مضى اليوم كما تمضي أيام الجُمَع كلها منذ ثلاثين سنة، راحة تامة أو شعور بالراحة التامة، وهو في أثره النفساني أنفع من الراحة الجسدية.

وأحسن ما لهذا اليوم من حسنات عندي أنني أذهب ليلته إلى فراشي وقد أحسست أنني طرحت عن كاهلي كل عبء وكل تكليف من تلك الأعباء والتكاليف التي تعودنا جميعًا أن نستقبل بها صباح كل يوم. ولا يحدث كثيرًا أنني لبثت في فراشي بعد الموعد صباح يوم الجمعة، بل يحدث أحيانًا أنني أبرحه قبل موعدي في كل يوم. وتفسير ذلك غير عسير؛ فإنني أستوفي الراحة في ساعات قليلة ولا أستوفيها في ساعات كثيرة مع التفكير في الشواغل والأعمال.

يوم جمعة انتزعته من «سبوت» إسرائيل، وقد كانت أمامي قبل عشر سنين أسرة يهودية قوامها زوج وزوجة وطفلة صغيرة، ولا خادم فيها، وكانت صناعة الزوج عملًا هندسيًّا في وكالة من وكالات المصابيح الكهربائية والثريات والأسلاك وما إليها.

وفكاهة القصة في هذه الصناعة أنه كان يُستدعى أحيانًا إلى بيوت الحي لإصلاح الخلل في النور، ولكن امرأته تستدعيني أو تستدعي الطباخ مساء كل سبت لندير لها مفتاح النور السهار، فتدق جرس الباب مرة أو مرتين أو مرات حتى يفتح لها، ثم تكرر لنا رجاءها المألوف ليالي السبت!

وكنت أداعبها إذا وجدت فراغًا من الوقت فأسألها: أتظنين أن «يهوا» يأخذ باله من تحريك مفتاح الكهرباء ولا يأخذ باله من الضغط على جرس الباب؟!

وتضحك وهي لا تظن أن المسألة تحتمل أقل جدال. وقد تجيب قائلة: إن الله يمنعنا أن نشعل النور، ولكنه لا يمنعنا أن ننادي أو ندق الجرس للنداء.

وكان عندي صديق كثير الدعابة في إحدى هذه الأمسيات، فقال لي على مسمع منها: لا بأس، لا بأس، تردها لك يوم الجمعة، أسمعتِ يا مدام؟ وسمعت المدام ولم تفهم، فقلت له: عليك أن تتولى إفهامها وإلا ساء التفاهم يا صاح!

وراح يفهمها أن جاركِ هذا يقدس يوم الجمعة كما تقدسون أنتم يوم السبت، والعجب له أنه لم يسألكِ يومًا أن تديري له مفتاح النور!

ولم يكن صاحبي يبالغ كثيرًا وراء ما تسمح به القافية، فإنني في الحق أقضي يوم الجمعة بلا جهد ولا عمل ولا شاغل من الشواغل التي تشبه الجهود والأعمال، وقد أُضرِب عن فض رسائل البريد وعن الرد على التليفون. ويخطر لي أنني مدين لهذه العادة بالقدرة على كثرة العمل وانتظامه. وحبذا لو جرب ذلك مَن يشك فيه، فإنه سيرى أنه يطيق في أسبوع بيوم راحة فوق طاقته عشرة أيام بغير راحة على انتظام.

(١) مع طه حسين

اليوم يوم الأحد، ولم أعلم ذلك من مراجعة التقويم ولا من تاريخ الصحيفة، ولكنني علمته — حسب العادة — من تقويم الطريق.

تقويم الطريق يقول لي «إنه يوم الأحد» إذا رأيت أسرة كاملة خارجة بثياب الزينة. ففي سائر الأيام يخرج الرجل وحده بثياب العمل، ويخرج الصبي أو الصبية بثياب المدرسة إلى سيارتها الحافلة، وتخرج ربة الدار بعد حين بحقيبة السوق. أما يوم الأحد فهو اليوم الوحيد من أيام الأسبوع الذي يخرجون فيه مجتمعين متزيين. وقد قال لي تقويم الطريق إنه يوم الأحد مرة بعد مرة، وطفق يكرر هذا الإعلان كلما وقفنا على الشرفة بين فترات الجلوس.

