يُقال إنَّ السَّاكِتَ عن الحقِّ شيطان أخرس، وفي الأرضِ شياطين كثيرة، منها الناطق ومنها الصامت.

وأنا أعوذ بالله من أولئك وهؤلاء، وأبرأ إلى المصريين من أولئك وهؤلاء. ومن أجل ذلك أريد أن أقول كلمة الحق؛ لأنها يجب أن تُقال مهما تكن نابية قاسية. وقد عودت المواطنين الأعزاء ألَّا أصانعهم ولا أداريهم، وأن أذيقهم الحق مهما يكن حظه من المرارة. وقد عودني المواطنون الأعزَّاء أن يسمعوا لي دائمًا، يستجيب لي أكثرهم، ويزورُّ عني أقلهم، ولكنهم يلقون سمعهم إليَّ على كل حال. فليسمعوا إذن راشدين مشكورين موفقين.

إذا وقع الظلم على رجل واحد من الناس كان رفعه واجبًا، وإذا وقع الظلم على جماعة كثيرة من الناس كان رفعه أوجب وجوبًا وألزم لزومًا، وإذا وقع الظلم على الشعب كله كان رفعه أوجب الواجبات، وكان التقصير في رفعه إثمًا كبيرًا لا ينساه الشعب ولا يهمله التاريخ.

والظلم الذي أريد أن أتحدث عنه وأدعو مُلِحًّا إلى رفعه، واقع على الشعب كله لا يُستثنى منه قويٌّ ولا ضعيفٌ، ولا غنيٌّ ولا فقير. وهذا الظلم متصل بالتعليم ونشره، وإنصاف الناهضين به ليتمكنوا من إذاعته على أحسن الوجوه وأكملها.

وقد أُتيح لنا وقت قصير جدًّا فَهِمْنا فيه حقَّ الشعب في أن يتعلم كأحسن ما كان يمكن أن نفهمه، وذلك حين وضعنا الدستور وقررنا فيه حق الشعب في أن يأخذ أبناؤه قسطًا من التعليم، لا يكون الإنسان الحديث إنسانًا إلَّا به. وقد فرضنا هذا المقدار اليسير من التعليم على الدولة والشعب جميعًا، فعلى الدولة أن تنشره وتذيعه، وعلى الشعب أن يرسل أبناءه إليه ليأخذوا بحظِّهم منه. فإذا قصرت الحكومة في نشره سُئِلَتْ عن ذلك أمام البرلمان، وإذا قصر أبناء الشعب في تلقيه سُئِلَ المقصرون منهم أمام القضاء.

كذلك قررنا حين وضعنا الدستور، وكنَّا نؤمن بأن نشر التعليم الإلزامي على هذا النحو خطوة أولى لا يمكن الاكتفاء بها، وإنما ينبغي أن تتبعها خطوات إلى نشر التعليم العام والتعليم الفني والعليم العالي، يأخذ الشعب من هذا كله ما يريد وما يطيق.

وقد مضى ربع قرن منذ أُذِيعَ الدستور، ولم يكد الشعب يتقدَّم في أي نوع من أنواع هذا التعليم إلَّا تقدُّمًا يسيرًا ضئيلًا. والتبعة في هذا لا تقع على الشعب، الشعب يلح ويلح ويرفع صوته في كل عام — بل في كل يوم — مطالبًا بنشر التعليم، والحكومات تسمع أحيانًا ولا تصنع شيئًا، أو لا تكاد تصنع شيئًا، تضع أصابعها في آذانها أحيانًا أخرى مخافةَ أن تسمع؛ لأنها مشغولة عن التعليم بما هو أهون شأنًا وأقل خطرًا من التعليم.

ولست أنكر أن مصر قد أنشأت في هذه الفترة جامعتين وطائفة من المدارس الثانوية والابتدائية والفنية والإلزامية. ولكن الشيء المحقق هو أنها أنشأت من هذا كله أقل جدًّا مما كان ينبغي أن تُنشئ. وآية ذلك أن الجامعتين تضيقان بالطلاب على نحو مُروِّع مخيف، وأن الحكومة تريد أن تنشئ جامعة ثالثة فتعترف بعجزها عن ذلك وتتيح لنفسها من الوقت ما يمكنها من التهيؤ وإرسال البعوث. وآية ذلك أيضًا أن الحكومة تواجه في كلِّ عامٍ دراسيٍّ أزمةً عنيفةً سخيفةً؛ لأن المدارس التي أُنشئت إلى الآن أضيق مِنْ أَنْ تَسَع مَنْ يتقدَّم إليها من الطلاب والتلاميذ. وآية ذلك أن مدير جامعة فؤاد الأول أعلن بمحضر من وزير المعارف منذ شهرين أن المدارس الثانوية ستخرج في هذا العام ستة عشر ألفًا من الطلَّاب، وأن الجامعتين لن تستطيعا قبول هذا العدد الضخم.

