هو الذي ألحَّ في تقديمه إلى وزارة المعارف ألَّا تشق على نفسها ولا على الناس بالغلو في الاستماع للبيداجوجيا، والإغراق في الاستجابة إلى ما تدعو إليه من هذا التحذق الذي لا يغني، والتألق الذي لا يُجدي، والتلكؤ الذي لا يفيد. فليست البيداجوجيا في آخر الأمر إلَّا فنًّا ناشئًا لم يبلغ بعدُ أن يكون علمًا، ولا أن يستكشف القوانين التي يمكن أن تطمئن إليها أجيال الناس على اختلاف البيئات والظروف، وإن كثر الكلام في البيداجوجيا منذ قرون وقرون.

فكرت في هذا حين قرأت حديثًا أذاعته الأهرام يوم الثلاثاء لوزير المعارف، وكنت قد فكرت في هذا منذ أسابيع حين قرأت حديثًا أذاعته الأهرام لموظف مسئول من موظفي وزارة المعارف، ثم عدلت عن ذلك التفكير لأن وزارة المعارف كذبت ذلك الحديث تكذيبًا قاطعًا عنيفًا. وكنت أقدِّر أن وزارة المعارف ستكذِّب الحديث الثاني كما كذبت الحديث الأول، ولكنها لم تفعل مع أن الحديثين يلتقيان التقاءً غريبًا لا يكادان يختلفان إلَّا في تعليم اللغة الأجنبية متى يبدأ وأين يكون.

وأكبر الظن أن الموظف المسئول لو ترك الإشارة إلى اللغات الأجنبية لما تعرض حديثه للتكذيب؛ فتعلم اللغات الأجنبية أمرٌ شائك يحسن ألَّا تتعرض له الوزارة إلَّا بعد البيان المفصل والتمهيد الذي يحسن الاطمئنان إليه. والشيء المهم هو أن وزير المعارف تحدَّث إلى الأهرام عن أمور التعليم، وقسَّم هذه الأمور إلى أمورٍ عاجلة يحسن الفصل فيها في جزم وإسراع، وأمور آجلة يحسن النظر إليها في روية وأناةٍ.

ووزير المعارف ساخطٌ أشد السخط على الأمور العاجلة، مرتاع أشد الارتياع لما تعرض له التعليم من فساد؛ لأن وزارة المعارف — فيما يظهر — قد عالجت أمور التعليم في تسرُّع وارتجال، فأجرت الأمور كما يقتضي التسرُّع لا كما تقتضي المصلحة.

ويكفي أن تعلم أن بعض المدارس قد أنشئ لخمسمائة من التلاميذ، فحشر فيه أكثر من ألف، وأن الفصول التي لا ينبغي أن يزيد التلاميذ فيها على ثلاثين قد نيف التلاميذ فيها على الخمسين، وأن الأدوات المدرسية والكتب لم تقدم إلى التلاميذ في إبانها، وأن الأساتذة كانوا أقل مما ينبغي بالقياس إلى عدد التلاميذ، ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن التلاميذ لم يكونوا يجلسون على الكراسي ما ينبغي أن يجلسوا عليه من المقاعد النظامية الثابتة، وإنما كانت تُجلب لهم الكراسي من هنا وهناك، وأنهم لم يكونوا يجدون من الشوَك والسكاكين ما يمكنهم من أن يأكلوا كما ينبغي أن يأكل المترفون.

وأظنك توافقني على أن الموظف المسئول الذي كُذِّب حديثه تكذيبًا عنيفًا، والوزير الذي لم يُكذَّب حديثه، وأصحاب النشرات التي كانت تذاع هنا وهناك بين حين وحين، لم يقولوا شيئًا جديدًا؛ فالشكوى من ضيق المدارس، وازدحام الفصول، وقلة المعلمين، وعجز الدولة عن مواجهة الحاجة المتزايدة إلى التعليم؛ كل ذلك شيءٌ قديم، أقدم جدًّا من نهوض وزير المعارف وأعوانه بشئون التعليم. تراه مسطورًا في تقرير صاحب السعادة، حافظ عفيفي باشا، على هامش السياسة الذي نشره بعد ذلك التقرير بوقت قصير، وتراه مسطورًا في مئات من المقالات وعشرات من التقارير نشرت منذ نهضت مصر بشئون التعليم. فالكلام في هذا كله حديث معادٌ، كالكلام في أن قرى الريف لا تشرب الماء النقي، ولا تأكل الطعام الشهي، ولا تلبس الثياب التي تأمن البلى، وتقي الأجسام عادية الحر والبرد.