ثم قَدِم إليَّ زائران أحدهما من الإسكندرية والآخر من أسوان، متلطفين في السؤال. ثم دق جرس الباب وجاءني الطباخ المعروف بسهواته يقول: إنه الدكتور طه حسين!

وموضع الكرامة المعجزة أن الطباخ يعرف الدكتور طه ويذكره وهو الذي كان قبل خمس وعشرين سنة يرد على التليفون فيضع السماعة بغير اكتراث ويأتي من المكتب إلى حجرة الجلوس على مهل ليقول لي: واحد اسمه مصطفى النحاس، نقول له إيه؟

إن الزمن يتقدم ولا كلام، وإن لم يكن من علامات تقدمه في ربع قرن غير هذه العلامة لكان فيها الكفاية.

لم يعلم الدكتور بخبر الإصابة إلا في السفينة، ولم يمضِ يوم عليه في القاهرة حتى بادر بالسؤال ثم جشَّم نفسه بين شواغل العودة من السفر فزارني عائدًا مشكورًا على هذه الأريحية الأخوية، وإن تكن أريحية يعرفها له الأصدقاء والزملاء في جميع العوارض والمناسبات.

سألت الدكتور عن رحلته، وحدثني بين أحاديث شتى عن أولئك العلماء المنقطعين للدرس الذين يشبُّون ويشيبون ويبلغون الثمانين أو يجاوزونها وهم بين الجامعة والمكتبة والمطبعة والأندية العلمية والأدبية، وسرني أن أعلم منه أن واحدًا من هذه النخبة الممتازة قادم إلى مصر لإلقاء محاضرات في إحدى الجامعات عن «الإستاتيكي».

وقال الدكتور: قرأت في بعض الصحف أنك مشغول بتأليف كتاب في هذا الموضوع، فلعله خبر صحيح؟

قلت: صحيح في النية، ولكنني أرجأت الشروع فيه؛ لأنه عمل كثير العقبات وأولها عقبة المصطلحات، وحسبنا المصطلح الأول وهو اسم العلم كله. فماذا نسميه؟ أنسميه علم الجمال؟ أنسميه فلسفة الفن الجميل؟

قال الدكتور: لا هذا ولا ذاك يؤدي معناه المقصود، ولكن نصنع به ما صنعنا بالموسيقى، ونحن لم نترجم الكلمة بل أخذناها كما هي فَسَرَتْ على كل لسان.

وإنني، على تفضيلي الترجمة كلما تيسرت، أرى مع الدكتور أن إبقاء الكلمة أصوب من التعبير عنها بعلم الجمال أو فلسفة الفن الجميل، وأود أن يسهم الأدباء معنا في اختيار كلمة تغني عن التعبير، إن استطاعوا العثور عليها.

إن أصل الكلمة اليونانية يفيد الحس، وقد يفيد الحس المرهف، ولكنهم بطبيعة الحال لا يقولون عن ناقد الجمال إنه صاحب حس، ويقصدون بذلك مجرد الحس الموهوب لكل حي أو لكل إنسان، وإنما قصدوا في مبدأ الأمر أنه الحس الذي يفطن لدقائق المحاسن وخفاياها. ثم قصدوا منها قواعد هذه الفطنة كلما وضحت للذهن وتيسر للتعبير عنها وتطبيقها على كل شيء جميل. وليس البحث مقصورًا على الفن الجميل أو المحسوسات الظاهرة، بل هو أعمق من ذلك جدًّا في المعاني المجردة التي نتعرف بها الجمال من حيث هو حقيقة كونية، بل حقيقة تتفرع عليها هذه الأحاسيس الإنسانية بالصور المنظورة والصور المتمثلة في الخيال.

