن جلية هذه القصة، وأن تُبيِّنها للناس، وأن تجيب في صراحة على هذه الأسئلة: هل جرى الحديث بهذه القصة المكذوبة بين الوزراء؟ وإن كان قد جرى الحديث بها، فمن الذي رفع هذا الحديث إليهم؟ وماذا أعدت الوزارة لعقاب هذا الذي استباح لنفسه أن يكذب على الوزراء ويكيد عندهم لرجل بريء؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.