ومصدر الإعادة والإبداء في هذه الأحاديث التي لا تريد أن تنقضي ولا تعلم الناس جديدًا، هو التناقض بين ما تريد البيداجوجيا وما تريده الحياة المصرية، فالبيداجوجيا تريد أن تكون شئون التعليم مفصلة تفصيلًا دقيقًا على قد هذا النظام الذي وضعه هذا المربي أو ذاك، معتمدًا في وضعه على خياله الخصب، أو على تفكيره الصحيح، أو على تجربته الناقصة، أو على كل أولئك جميعًا، والحياة المصرية تريد أن يتعلم الشعب، وأن يتعلم الشعب كله، وأن يتعلم في أسرع وقت، وأن يخرج من الجهل مهما تكن الوسيلة التي تخرجه من هذا الجهل. فالفرق بيننا وبين وزير المعارف وأعوانه، هو أننا نستجيب للشعب، ونرضي حاجته إلى التعليم ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا، وأنهم يستجيبون للبيداجوجيا، ويرضون حاجتها إلى التأنق والتحذق ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.

ولست أدري ماذا يقول الجائعون من المصريين لو أصدرت إليهم الدولة أمرًا ألَّا يأكلوا حتى يقدَّم إليهم الطعام الملائم، وماذا يقول الظامئون من المصريين إن أصدرت إليهم الدولة أمرًا ألَّا يشربوا حتى يقدم إليهم الماء النقي! أيذعنون لهذا الأمر أم يجدونه شططًا وعبثًا ولغوًا من القول، بل أنا أعلم أن الدولة لن تتقدم إلى الجائعين والظامئين في شيءٍ من ذلك؛ لأن الدولة أعقل من أن تتقدم إليهم في أن يموتوا، ولكن أصحاب البيداجوجيا يخيلون إلى وزير المعارف أن الدولة تستطيع أن تتقدم إلى الناس في ألَّا يُعلِّموا أبناءهم حتى تُهيَّأ لهم المدارس والفصول والمقاعد والشوَك والسكاكين كما تريد البيداجوجيا أن تكون كل هذه الأشياء.

وتعليل ذلك يسير، فالجائعون والظامئون معرضون للموت إن طال عليهم الجوع والظمأ، ولذلك لا يستطيع أحدٌ أن يأمر الجائعين والظامئين بالانتظار، والجاهلون غير معرضين للموت إن طال عليهم الجهل، ولذلك يمكن أن يؤمروا بانتظار التعليم الذي يلائم تأنق البيداجوجيا وتحذقها، وفي هذا الانتظار مزية لا يستهان بها، فهو يؤجل انتشار التعليم، وانتشار التعليم خطرٌ كما تعلم؛ لأنه يعصم الشعب من الاستغلال والاستذلال. وإذا صبر الجائع على الجوع، وصبر الظامئ على الظمأ مات موتًا معنويًّا لا تراه البيداجوجيا ولا تنكره؛ لأن البيداجوجيا لا تُعنى بالإنسان إلَّا حين يذهب إلى المدرسة، وما دام الإنسان بعيدًا عن المدرسة، فالبيداجوجيا مستريحة مطمئنة تداعب الخيال، وتبني القصور في إسبانيا، وترسم المناهج والبرامج والخطط لتعليم ليس من الضروري أن يُنشر الآن، ولكن من الممكن أن يُنشر في يوم من الأيام.

وأغرب ما في هذا الأمر أن الذين يفرغون لهذه البيداجوجيا، ويريدون أن يضطروا الشعب إلى الجهل والغفلة حتى ترضى، ينسون أن أجيالًا كثيرة جدًّا من الناس لم تتعلم على أصول هذه البيداجوجيا؛ لأن هذه الأصول تتغير وتتجدد في كل جيل، ولو انتظر الناس أن تُهيأ لهم البيداجوجيا المغرورة تعليمًا صحيحًا لطال الانتظار، ولسيطر الجهل والغباء على العقول، ولكن الناس لم ينتظروا ولن ينتظروا، وإنما تعلموا وتركوا البيداجوجيا تقول ما تشاء، واستمعوا لها حينًا، وأعرضوا عنها في أكثر الأحيان.