ويبدو لنا أن الذين تكلموا عن الذوق في آدابنا العربية قصدوا إلى شيء من هذا القبيل في إشاراتهم الأولى، ولا شيء غير «صقل المحاريب» يجعل «علم الذوق» مرادفًا «للإستاتيكي» كما يفهمونها في الدراسات الفلسفية والأدبية.

وصقل المحاريب دمغة يقرها شيخنا المعري رضي الله عنه، وله رعاية ملحوظة فيما نعلم عند الدكتور طه، وها نحن أولاء نضع الكلمة في أول محراب وننتظر ما تصير إليه بعد جولة قريبة في سائر المحاريب.

(٢) الإثنين

بين العصا والعكاز

تركت اليوم العصا لأُجرب المشي بغيرها، وفي الأسبوع الماضي تركت «العكاز» لأجرب المشي بالعصا. وأحمد للعكاز والعصا معًا أنني قد تعلمت منهما شيئًا كنت أحسب أننا جميعًا نفرغ من تعلمه وعمرنا لا يزيد على سنتين اثنتين؛ وذاك هو المشي على القدمين. أما اليوم فلي أن أقول: إننا جميعًا نمشي مشية «مغلوطة» وإننا لو قصدنا بحُسن السير معناه الحرفي لم يوجد واحد من عشرة يظفر بشهادة «حُسن السير والسلوك» المعهودة.

وإذا كان المشي الصحيح هو المشي الذي يكلفنا أقل جهد ويحملنا أقل ثقل فليس منا من تصح له هذه المشية؛ لأننا ننحرف تارة بزاوية القدم ونميل تارة أخرى إلى غير الجانب الذي يحسن أن نميل إليه، ونضع القدم في كل خطوة كأننا نريد أن نسوخ بها في باطن الأرض ولا نريد أن ننقلها على الأثر. وليس منا مَن يلتفت إلى هذا الغلط ما دام قادرًا على «بعثرة» الخطوات حيث يشاء وكما يشاء، ولكنه يلتفت إليه إذا اتقى الألم في كل خطوة وشعر بالحذر من كل فلتة، فها هنا يقول مع الشاعر حقًّا لا مجازًا:

قَدِّر لرِجْلك قبل الخطو موقعها

وقد كنت ألاحظ على أهل البادية مشية خاصة لا أعرف سرها، ولكنني أظنها اليوم هي المشية التي يصبرون عليها أطول الأوقات ويشعرون معها بأخف الأعباء وأقل المتاعب، وهكذا ينبغي أن يكون الخطو السليم.

وشيء آخر عرفته مع العصا والعكاز ولا أقول عرفته من العصا والعكاز، فإني بحمد الله لم أعرف شيئًا من هذين المعلمين القديمين. عرفت مع العصا والعكاز أن المسافة بين الوعي الظاهر والباطن بعيدة جدًّا لا تعبرها الحواس ولا الأعضاء في شهور.

فقد لزمت السرير شهرًا عاجزًا عن الحركة (كان الأستاذ العقاد في صيف ١٩٥٤ خارجًا من مكتبة دار المعارف بميدان المنشية بمدينة الإسكندرية حاملًا آخر ما أصدرت المطابع، فزلَّت قدمه فوقع على الأرض، فنقل إلى منزله هناك ولازمه الأطباء ما يقرب من الشهر والنصف حتى الْتَأم جرحه وعاد لاستئناف نشاطه المعهود)، وتحركت بمعونة العكاز والعصا أكثر من أسبوعين، ولكنني لم أرَ في النوم قط أنني عاجز عن الحركة أو أنني أستعين بعكاز وعصا، ولا أرى نفسي ماشيًا إلا كعادتي بغير اختلاف.

لا جرم تستغرق الأعمال الواعية آلاف السنين حتى تتحول إلى عادات متواترة أو حتى تشبه الغرائز التي نعملها ولا نعيها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.