نعم؛ إلى أين يُدفَع هذا البلد؟ وماذا يُراد به؟ وما عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟ فما نظن أن أحدًا من المصريين مهما تكن منزلته، ومهما يكن مذهبه السياسي، ومهما يكن ميله وهواه، يصبح أو يمسي دون أن يلقي على نفسه وعلى أصحابه هذه الأسئلة: إلى أين يُدفَع هذا البلد؟ وماذا يُراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟

فلم تعرف مصر منذ الثورة وقتًا انتهت فيه من الحرج إلى مثل ما انتهت إليه الآن وصارت إليه أمورها من الفساد والاختلاط، إلى مثل ما صارت إليه الآن؛ جلالة الملك مريض يجب ألا يتكلف من العناية بالأمور العامة مثل ما كان يتكلف، وألا يحمل نفسه من العناء مثل ما كان يحتمل، وقد أخذت أحاديث الناس منذ أمس تلهج بأن مشكلات هذه الأزمة القائمة التي عُرِضَتْ على جلالته عرضًا مفصلًا قد أثرت بعض الشيء في صحته، فعاد بعض القلق إلى النفوس، وأُثِيرَتْ مسائل كان يُقال إنها أُرْجِئَتْ، وإن الإنجليز قد أعرضوا عنها الآن إعراضًا.

جلالة الملك إذن مريض لا يستطيع أن يتناول الأمور العامة بمثل ما كان يتناولها به من القوة والعناية الحازمة التي كانت تستنفد من جلالته وقتًا وجهدًا، لا يقدر على إنفاقهما إلا الأقوياء الأفذاذ حقًّا.

والوزارة القائمة مُعَلَّقة لا هي حية فتُرْجَى، ولا هي ميتة فتُرْثَى ويُصْرَف الأمر عنها إلى وزارة غيرها، وإنما هي مُعلَّقة في الهواء، لا تعمل شيئًا ولا تَدَع شيئًا، وهي إلى الموت أدنى منها إلى الحياة، وهي سبب في قيام المشكلات وازدياد الحرج واشتداد الأزمة. وإذن؛ فإلى من صارت أمور مصر؟ وعلى من يُعتمَد في تصريفها، وفي حل هذه المشكلات المعقدة التي لا يزيدها مُضِيُّ الوقت إلا تحرجًا وتعقيدًا؟

ينظر المصريون الآن فيرون أمورهم كلها قد صارت إلى رجلين اثنين، أحدهما نائب المندوب السامي ومن ورائه وزارة الخارجية البريطانية، ومن ورائهما السلطان الإنجليزي كله، والقوة الإنجليزية كلها، والدهاء الإنجليزي كله، والآخر زيور باشا رئيس الديوان الملكي، الذي يقف الآن حيث كان يجب أن يقف رئيس الوزراء ووزير الخارجية فيفاوض فيما لا يفاوض فيه رؤساء الدواوين الملكية، ويجادل فيما لا ينبغي أن يجادل فيه إلا رجال السياسة المسئولون، يأخذ ويعطي أو يظهر استعداده للأخذ والعطاء، وما يكون له أن يعرض لشيء من هذا أو يحتمل أثقاله، وهو رجل مهما تكن شخصيته، ومهما تكن نيته ومهما يكن ذكاؤه وفطنته، فهو غير مسئول ليست له صفة دستورية تبيح له أن يحتمل أعباء السياسة أو ينهض بأثقالها وتبعاتها وهو لا يستطيع من الوجهة الدستورية الصحيحة أن يقول إن وراءه مجلس الوزراء؛ لأنه ليس وزيرًا، ولأن مجلس الوزراء يكاد يكون غير موجود ولا يستطيع أن يقول إن وراءه البرلمان؛ لأنه ليس وزيرًا، ولا يستطيع أن يقف أمام البرلمان ولا أن يتحدث إليه، ولأن البرلمان القائم مهما يكن رأي الناس فيه مفرق غير مجموع، وليس إلى جمعه من سبيل ما دام جلالة الملك مريضًا لا يستطيع أن يفتتحه، وما دامت الوزارة معلقة هذا التعليق، بين موت محتوم وحياة لم يَبْقَ منها إلا الأنفاس الأخيرة.

وإذن؛ فأين تكون قوة مصر؟ وأين يكون تأييدها؟ وأين تكون ثقتها؟ وما طبيعة مركزها الآن في هذه المفاوضات الخطرة التي اتصلت منذ أمس بين المستر بيترسون وزيور باشا؟ أما الذي يتحدث عن الإنجليز فمن ورائه قوة لا تشبهها قوة، وبأس لا يشبهه بأس، ودهاء لا يقاربه دهاء، وأما الذي يتحدث عن مصر فليس وراءه شيء دستوري يستطيع أن يعتز به، أو يركن إليه.