وآية ذلك أن الفنيين في وزارة المعارف يقدِّرون أن المدارس الابتدائية ستخرِّج في هذا العام نيفًا وأربعين ألفًا من التلاميذ، وأن المدارس الثانوية الحكومية لا تستطيع أن تقبل إلَّا أقلهم. وآية ذلك بعد هذا كله، أن المدارس الحرة تقبل وتعلِّم أكثر مما تقبل مدارس الحكومة وتعلِّم من التلاميذ. وآية ذلك آخر الأمر أن أربعة أخماس الشعب المصري لا يزالون جاهلين لا يقرءون ولا يكتبون، وأن الخمس الذي برئ من الأمية لا يزال أكثره مرتكسًا في جهل لعله أن يكون أشد خطرًا من الأمية؛ لأنه يشيع في نفوس الناس شيئًا من الغرور ويفسد تصورهم للأشياء وحكمهم عليها.

فهناك إذن ظلم عام واقع على الشعب كله، والدولة هي المسئولة عنه وهي المقصرة في رفعه، ولكن هذا التقصير الخطير لا يمكن أن يتصل ولا يمكن أن يدوم إلَّا إذا اتخذنا حياتنا العامة ومستقبلنا هزوًا ولعبًا، وإلَّا إذا ضحكنا على أنفسنا وخيَّلنا إليها أننا ناهضون، وإن لم نكن من النهضة الصحيحة في شيء. وما ينبغي أن نغر أنفسنا ولا أن نكذب عليها، ولا أن نقول لها غير الحق، فنحن لا نخدع أحدًا من الأجانب عن قصورنا وتقصيرنا؛ لأنهم يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم بل أكثر مما نعلم، ولا ينبغي أن تخدعنا الكلمات الحلوة نسمعها منهم هنا أو هناك، فإنها كلمات مصدرها المجاملة والمصانعة والحرص على قضاء المآرب وإرضاء الحاجات.

والعذر الخطير الذي تعتذر به الحكومات إذا سُئلت عن تقصيرها في نشر التعليم، هو أن الميزانية أضيق من أن تتسع للتعليم كما ينبغي، وأضعف من أن تنهض بأعباء التعليم كما ينبغي.

وهنا تأتي كلمة حق ثانية يجب أن تُقال، وهي أن حكوماتنا لم تفهم قط كلمة الميزانية على وجهها، فالميزانية عند الحكومات المصرية هي تعادل الدخل والخرج ليس غير، وهذا هو المعنى الدقيق لهذه الكلمة عند أصحاب المال. ولكن الميزانية قد تدل على معنى آخر عند الذين يفهمون سياسة الشعوب على وجهها، وهو التعادل بين ما تنفقه الدولة من المال وما يحتاج الشعب إليه من المرافق؛ فليس يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن ترضى وزارة المالية عن نفسها لأنها وازنت بين الدخل والخرج، وأن ترضى الحكومة والبرلمان عنها لأنها حققت هذا التوازن، وإنما الذي يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن تجد الحكومة من المال ما يمكِّنها من إنشاء المرافق التي ترُدُّ عنهم الجوع والعري والجهل والمرض، وأن تنفق هذا المال في وجوهه إنفاقًا دقيقًا سواء عدلًا لا عوج فيه ولا التواء.

فالميزانية سياسة للشعب ورعاية لحقوقه وعناية بمرافقه، لا حساب يتعادل فيه الدخل والخرج ليس غير. وهذا ينتهي بنا إلى المشكلة الخطيرة التي تورطنا فيها أو التي اشتد تورطنا فيها أثناء هذا العام؛ فقد أشعرتنا الضرورات الخارجية المُلِحَّة بحاجتنا إلى تقوية الدفاع عن الوطن وإنشاء الجيش الذي يستطيع أن يكفل هذا الدفاع.

ولو أننا فهمنا الميزانية على أنها سياسة لا حساب؛ لعرفنا حق الدفاع علينا منذ وقت طويل، ولَمَا فوجئنا في هذا العام بهذه الميزانية التي تنفق الملايين المملينة — إن صح هذا التعبير — على حاجات جيش، وتظلم طائفة أخرى خطيرة من مرافق الشعب ومنها التعليم.

ولست أذهب مذاهب صاحب الدولة صدقي باشا في وجوب الاقتصاد في أمور الدفاع والاعتماد على المحالفات الخارجية؛ فإن الشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه طعمة مباحة للشعوب الجائعة، وما أكثر الشعوب الجائعة في هذه الأيام! والشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه لن يجد حليفًا يحترم حقه واستقلاله، وإنما يجد طامعًا فيه مستذلًّا له يتربص به الدوائر ليسومه الضيم ويسخره لما يشاء.

