في سنة من السنين اشتد الضغط على وزارة المعارف من ناحية إنجليزية معروفة؛ لأن كلية الآداب في الجامعة كانت تدعو أساتذتها من فرنسا وبلجيكا، وكره الإنجليز هذا، وأرادوا أن يكون لهم نصيب ظاهر من التعليم في كلية الآداب، كما أن لهم نصيبًا ظاهرًا يمكن أن يكون استئثارًا بالتعليم في كليتي الطب والعلوم. وأحست الجامعة هذا الضغط، ولم تكُن تعمدت إبعاد الإنجليز عن كلية الآداب، ولكنها كانت قد دعتهم إليها، فلم يستجيبوا لها، فلجأت إلى بلاد القارة الأوروبية، فاستجابت لها هذه البلاد.

أحسَّت الجامعة إذن هذا الضغط، فأعادت دعوة الإنجليز إلى كلية الآداب، فلم يستجِب لها أحد من الأَكْفَاء. وإنما أقبل عليها جماعة من هؤلاء الغربان الذين ينقضُّون على المستعمرات الإنجليزية في الشرق، ليأخذوا منها ما يهيِّئه لهم الاستعمار، وكان للجامعة في ذلك الوقت شيءٌ من الاستقلال فردَّت هؤلاء الغربان ردًّا جميلًا. وأظنني لا أفشي سرًّا إن قلت إن وزيرًا من وزراء المعارف جَدَّ في هذه المسألة وأمر، فاتصلت وزارة المعارف بمكتب الجامعات الإمبراطورية في لندرة، وتم الاتفاق بينها وبين هذا المكتب على أن يرشح المكتب للجامعة من تحتاج إليهم من الأستاذة، بشرط أن تمنحهم الجامعة فوق مرتبهم العادي، وهو أقصى الدرجة الثانية القديمة (١١٤٠ جنيهًا) مبلغًا من المال يعادل ما يُخصم من هؤلاء الأساتذة في بلادهم لحساب المعاش. وجاء وكيل الوزارة إلى مجلس الجامعة، فأبلغه هذا الثعبان كما يقول الفرنسيون. ومن ذلك اليوم أخذت الجامعة تدعو إلى كلية الآداب أساتذة من إنجلترا، فيُرشِّح لها مكتب الجامعات الإمبراطورية من يرى ترشيحهم، ولم تكُن التجربة حسنة، فقد رُشِّح لها أول الأمر ثلاثة منهم، اثنان لم يشتغلا بالتعليم في الجامعات وثالث كان أستاذًا مساعدًا في جامعة من الجامعات الإنجليزية. فلما جاء هؤلاء الثلاثة لم يستقِم الأمر لاثنين منهم، فاستقال أحدهما من تلقاء نفسه، وأُلقيَ في روع الأخر أن يستقيل. ثم احتاجت الكلية إلى أستاذ لتاريخ القرون الوسطى، فطلبناه إلى إنجلترا، فلم ترشح لنا إلَّا جماعة من الشبَّان العاديين، فوسَّطنا وزيرنا المفوض فلم يوفق إلى غير هؤلاء الشبَّان. هنالك بحثنا عن أستاذ في النمسا وألمانيا. فوُفِّقْنَا إلى أستاذ جليل من أساتذة الجامعات الألمانية، وأستطيع أن أقول الآن إننا وُفقنا إلى تعيينه توفيقًا غريبًا؛ لأن كل شيء كان يحُول دون هذا التعيين، ولكنه عُيِّن. وأشهد أن الحكومة ووزير المعارف لَقِيَا شيئًا غير قليل من العَنَت والمرارة بعد هذا التعيين.

وفي كلية الآداب الآن كرسي استقال عنه صاحبه الإنجليزي، واجتهدنا في أن نَجِدَ له إنجليزيًّا فلم نُوفَّق، وكنت أريد أن أسلك في أمره السبيل التي سلكتها في أمر تاريخ القرون الوسطى، ولكن حدثت شؤون، ومن المحقَّق أن هذا الكرسي سيظل خاليًا حتى تستريح الحكومة القائمة من أثقال الحكم.

خطر لي هذا كله حين قرأت ما نشرته جريدة التيمس من أمر المعلمين الإنجليز الذين يشكُون قلة مرتباتهم، وحين قرأت هذا الاقتراح الذي تقترحه التيمس والذي يشبه من كل وجه ما تم الاتفاق عليه مع الجامعة.

ولست أشك في أن السياسة التي دفعت وزارة المعارف أو وكيلها — إن شئت الدقة في التعبير — إلى عقد هذا الاتفاق بين الجامعة ومكتب الجامعات الإمبراطورية، هي بعينِها التي ألهمت مُكاتب التيمس رسالته التي نشرت منذ يومين. هي إذن سياسة قيدت الجامعة، ويُراد أن تقيد وزارة المعارف، وفي نظم الجامعة ما يسمح لها بشيءٍ من الاحتياط والمقاومة إن أرادت أن تقاوم وتحتاط. ولكن وزارة المعارف كما هي الآن لا تستطيع أو قُل لا تريد أن تقاوم ولا أن تحتاط.

