حبا الله الإنسان — من دون الكائنات — باللغة. فالإنسان — وحده — قادر على مخاطبة الآخرين والتعبير عن رغباته وأفكاره عن طريق الكلمات والجمل. حقًّا، هناك العديد من الحيوانات والطيور التي تُصدِر أصواتًا مختلفة للتعبير عن بعض الاحتياجات البيولوجية، مثل الشعور بالجوع أو الشعور بالخوف أو الخطر أو الألم أو الدعوة إلى الجماع، ولكن هذه الأصوات وما قد يُصاحِبها من تعبيرات أخرى لا تمثِّل لغةً بالمعنى السليم، فهي تعبير حسي عن بعض الغرائز الكامنة، وهي ثابتة لا تتغير، فهي جزء من طبيعة الحيوان أو هي صفات غريزية؛ فليس هناك عصفور فصيح أو بقرة بليغة! الكل يُصدِر نفس الأصوات في نفس الظروف.

وليس الأمر كذلك مع البشر؛ فالإنسان لا يُولَد ومعه لغته، وإنما يُولَد مع «قابليةٍ» لتعلُّم اللغة. فالطبيعي أو الموروث هو «القابلية» لتعلُّم اللغة، أما اللغة نفسها فهي صناعة بشرية مجتمعية وحضارية. وبطبيعة الأحوال فإن توافر هذه «القابلية» لتعلُّم اللغات يستند إلى صفات طبيعية اختُصَّ بها البشر، سواء في القدرات الفيزيولوجية في السيطرة على مخارج الألفاظ وتنوعها، أو في القدرات المنطقية في المخ لتفسير المعاني والربط بينها وتخزين المعلومات واسترجاعها (الذاكرة). فاللغة ليست فقط ألفاظًا تقال، بل هي قواعد ومنطق لتركيب الجمل والمعاني وعلاقات منطقية فيما بينها. وقد هيَّأ الخالق هذه «القدرات» للإنسان، أما مضمون اللغة نفسها من ألفاظ وقواعد فهو عمل بشري؛ ولذلك فإننا نجد أن اللغات تختلف باختلاف الجماعات، وهي فضلًا عن ذلك تتطور خلال الزمن لترتقي من لغات بدائية إلى لغات متطورة، وهي في تطورها تساعد على تقدُّم الإنسان نفسه. فاللغة هي أهم اكتشاف بشري.

وإذا كانت اللغة صناعةً بشريةً بعد أن أَوْدَع الله في كل إنسان «القدرة» على تعلُّم اللغات، فمن الطبيعي أن يحتاج الإنسان إلى فترةٍ بعد ولادته حتى يتعلَّمَ اللغة، والتي سوف تساعده في حياته بعد ذلك؛ ولذلك فإن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يحتاج إلى فترة طويلة حتى يكتمل نموه الجسمي والعقلي. حقًّا تعرف جميعُ الحيوانات فترةَ حضانةٍ للصغير حتى يشتد عوده ويستقل عن والديه، ولكن هذه الفترة تستمر لمدة طويلة في حالة الإنسان بما لا مثيل له في مملكة الحيوانات؛ فالإنسان يحتاج إلى حوالَيْ السنة قبل أن يقف على رجليه، وسنوات أخرى حتى يسيطر على لغته ويخاطب الآخرين، وسنوات أكثر حتى تكتمل قدراته العقلية والعاطفية، فالإنسان يُولَد — في الطبيعة — ناقصًا وتستكمل صناعته في المجتمع. ومن هنا، فإن تأثير «البيئة» أو ما اصطُلِح على تسميته «بالمكتسَب» أظهر وضوحًا في الإنسان عنه في الكائنات الأخرى، وهذا المجال «المكتسب» يعطي الإنسان حريةً في الحركة من قيود الطبيعة أو «الموروث»، فالإنسان هو حصيلة كلٍّ من «الموروث» و«المكتسب» معًا. وبما أن اللغة هي أحد «المكتسبات» البشرية، فإنها تتضمن عنصرًا من «الحرية» و«الإرادة»، فليس هناك صيغة واحدة للتعبير عن الفرح أو الحزن. وهكذا فإن الفرد يسيطر على «لغته»، فهو يقول ما يحب أن يقوله في الوقت الذي يريد، فاللغة — عند الإنسان — ليست تعبيرًا غريزيًّا عن مشاعره، بل هي عمل إرادي. ومن هنا لم تقتصر اللغة على إعطاء الإنسان الفرصة للتعبير عن رغباته وأفكاره، بل أصبحت أيضًا وسيلة لإخفاء هذه الرغبات والأفكار، بل وإعلان عكسها. فمع اللغة جاء الكذب.

