كانت العزلة السياسية في العالم ممكنة قبل ثلاثين أو أربعين سنة، فأصبحت اليوم مستحيلة أو تكاد أن تستحيل.

كان من الممكن قبل ثلاثين أو أربعين سنة أن تسمع في الجزر البريطانية دعوة إلى العزلة عن القارة الأوروبية وخصوماتها ومحالفاتها، أو تسمع في أمريكا دعوةً إلى العزلة عن العالم القديم بأسره، ولكن هذه الدعوة لا تسمع اليوم ولا يحسب الداعي إليها جادًّا فيما يقول.

لماذا؟ هل ضاق العالم بعد اتساع؟

كلا، بل تجمَّع وتقارب بعد تفرق وابتعاد، فاشتبكت علاقاته اشتباكًا لا يسمح لأحد بالخلاص منها، وإن طلب الخلاص جهد ما يستطيع.

وسواء بقيت هيئة الأمم المتحدة أو انحلَّت وتناثرت، فهذه الحقيقة باقية لا تتغير؛ لأن اشتباك العلاقات العالمية اليوم ضرورة لم توجدها مشيئة الدول ولا برامج الوزارات، وليس في وسع الدول والوزارات أن تلغيها بعد تطورها في التاريخ هذا التطور البعيد.

إلا أننا نرى — مع هذا — أن سياسة الوحدة العالمية لا تزال محتاجة إلى انتظار، ونخشى أن نقول إنه انتظار طويل.

فمن سياسة التوازن الدولي إلى سياسة الوحدة العالمية، طفرة واسعة، وليست الطفرة الواسعة بالشيء المعهود أو بالشيء الذي يدخل في الحساب.

اتحاد على التنازع!

وقد كان التوازن الدولي في ظاهره ضربًا من الاتحاد بين جماعات الدول، ولكنه في حقيقته اتحاد على التنازع وتقسيم أشلاء العالم بين الأقوياء الطامعين في أممه الضعاف.

وكان التوازن الدولي عصابات ينازع بعضها بعضًا على فريسة واحدة؛ فهو اتحاد على التفريق والتمزيق، ولم يكن دائمًا مع هذا على وتيرة واحدة؛ فقد كانت اليابان مثلًا تحارب الألمان في صف الإنجليز والأمريكيين، فأصبحت في الحرب التالية تحارب الإنجليز والأمريكيين في صف الألمان، وهكذا كانت إيطاليا وغيرها بين الحربين العالميتين.

لقد كان التوازن الدولي اتفاقًا على الشقاق كما قال جمال الدين الأفغاني — رحمه الله — عن قوم من أبناء عصره: «إنهم اتفقوا على ألا يتفقوا!»

ثم حاولت الدول أن تتقدم من التوازن بينها خطوة إلى الأمام، فتقدمت إلى سياسة الباب المفتوح، وكانت أول تجربة لسياسة الباب المفتوح في القارة الآسيوية، أو في الصين.

وما سياسة الباب المفتوح على حقيقتها؟

إذا نظرنا إلى بواطن الأمور؛ فهي أولى بأن تُسَمَّى سياسة الاستعمار المشترك، أو الاتفاق بين المستعمرين على الفريسة!

فبعد أن خرجت كل دولة مستعمرة بنصيب من الأقاليم الغنية أو من الامتيازات الاقتصادية في تلك الأقاليم، خافت كل منها أن تزيد الأخرى نصيبًا فوق نصيبها؛ فاتفقت على أن تعمل جميعًا متحدات متشاورات ولا تستأثر واحدة منها بغنيمة على انفراد.

وانفتح الباب حقًّا، ولكنه انفتح على طريق الحرب العالمية الأولى فالحرب العالمية الثانية، وظهر بعد ذلك طرف في الخصومة لم يكن محسوبًا له حساب.

هذا الطرف في الخصومة هو الفريسة نفسها، أو هو الأمم الضعاف التي كانت مَطمَعًا للأقوياء.

وأصبحت لهذا الطرف إرادته التي لا يسهل تجاهلها.

إن الفريسة لا تريد أن تؤكل! وهذه مشكلة جديدة لم تكن في الحسبان، يوم أن كانت المشكلة كلها أن يتفق الآكلون أو يختلفوا على أشلاء الذبيحة فوق مائدة الطعام.

من سياسة التوازن الدولي إلى سياسة الباب المفتوح خطوة، ولكنها كما تقدم خطوة في طريق الحرب، أو خطوة في غير الاتجاه الصحيح.

فلما دخلت الأمم الضعاف في الميدان، وأصبحت لها إرادتها التي لا يتجاهلها الأقوياء، خطا العالم خطوة مستقيمة إلى الوحدة العالمية …

ولكنها لم تزل خطوة في أول الطريق.

فلم تكد دعوة الأمم إلى الوحدة العالمية أن تعلن حتى انقسمت هذه «الوحدة» إلى شطرين.

ولا تزال على هذا الانقسام.

كتلتان … أم كتل؟

ولا رجاء في السلام ما دام العالم كتلة أمام كتلة، وما دامت كل كتلة منهما تتربَّص بالأخرى فرصةَ الهزيمة أو الانحلال.

إنما الرجاء كله في اجتناب الصدام بين الكتلتين.

والمزيد من «الكتل» الأممية في هذه الأحوال هو خير وسيلة لاجتناب ذلك الصدام.

كتلتان هما صفان في حومة حرب قائمة أو على أُهْبَة القيام.

أما كتلة هنا وكتلة هناك وكتلة بينهما وكتلة حولهما أو على مقربة منهما، فهذا هو التوازن الجديد الذي يُرجَى من ورائه كفُّ الصدام بين الكتلتين الكبيرتين.