فليصنع وزير المعارف كما صنع الناس، وليستمع للبيداجوجيا قليلًا، وليعرض عنها كثيرًا، فليس كل ما تقوله نافعًا ولا مفيدًا. وقد وعدنا وزير المعارف بأنه قد هيأ للتعليم كل شيء، وأنه واثقٌ بأن أمور التعليم ستجري على خير ما تحب البيداجوجيا منذ السنة المقبلة. ووزير المعارف متفائلٌ جدًّا، وما دام هذا التفاؤل يرضيه فلن نصده عنه. والشيء المحقق أن العام المقبل سيكون كالعام الماضي وكالأعوام الماضية، وسيزدحم التلاميذ على المدارس حتى تضيق، وعلى الفصول حتى تكتظ، وعلى الأساتذة حتى يكلوا. ولسنا نرى بذلك بأسًا، وإنما ننظر إليه كما ننظر إلى إقبال الجائعين على الطعام الذي لا يكفي، وكما ننظر إلى إقبال الظامئين على الماء الذي لم يَصْفُ، ولا نرى لهذه المشكلات كلها حلًّا إلَّا أن تأخذ الدولة أمرها بالحزم، فتفرض الضرائب التي تُمكِّن من محاربة الجهل والفقر والمرض حربًا مجدية.

وأظرف ما في حديث وزير المعارف آراؤه في أمور التعليم الآجلة التي يمكن أن تدرس في روية وأناة؛ فوزير المعارف متفائلٌ جدًّا، يريد أن يرسم للتعليم سياسة تسير عليها مصر ربع قرن، ولم لا تسير عليها نصف قرن، ولم لا تسير عليها قرنًا أو قرنين؟ كل شيءٍ ممكن، ومن الممكن أن يرسم للتعليم سياسة لا تسير عليها مصر يومًا واحدًا، فوزير المعارف قد نسي أن وزيرًا سبقه، فرسم للتعليم سياسةً لم يحدد لها زمنًا طويلًا أو قصيرًا، وعرض هذه السياسة على مجلس البرلمان فناقشها وأقرَّها، وكان المنتظر أن تُجرِّبها مصر ما دامت قد صدرت عن اتفاق الحكومة والبرلمان، ولكن وزير المعارف القائم لم يرضَ عن هذه السياسة، ولم يحفل بإقرار الحكومة والبرلمان لهذه السياسة، فعدل عنها دون أن يجربها، وأخذ يرسم سياسته الجديدة التي ستسير عليها مصر ربع قرن، فهل يأمن وزير المعارف أن يكون مصير سياسته الجديدة كمصير السياسة التي أقرها البرلمان، وأن تأتي حكومة بعد وقت يقصر أو يطول فتعدل عن هذه السياسة التي يرسمها كما عدل هو عن السياسة التي رسمها غيره، وما دامت قرارات البرلمان لا تلزم الحكومات، فالحكومات في حلٍّ من أن تصنع ما تشاء. والشيء الذي أؤكده لوزير المعارف هو أنه حين يرسم سياسته إنما يكتب على الريح، وينقش على الماء، وستغير الحكومة المقبلة كل ما صنع إلَّا أن يأخذ على الأيام عهدًا بأنه سيظل في الحكم ربع قرن.

وبعدُ، فإن السياسة التي يرسمها، والتي تحدث بجملتها إلى الأهرام لا ينبغي أن تعيش ربع قرن، ولا خمس سنين، ولا سنة واحدة، ولا ينبغي أن يبدأ فيها؛ فإصلاح التعليم الإلزامي شيءٌ قد اتفق الناس جميعًا عليه، فليس هو من السياسة الجديدة، ولكن وزير المعارف يريد أن يحوِّل هذا التعليم إلى تعليم ابتدائي، وأن يجعله شعبيًّا واحدًا للناس جميعًا. وما دامت وزارة الوفد قد قررت مجانية التعليم الابتدائي، فليس لذلك معنًى إلَّا أن التعليم الابتدائي قد أصبح تعليمًا شعبيًّا.

والذين أشاروا على وزير المعارف بهذا كله قد جاروا به عن القصد، وانحرفوا به عن سواء السبيل. ولست أدري أنصحوا له في ذلك أم لم ينصحوا، فوزارة الوفد حين قررت المجانية في التعليم الابتدائي إنما أرادت قبل كل شيء إلى تقرير المجانية في التعليم الثانوي، ثم في التعليم العالي؛ لأنها أرادت أن يكون التعليم كله شعبيًّا مهما تختلف فروعه ودرجاته، وأن يكون التحاق الناس بفروع التعليم ودرجاته حرًّا طلقًا لا تقيده إلَّا الكفاية، ولا يحده إلَّا الاستعداد.