وأخرى لا بدَّ من الوقوف عندها، وهي أني دعوت منذ أعوام في بيئات وزارة المعارف إلى أن يكون المعلِّمون للغات الأجنبية في المدارس المصرية من المصريين. وكانت حجتي أن بلاد الله كلها تكِل إلى أبنائها تعليم اللغات الأجنبية فيها، وأن أصول التربية نفسها تقتضي أن تكون الصلة بين المعلم والتلميذ صلة قوامها الحب من ناحية، والفهم من ناحية أخرى. وتلاميذنا لا يستطيعون أن يحبوا معلميهم من الأجانب حقًّا؛ لأنهم لا يستطيعون أن يفهموهم. وكيف تريد الصبي المصري على أن يفهم معلمه الفرنسي أو الإنجليزي ويحبه، وليس بينه وبين معلمه هذا صلة الجنس ولا صلة اللغة؟ وكانت خطتي للوصول إلى هذه الغاية أن تُعنَى الجامعة باللغات الأجنبية عناية خاصة، ثم ترسل المتفوقين في هذه اللغات إلى أوروبا بعد أن يُتِمُّوا دراستهم هنا ليقيموا فيها حينًا يتزيَّدون فيه من الدرس والمران والتحصيل. ولكن هذا الكلام كله كان يَلقى في وزارة المعارف مقاومة عنيفة جدًّا، لا لأنه غير مفهوم — فهو فيما يظهر واضحٌ جليٌّ — ولكن لأن قبوله يغضب بعض النواحي التي لا ينبغي أن تغضب حين تنهض بعض الحكومات بالأمر في هذا البلد المستقل.

وقد قام الدليل على هذا في السنة الماضية، فقد استطعت إقناع وزير المعارف السابق بتقوية قسم اللغات الأجنبية في الجامعة، واتخذنا لهذه التقوية كل عدة، وقبل رئيس الوزراء غايتنا ووسائلنا، وأذن بأن يرصد في الميزانية ما تحتاج إليه هذه الخطة الجديدة، وسجل بخطه شكره لوزير المعارف على هذا النحو من التفكير والتدبير. وأقر مجلس الجامعة خطتنا، وأيَّدها أحمد عبد الوهاب باشا كل التأييد، وسافرت إلى أوروبا مطمئنًّا، ولكني عدت فإذا كل شيء قد تغيَّر؛ لأن وزير المعارف السابق نُقِل إلى بروكسل، ولأن وكيل المعارف أقنع رئيس الوزراء بأن هذا التدبير شرٌّ لا خيرَ فيه فاقتنع. وقد بذل عبد الوهاب باشا جهدًا عنيفًا ليغيِّر رأي رئيس الوزراء فلم يُفلح. وقيل لي بعد هذا إن بعض النواحي سخطت على هذا التدبير لأمرين؛ أحدهما: أنه يضع المصريين موضع الإنجليز في المدارس المصرية. والثاني: أنه يقوي دراسة اللغة الفرنسية في الجامعة، وتقوية اللغة الفرنسية في الجامعة أمرٌ غير مرغوب فيه.

هي إذن سياسة معينة تريد أن تقصر تعليم الإنجليزية على الإنجليز، وأن ترفع مرتبات هؤلاء الإنجليز، وتضمن لهم معاشاتهم في مصر أو في إنجلترا.

ولست أرتاب في أن هذه السياسة ستنتهي إلى غايتها إن مدَّ الله للحكومة القائمة أسباب الحياة؛ فإن مما يدعو إلى الريب الشديد أن تلاحظ وزارة المعارف الآن — والآن فحسب — رداءة تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس المصرية. وهذه الرداءة معروفة منذ زمن طويل، ندَّدَت بها الجامعة في تقارير خاصة سرية وأخرى عامة علنية. فما تنبه الوزارة الآن ووكيلها بنوع خاص لهذا الموضوع؟ وما هذه المذكرة التي يكتبها وكيل الوزارة، ثم يذيعها في الصحف، ثم يلقى رئيس الوزراء ويتحدث إليه في رداءة تعليم اللغة الإنجليزية. ثم يسافر إلى لندرة ثم تنشر التيمس ما نَشَرت منذ يومين؟ أهي وسيلة جديدة لطرق باب المفاوضات؟ أهي لون جديد من ألوان التقرُّب إلى الإنجليز في هذه الأيام التي تصد فيها لندرة بخد وتجلو عند خد كما يقول بشار؟ وهل تستطيع هذه السياسة أن تحمل لندرة على أن تنثني كالنَّفَس المرتد كما يقول بشار أيضًا؟ كل شيء ممكن. ولكني أعتقد أن هذه السياسة التي كانت تسلكها وزارة المعارف على استحياء، ثم أخذت تجاهر بها في هذه الأيام أضعف جدًّا من أن تفتح باب المفاوضات؛ لأنه فيما يظهر محكم الإغلاق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.