هل هي عودة إلى التوازن القديم؟

كلا. فالفرق بعيد جدًّا بين توازن الأمس المكروه وتوازن الغد المنتَظَر والمطلوب.

الفرق بعيد جدًّا بين اتحاد الدول واتحاد الشعوب، والفرق بعيد بين عصابات تتحفَّز للسطو وجماعات تفتح عينيها لمن يسطو عليها، والفرق بعيد بين حروب الأمس التي كانت غنيمة للمنتصر وحروب الغد التي تحيق فيها الخسارة بالمنتصر والمنهزم، ويخافها الأقوياء كما يخافها الضعفاء.

هذا توازن وذلك توازن.

ولكنهما في اللفظ شيء واحد وفي الحقيقة نقيضان.

وهنا أيضًا باب مفتوح غير ذلك الباب المفتوح على طريق الخراب والعداء.

هنا باب مفتوح لكل طائفة من الأمم تجمعها رابطة مشتركة، سواء منها ما كان من قبيل الروابط المادية والأدبية أو ما كان من قبيل الاجتماع في الموقع الواحد والتعرض للخطر الواحد.

ففي الشرق الأقصى كتلة، وفي الشرق الأوسط كتلة، وفي أمريكا الجنوبية كتلة، وفي بلاد الشمال من القارة الأوروبية كتلة، وحول البحر الأبيض المتوسط «بحيث كتلة» إذا صح هذا التعبير.

الأمم العربية الآسيوية

وفي مقدمة هذه الكتل جميعًا كتلة الأمم العربية الآسيوية.

ولا نقول إنها في مقدمة الكتل تعصبًا منا للأمم التي نحن منها، ولكننا نقول ذلك لأنها مجموعة الأمم التي تشترك في أكثر من جامعة واحدة، وتستطيع من ثمَّ أن تؤلف بين جامعات شتى على مختلف العلاقات.

فهي باللغة والثقافة داخلة في جامعة العروبة التي ينتمي إليها آسيويون وأفريقيون.

وهي بالموقع الجغرافي زميلة الأمم الآسيوية على اختلاف اللغات والعقائد.

وهي بالعقيدة الدينية زميلة الأمم التي تتكلم العربية وغير العربية، ولها شأنها في توازن المذاهب والدعوات الاجتماعية.

وهي من الوجهة التي يسمونها «بالاستراتيجية» تحتل الأماكن التي تلتقي عندها جميع الأطراف.

فإذا ملكت إرادتها في سياسة بلادها، فهذه وحدها قوة كافية لا يتأتَّى أن يتم شيء في العالم بغير مشورتها.

ولكنها تملك أكثر من إرادتها في سياسة بلادها، إذا هي عرفت قدر نفسها: تملك الوساطة عند الأمم التي تشاركها في روابط الموقع أو روابط الثقافة أو روابط العقيدة، وتملك أن تقرب بين الأطراف التي لا قرابة بينها إلا هدف «الكتلة» التي تلتقي بكل منها على صلة.

وليس ذلك في أزمات السياسة بالشيء اليسير.

النفوذ الدولي في البلاد العربية

ولا يجوز في هذا المقام أن ننسى خطر النفوذ الدولي في البلاد العربية ومثيلاتها من أمم العالم القديم أو العالم الحديث.

فمن الغفلة أن ننسى أن الأقوياء يملكون من أدوات النفوذ الظاهر والخفي ما يزعج ويقلق ولا يترك للأمم الضعيفة حريتَها كاملة وافية.

ولكننا إذا ذكرنا هذا وجب أن نذكر معه أن الأقوياء لا يتفقون، وأن حاجتهم إلى الضعفاء في الأزمات لا تقلُّ عن حاجة الضعفاء إليهم، وأن الخطر على هذه الأمم من التفريط في مصالحها يربى على كل خطر يصيبها من جراء غضب الأقوياء.

وبعد …

وبعد فماذا تريد هذه الكتل المتفرقة؟

إنها لا تريد عدوانًا على أحد، ولا تريد تفريقًا للكلمة المجتمعة بين الأمم، ولا تريد أن تضطر أحدًا إلى اتِّباع خطة جائرة تمليها عليه، وكل ما تريده أن تنبِّه الدول القوية إلى الأناة في خصوماتها والتردد الطويل قبل الهجوم على خطط العنف والعناد، وأن تلقي في روعها أنها لا تُساق إلى العنف والعناد بمشورة غير مشورتها أو لمصلحة غير مصلحتها، وأنها تخذل البغي حيث كان وتنصر الحقَّ كما تراه في كل ميدان.

إنها لا تريد أن يأخذ الأقوياء يدها ليضربوا بها من لا يضربها؛ فإن عجزت عن هذا القدر المتواضع من الحرية فالذنب ذنبها ولا ذنب على الأقوياء فيما تجنيه على نفسها.

والواقع في الحاضر أصدق مقياس للواقع في المستقبل، فهل يسع المنصف أن يزعم أن الأقوياء بلغوا كل ما أرادوه من الأمم الضعيفة في السنوات الأخيرة؟

إن أشد الناس تهويلًا بقوة الأقوياء ومغالاة سلطان أموالهم وأسلحتهم لا يبالغ هذه المبالغة، وليس لنا أن نكلِّف الأيام ضدَّ طباعها على حد قول أبي الطيب، ومن تكليف الأيام ضد طباعها أن تلغي وجود الأقوياء، فإذا كنا نحن نبلغ بعض ما نريد فحسبنا من العزاء أن الأقوياء كذلك يتركون على الرغم منهم بعض ما يريدون.

وعلى هذا الاعتبار يحق للكتلة العربية أن تؤمن بأنها قوة تتجه بسياسة بلادها إلى حيث تختار، ويُستمع إلى رأيها في السياسة العالمية حين تشاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.