والأمر لا يقف عند هذا الحد بل هو يتجاوزه إلى ما هو أشد منه خطرًا؛ فلسنا نعلم أن هذا الشعب المصري الذي أُهْمِل أشنع الإهمال أكثر من أربعة أعوام، والذي لم يحفل به أحد منذ نشأت هذه الأزمة، وفيما اختلف عليها من التطورات، لسنا نعلم أن هذا الشعب المصري يُؤيِّد زيور باشا أو يخذله، ولا أنه يثق بزيور باشا أو يضن عليه بالثقة؛ لأن للشعب المصري في زيور باشا آراءه من جهة، ولأن زيور باشا أو غيره من الوزراء المسئولين، أو الموظفين غير المسؤولين، لم ينبئوا الشعب المصري بشيء ولم يسألوه عن شيء، ولم يظهروه من دقائق الأزمة على شيء.

وإذن؛ فالمستر بيترسون يفاوض ووراءه إنجلترا كلها، وزيور باشا يفاوض وحيدًا قد وقف الشعب المصري منه موقفًا بعيدًا قوامه حياد هو إلى الشك أقرب منه إلى الثقة واليقين.

أليس من حق كل مصري، بل من الواجب على كل مصري أن يسأل نفسه ويسأل الناس، إلى أين يُدفَع هذا البلد؟ وماذا يُراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟

وكيف لا تمتلئ القلوب خوفًا، وكيف لا يستأثر القلق بالحياة المصرية كلها، وقد انتهت مأساة هذا العهد التعس إلى أن ينظر المصريون فإذا أمورهم تخرج من يد رجل غير مسئول لتقع في يد رجل آخر غير مسئول؟!

كانت الأمور إلى الإبراشي باشا منذ أسبوع، فأصبحت الأمور إلى زيور باشا منذ أيام، وكلا الرجلين ليس من رجال الحكم، وكلا الرجلين لا يعرفه الدستور، وكلا الرجلين لا يستطيع أن يتحدث عن الشعب في قليل ولا كثير.

قد يكون زيور باشا خيرًا من الإبراشي باشا، وقد يكون زيور باشا آثر عند الإنجليز وأحب إليهم من الإبراشي باشا، ولكن شخصية الرجلين وحظهما من الشرف ونصيبهما من اللباقة ليست هي الأشياء التي تعني المصريين إذا كانت هي الأشياء التي تعني الإنجليز، إنما الذي يعني المصريين أن تكون أمورهم إلى قوم مسئولين أولًا وإلى قوم مسئولين يثق بهم الشعب ويرضى عنهم، ولا يسيء الظن بما يقولون، ولا يثير الشك فيما يعملون، ثم أن يكون مرجع هؤلاء الناس إلى الأمة فيما يأخذون وفيما يعطون. فأين نحن من هذا الآن؟! ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الأزمة القائمة تُعالَج من الناحية المصرية علاجًا أوتقراطيًّا خالصًا ليست له صفة دستورية ما، فكيف يُراد من المصريين بعد هذا أن يطمئنوا؟ وكيف يُراد منهم أن ينتظروا حوادث الغد أو حوادث اليوم في غير قلق ولا اضطراب؟!

إن الذين إليهم الأمر في مصر الآن وفي مقدمتهم زيور باشا بالطبع، خليقون أن يذكروا الأمة، وألا يذكروا غيرها، وأن يسلموا أن التفكير في الأشخاص وفي المنافع العاجلة إن أُبِيحَ لرجال السياسة أحيانًا فإنه قد يحرم عليهم في الأوقات الخطرة التي تعرض للأمم والشعوب، وأن التبعات التي تحملها ضمائر رجال السياسة قد تثقل في أوقات الخطر حتى تنوء بأصحابها، وحتى تضطرهم إلى أن يتخذوا موقفًا من موقفين: فإما أن يشركوا الأمة معهم، فيبرئوا ذمتهم أمام الوطن وأمام التاريخ، وإما أن يستبدوا بالأمر؛ فيحتملوا تبعة الإساءة إلى الوطن والتفريط في الحق.

وإن الذين إليهم الأمر من الإنجليز خليقون أن يعلموا حق العلم أنهم إذا كان من حقهم أن يعملوا لوطنهم فإن من الحق عليهم أن يرعوا المنافع المحققة لوطنهم أيضًا. والمنافع الإنجليزية المحققة لا تتم ولا تحصل بالاتفاق مع الأشخاص غير المسئولين الذين ليس لهم من الشعب سند يعتمدون عليه أو ركن يئوون إليه، وإنما تكون هذه المنافع وتُضمَن حين يتفق الإنجليز مع الشعب لا مع غيره وحين يسلكون إلى هذا الاتفاق الطرق الدستورية الشريفة لا غيرها.

وإن المصريين جميعًا خليقون أن يحذروا وأن يظلوا أيقاظًا، فما أعرف أن حياتهم السياسية تعرضت لخطر كالخطر الذي تتعرض له الآن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.