وبعد أن أتقن الإنسان مهارة الكذب من خلال اللغة، توسَّع فيها عن طريق تطوير مهارات تعبيرية مكملة، كأن يذرف دموع التماسيح في المواقف الحزينة، أو ينخرط في تصفيق حادٍّ في الاجتماعات السياسية، أو يندفع في الأخذ بالأحضان في المناسبات الاجتماعية، أو غير ذلك مما أبدعه الفكر البشري من أشكال التضليل. وتظل اللغة والكلمات هي أبلغ وأكفأ وسيلة للكذب؛ ولذلك، يرى الكثيرون أن «الكلمة» لم تُعْطَ للإنسان لكي يُظهِر آراءه وأفكاره ومشاعره، بل كثيرًا ما تكون الوسيلة لإخفائها والتحايل عليها. فمع اللغة لا يصبح الإنسان فقط حيوانًا ناطقًا، بل هو أيضًا حيوان كاذب، أو على الأصح قادر على الكذب. فالكذب صفة بشرية، فيصعب أن نجد في الحياة حصانًا أو كلبًا أو عصفورًا كذَّابًا أو مضلِّلًا.

وعلاقة اللغة بالكذب علاقة مركبة؛ فبدون اللغة يستحيل الكذب، أو على الأقل يصبح الأمر بالغ الصعوبة. فاللغة هي السبيل إلى الكذب وهي وسيلته الأساسية، ولكن الكذب من ناحية ثانية يفسد اللغة ويعطل دورها، فإذا غلب الكذب ضاعت المعاني، وفقدت الكلمات مغزاها، وانقطع التواصل بين الناس، ولم تَعُدْ اللغة أكثر من أنها مجرد أصوات جوفاء. فاللغة تقوم على ركيزتين أساسيتين، الأولى هي التوافق على معانٍ للألفاظ وقواعد للتخاطب، والثانية قَدْر من الثقة والاطمئنان في صحة ما يقوله المخاطب، أو على الأقل في سلامة نيته حول صحة هذا القول. ومن هنا نجد أن جميع الأديان — بلا استثناء — وقواعد الأخلاق تحرِّم الكذب، وأحيانًا تعاقب عليه. فالصدق — أو على الأقل قَدْر كبير من الصدق — أمر ضروري لدلالة اللغة، وبالتالي لاستمرار التواصل بين أفراد المجتمع.

وقد سبق أن ناقشْتُ — منذ سنوات — على صفحات هذه الجريدة موضوع الصدق أو «الثقة»، وأهميته للتقدم الاقتصادي، ولا أجد داعيًا لإعادة ترديد ما سبق أن ذكرته في هذا المجال، ولكني أكتفي بالقول بأن الصدق والأمانة ليست قِيَمًا أخلاقية فحسب، بل هي ضرورات اقتصادية لتحقيق التقدم. وقد أطلق عدد من الاقتصاديين على هذه القِيَم اصطلاح «رأس المال الاجتماعي»، فالمجتمع القائم على الصدق في المعاملات هو وحده القادر على التقدم والنمو بخطوات واسعة. ولكن مجال الاقتصاد ليس منفصلًا عن مجال السياسة، وتمثِّل المصداقية السياسية شرطًا ضروريًّا للاستقرار السياسي، فضلًا عن أن السياسة — السلطة — هي التي تفرض الإطار العام لقواعد السلوك الاجتماعي، وبالتالي ضرورة احترام الصدق. فإذا فُقِدت المصداقية في الحياة السياسية، فغالبًا ما تضيع معها الثقة والمصداقية في المجال الاقتصادي أيضًا.

ولذلك فإن استمرار المجتمعات ونجاحها رهن بغلبة الصدق، رغم إمكان وجود استثناءات هنا وهناك للكذب المحدود. الكذب موجود حقًّا في كل المجتمعات، ولكنه استثناء على الأصل العام، فلا وجود ولا بقاء للمجتمعات إذا عمَّ الكذب وساد.

ولكن إذا كان الصدق هامًّا ومفيدًا بهذا الشكل، فلماذا يلجأ الأفراد — أو بعضهم — إلى الكذب والتحايل على الحقيقة؟

الحقيقة أن «الصدق» قيمة كبرى ومنفعة بالغة للمجتمع، و«الكذب» هو على عكس ذلك تمامًا، ولكن هذه «القيمة» الكبيرة للصدق إنما هي أشبه بما يُعرَف في الاقتصاد «بالسلع العامة» Public Goods. فهذه سلع ضرورية ولازمة للمجتمع، ولكن من «مصلحة» كل فرد على حدة أن يتجاوز عنها، طالما أن الباقين ملتزمون بها، وهذا هو التناقض في السلع العامة بين نظرة «المجتمع» و«نظرة الفرد»، وهذه بعض الأمثلة:

انظر إلى وقوف تجمُّعٍ من البشر للحصول على خدمة، مثل الانتظار أمام محطة قطار أو أوتوبيس، أو أمام شباك تذاكر، أو لدى مصلحة من المصالح الحكومية، لاشك أن وجود طابور منظَّم يحترم أولوية الوصول فيه مصلحةٌ للجميع. فهنا نجد أن الانتظام في طابور هو «منفعة عامة»، ولكن إذا وقف الجميع في الطابور، وجئت أنت متأخرًا فإن «مصلحتك الخاصة» هي أن تتجاوز هذا الطابور وتتقدم الصفوف — عن طريق الواسطة — وذلك بشرط أن يحترم الآخرون الطابور. فهنا المصلحة الخاصة للفرد تتطلب الخروج على متطلبات «المنفعة العامة»، وبشرط أن يتمتع هو وحده بهذا الاستثناء، ولكن المشكلة هي أن كل فرد يفكِّر بنفس الطريقة ويعطي لنفسه حق الاستثناء، وبالتالي ينفض الطابور وتقع الفوضى، ولا يفيد أحد، ويكون الجميع من الخاسرين.

ومثال آخَر من حياتنا اليومية: كل فرد يحرص على نظافة شقته، ولكن نظافة المرافق العامة المشتركة من مدخل العمارة أو السلم العمومي أو حتى المصعد أمر مختلف، فهي تمثِّل «منفعة عامة» للسكان؛ ولذلك فإن أحدًا لا يتبرع بتحمُّل تكلفة هذه النظافة، لأنه ليس المستفيد الوحيد، وهو ينتظر أن يقوم بذلك غيره من السكان، ويستفيد هو كما لو كان «راكبًا مجانًا» Free Rider. والمشكلة أن الجميع يفكر بنفس المنطق. هناك منفعة عامة حقًّا، ولكن المصلحة الخاصة هي الخروج عن مقتضى ذلك بشرط ألا يفعل الآخرون ذلك، فهذا استثناء لي وحدي، وهو ما لا يحدث، مما يعني خسارة الجميع.

لذلك فإن منطق «السلع العامة» يتطلب أن يُفرَض احترام أدائها على الجميع من سلطةٍ عليا، وهذه السلطة العليا قد تكون سلطةً دينيةً أو وازعًا أخلاقيًّا، كما قد تكون سلطة سياسية (الدولة). وهذا في الواقع هو مبرر وجود الدولة، فالدولة قامت من أجل الدفاع عن المنفعة العامة في وجه المصالح الخاصة التي تسعى إلى التهرب من متطلبات هذه «المنفعة العامة».

ومن هذه الناحية فإن «الصدق» هو نوع من «السلع العامة» التي يجب على الدولة أن تعمل على توفيرها ومعاقبة الخروج عليها، وهذا هو دور الدولة، فهي مسئولة عن الالتزام باحترام الكلمة. فالله يَزَعُ بالسلطان ما لم يَزَعْه بالقرآن. أما إذا كانت الدولة نفسها تمارس الكذب أو التحايل أو التضليل، سواء في البيانات أو في تنفيذ الوعود، فإنها تكون قد تخلَّتْ عن وظيفتها الأساسية، وتركت المجال نهبًا للمصالح الخاصة التي تنتهي بالخسارة الشاملة للجميع.

ونظرًا لأن ملف الفساد قد فُتِح من أكثر من جانب، والفساد هو أسوأ أنواع الكذب، ليس فقط لأنه كذب بقصد سرقة أموال وثروات عموم الناس، بل لأن ذلك يتم بالاستعانة بقوة السلطة وهيلمان النفوذ. وقد شاهدت في إحدى المحطات الفضائية قيام أحد الكتَّاب المسئولين بما يشبه التبرير للفساد، بالقول بأن الفساد في مصر حالةٌ عامةٌ، حيث لا تقتصر على الحكومة وإنما هو موجود أيضًا في أحزاب المعارضة، بل هو منتشر كذلك في المجتمع المدني. ربما يكون هذا صحيحًا، ولكن هل هذا تبرير؟ أليس هناك فرق بين فساد الحاكم وفساد المحكومين، وهو الفرق بين الفساد الأصيل والفساد المشتق أو التابع. فعندما تفسد السلطة السياسية — وهي رأس المجتمع — فلا بد أن ينتشر الفساد على جميع المستويات؛ فانتشار الفساد في مجتمع ما هو ظاهرة سياسية أكثر منها ظاهرة مجتمعية.

فإذا كان ربُّ البيت بالدُّفِّ ضاربًا

فشِيمَة مَنْ في الدار كلِّهم الرقصُ

وإذا كان انتشار الفساد مصيبةً، فإن محاولة تبرير ذلك من جانب مثقَّفينا لهي مصيبة أعظم. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.