عمدت وزارة المعارف أخيرًا إلى تخفيف برامج اللغات الأجنبية في المدارس، فما هو رأيك في هذه السياسة من حيث تأثيرها في الثقافة العامة للجيل الجديد؟

هذا هو السؤال الذي طرحه مندوبنا على الدكتور طه حسين بك والدكتورة درية شفيق، فأجابا بما يلي:

الدكتور طه حسين

رأيي أن النزعة إلى إضعاف اللغة الأجنبية في المدارس شديدة الخطر … لا على حياتنا الثقافية وحدها، بل على حياتنا العامة كلها.

فاللغة العربية تتطور وترقى، ولكنها لم تبلغ بعدُ أن تكون لغة عالمية للعلم والأدب والسياسة والاقتصاد. واتصالنا بالعالم الغربي هو الأساس الصحيح لنهضتنا ورُقِيِّنا، ولن تُفلِح وزارة المعارف إلَّا إذا أعادت النظر في تعلُّم اللغة الأجنبية، فلم تقصره على اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ لأن في ذلك احتقارًا للعقل المصري ووقفًا له على النفوذ الثقافي للفرنسيين والإنجليز. وإنما يجب أن تُدرَّس اللغات الأوروبية الكبرى كلها في المدارس، على أن يختار التلميذ أو أسرته لغتين من هذه اللغات؛ فالألمانية والإيطالية والإسبانية والروسية لغات عظيمة الخطر في الثقافة والسياسة والاقتصاد، ويجب أن يكون بين شبابنا من يُحسنوا هذه اللغات. ومن الخزي لمصر في القرن العشرين أن يُنقل إليها الأدب الألماني والإيطالي والروسي والإسباني لا مباشرةً من اللغات التي كُتب بها، بل من طريق التراجم الإنجليزية والفرنسية.

هذا الاحتكار لا يلائم الاستقلال الذي نطمح إليه، وهذا الجهل لا يلائم الكرامة التي نحن أهل لها. والأمر لا يحتاج إلَّا إلى شيءٍ من الشجاعة يمكِّن وزارة المعارف من أن تخطو هذه الخطوة التي طالبت وما زلت أطالب بها.

والشرق العربي وحده هو الذي قبِل هذا الاستعمار الثقافي الإنجليزي الفرنسي، فإذا كنَّا نريد الاستقلال حقًّا فسبيله ألَّا نبيح لأمة من الأمم — مهما تكُن — أن تحتكر أخص ما يمتاز به الإنسان وهو العقل والقلب والذوق.

الدكتورة درية شفيق

رأيي أن الاتجاه الذي يقصد به تخفيض عدد الدروس للغات الحية في مدارس الحكومة اتجاه يسيء إلى مصر وإلى تطلُّعها المرموق نحو الفائدة من حضارات الأمم الأخرى.

ونحن نسيء إلى أنفسنا إذا خلطنا بين التعصب للوطنية والاستفادة من حضارة الغرب؛ فإن مصر الحديثة لم تستطع أن تتبوَّأ مكانها الرفيع بين الأمم الغربية والشرقية إلَّا بعد أن استكملت بعض الدراسات الغربية. وكان محمد علي الكبير والخديو إسماعيل فاهمين هذا الوضع تمامًا؛ لذلك كانت بعوثهم العلمية كثيرة، متعددة الجوانب. ولولا مدرسة البعوث لكان تأخرنا ملحوظًا، ولولا مدرسة الألسن وناظرها رفاعة الطهطاوي وتلاميذه الأعلام؛ لما زخرت آدابنا وعلومنا العربية بهذا التراث الفخم من المعرفة. ولولا دراسة أدبائنا للُّغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها دراسة عميقة؛ لما فخرنا بهؤلاء الأدباء الذين يضارعون أدباء الغرب فكرًا وعقلًا وأسلوبًا.

فإذا نحن حاربنا هذه اللغات لأمر غير مفهوم، فإنما نحارب أنفسنا، وسوف يأتي يوم — إذا نجح خصوم اللغات الحية — نبحث فيه عن مترجم في مصالح الحكومة أو الأعمال الحرة فلا نجده. ناهيك بما يترتب على جهل أمة بهذه اللغات، فإن كل جديد سيبقى محجوبًا عن لغتنا وآدابنا، ولن نُفيد من أي تيار فكري جديد؛ لأننا قوم انطوينا على أنفسنا ونسِينا أن من يتعلم لغة أمة أمِن مكرها كما قال رسول الله ﷺ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.