فالذين خيلوا لوزير المعارف ما خيلوا إنما أرادوا أن يلغوا المجانية التي قررتها وزارة الوفد، فهم يدعون أنهم سيحوِّلون التعليم الإلزامي إلى تعليم ابتدائي، ومن حيث إن التعليم الإلزامي مجاني بحكم الدستور فما عملته وزارة الوفد لا حاجة إليه.

ولكن هذا التعليم الابتدائي لن يُلغى في حقيقة الأمر، فسينشأ مكانه التعليم المتوسط، وسيكون هذا التعليم بالمصروفات. وسنعود إذن إلى وجود تعليم لا هو بالإلزامي ولا هو بالثانوي، ولكنه شيءٌ بين ذلك. وليس هذا هو المهم، وإنما المهم أنه سيكون بالمصروفات، وستُمحى هذه الخطوة التي خطتها وزارة الوفد.

وأظرف من هذا أن الذين أشاروا على وزير المعارف كانوا يرون منذ زمن بعيد أن يُلغى تعليم اللغات الأجنبية في المدارس الابتدائية لأسباب تقتضيها البيداجوجيا، وكأنهم همُّوا بذلك فاعترضتهم بعض العقاب فوجدوا الحل، وأي شيءٍ أيسرُ من وجود الحلول؟ سيسمى التعليم الإلزامي تعليمًا ابتدائيًّا، وليس في التعليم الإلزامي لغة أجنبية، فليس في التعليم الابتدائي الجديد لغةٌ أجنبيةٌ. وكذلك ترضى البيداجوجيا بالألفاظ إن لم تستطع أن تظفر بالحقائق، وسينشأ التعليم المتوسط ليقوم مقام التعليم الابتدائي، وستدرس فيه اللغات الأجنبية كما تدرس الآن في التعليم الابتدائي، وسيرضى أنصار هذه اللغات الحقائق الواقعة وما يعنيهم أن تغير بالألفاظ والأسماء.

ليصدقني وزير المعارف أن أمور التعليم في مصر أيسرُ جدًّا مما تخيل إليه البيداجوجيا المعقدة! شعبٌ يشكو الجهل ويريد أن يخلص منه في ظل الديمقراطية الصحيحة، فهو محتاج إلى تعليم إلزامي صالح منوع كما رسمه نجيب الهلالي باشا، وهذا التعليم مجاني بحكم الدستور، ثم هو محتاج إلى تعليم عام صالح يجب أن يمكن منه، وألَّا يُرد عنه لأسباب تتصل بالثروة أو بالطبقة، فليكن مجانيًّا كما أراد الوفد أن يكون، وكما يريد الشعب أن يكون. وهو محتاج إلى تعليم عالٍ يكون له الصفوة التي تدبر أمره، وتنهض بمصالحه، فليكن له هذا التعليم، وليكن مجانيًّا أيضًا؛ لأن هذا هو الاتجاه الديمقراطي الذي تتجه إليه الدنيا كلها.

وهو محتاج إلى تعليم فني منوع كما رسمه نجيب الهلالي باشا، فلينشأ له هذا التعليم، وليكن مجانيًّا كما هو في أقطار الأرض كلها. وإذا لم يكن بدٌّ من أن تتعب وزارة المعارف، فلتتعب في رسم المناهج والبرامج الملائمة للحياة الجديدة، ولتأخذ الأمور من حيث تركها نجيب الهلالي باشا، فهي إن فعلت احترمت قرار البرلمان أولًا، وضمنت لسياسة التعليم الارتفاع عن الحزبية ثانيًا، وضمنت لها الاتصال ثالثًا، وعصمت مصر من ضياع الوقت والجهد، فأمور مصر صائرة دائمًا إلى الشعب، وكلمة الشعب آخر الأمر هي العليا.

فالخير أن نواجه الأمور في صراحة واستقامة وإخلاص، فلا بدَّ مما ليس منه بد، والشيء الذي ليس منه بدٌّ سواء أردنا أو لم نرد هو أن الشعب يريد أن يتعلم، وأن يتعلم في أسرع وقت ممكن، وألَّا يجد في سبيل هذا التعليم صعابًا ولا عقابًا، فإن وجدها سيقتحمها، وسيظهر عليها كما يظهر السيل آخر الأمر على ما يعترضه من الصخور.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.