لا أنكر إذن حاجتنا إلى الجيش القوي، وحق هذا الجيش علينا مهما يكن ثقيلًا مبهظًا، وإن كنت أرجو أن يكون في وزارة الدفاع من الخبراء الأكفاء من يكلفون إنفاق هذه الملايين الكثيرة كما ينبغي أن تُنفَق. ولكن هذه قصة أخرى، إنما الذي يعنيني هو ألَّا يطغى الدفاع على غيره من مرافق الشعب، فليست حاجة مصر إلى دفع العدو المغير من الناس بأقل من حاجتها من دفع العدو المقيم من الفقر، والجهل، والمرض. والشعب الفقير الجاهل المريض لا يمكن أن ينشئ جيشًا قويًّا كريمًا يقدِّر الوطن حق قدره، ويدافع عنه كما ينبغي أن يكون الدفاع. وقد تورطت حكومتنا هذا العام في التحامل على المرافق العامة الداخلية لتؤدي إلى الجيش حقه، وهذا هو الخطأ الذي لا ينبغي أن نتورط فيه. ولست أدري ماذا أصاب المرافق العامة من هذا التحامل، ولكني أعلم أن التعليم قد أصابه من هذا التحامل شرٌّ كثيرٌ، شرٌّ يثير الحزن ويثير الضحك معًا، وشر المصائب ما يضحك كما يُقال.

فوزارة المعارف تريد أن تحسِّن حال المعلمين، وهذا التحسين يحتاج إلى نصف مليون من الجنيهات فيما تقول «الأهرام»، ولكن هذا المقدار الضئيل ليس ميسورًا لوزارة المعارف. فينبغي أن تقسمه على خمسة أعوام، ومعنى ذلك أن المعلمين سيحتملون الضر في أنفسهم وأهلهم وأبنائهم وتعليمهم، وسيحملون هذا الضر لتلاميذهم؛ لأن الميزانية لا تجد نصف مليون من الجنيهات تكشف به عنهم وعن أُسَرهم وتلاميذهم هذه الغمة.

ووزارة المعارف تعترف بعجز مدارسها عن استيعاب التلاميذ المتقدمين إليها، وتنصح الأسر بتوجيه أبنائها إلى المدارس الحرة، وتعلم أن المدارس الحرة تعلِّم من التلاميذ أكثر جدًّا ممن تعلِّمهم مدارس الحكومة، وهي تريد أن تسوِّي بين التلاميذ في المدارس الحرة والحكومية وبين المعلمين في هذه المدارس وتلك؛ لأن هذه المساواة حق للمصريين جميعًا، ولأنها تحقق مصلحة الشعب ما في ذلك شك، وسبيل هذه التسوية أن تلحق المدارس الحرة بالوزارة، وأن يؤمم التعليم. ولكن هذا يحتاج إلى شيءٍ من المال لن يزيد على نصف مليون من الجنيهات، ووزارة المعارف لا تجد هذا المقدار من المال؛ لأن حاجة الدفاع تحول بينها وبين الحصول عليه.

مليون واحد من الجنيهات يحسِّن حال المعلمين، ويؤمم التعليم، ويحقق المساواة بين أبناء الشعب، ويكفل المصلحة الثقافية للأمة المصرية، ويفتح لها أبوابًا من الأمل المشرق، ولكن وزارة المعارف لا تجد هذا المليون. أجدٌّ هذا أم مزاح؟! وأي خطر لهذا المليون في ميزانيتنا الضخمة، وفي هذه العشرات من الملايين التي وجدناها فجأة للدفاع؟! يجب أن نقول الحق وإن كان مرًّا، وهو أن الذين يشرفون على الأمر فينا محتاجون إلى أن يؤمنوا بالتعليم كما ينبغي أن يكون الإيمان به، وإلى أن يرعوا حق رجال التعليم كما ينبغي أن تكون الرعاية له.

ليصدقني رئيس الوزراء، وليصدقني وزير المعارف ووزير المالية، إن اجتماعًا قصيرًا يعقده ثلاثتهم كفيل باستكشاف هذا المليون في زاوية من زوايا الخزانة، أو في عطف من أعطاف الاحتياطي، أو في ضريبة تُفرَض لأداء حق التعليم الذي ليس هو أقل خطرًا من حق الدفاع. فليتوكل هؤلاء الوزراء الثلاثة على الله، وليبحثوا في الخزانة ولو بمصباح؛ لعلهم أن يجدوا هذا المليون الذي سيكشف الضر عن ألوف مؤلفة من المعلمين والمتعلمين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.