دعوني في البداية أعترف لكم بشيء؛ ألا وهو أنني كنت أخاف من الكتب الإلكترونية، وسيُسْعدكم أن تعْرفوا أنني قد تغلَّبتُ على خوفي منها.

يعكس هذا التغييرُ الذي طرأ على موقفي أو تصوُّري للموقف — في رأيي — بعضَ الاتجاهات التي كانت تتكشَّف مؤخرًا في السوق، أو دعوني أكن أكثرَ دقةً وأقل: «بعضَ الاتجاهات التي توقفَتْ عن التكشف»؛ فقد بدأتْ تلك الثورةُ التي أشعلَتْها شركة أمازون بعد طرحِها لجهاز كيندل في نهاية عام ٢٠٠٧ تسْكن، وبدأتْ سماتُ عالَمِ ما بعد الكتاب الإلكتروني تتضح. ومن المثير للدهشة أن هذه السمات لا تختلف اختلافًا كليًّا عن تلك التي كانت موجودةً قبل ظهوره، فقد تغيَّر الكثيرُ، ولكن الكثير أيضًا بقي على حاله.

منذ بضعة أعوام، عندما كانت مبيعات الكتب الرقمية تتزايد بسرعةٍ كبيرة — بينما كانت مبيعات الكتب المطبوعة تتراجع — بدا من البديهي أنَّ ظهور الكتاب الإلكتروني سيكون تأثيره على الكتب المطبوعة مماثلًا لتأثير أجهزة الإم بي ثري على الأقراص المضغوطة؛ إذ سيمحوها من الوجود، أو على الأقل سيؤدي إلى تهميشها. كنا في سبيلنا إلى أن نرى الكتاب الإلكتروني وقد أصبح بسرعةٍ مذهلةٍ الشكلَ السائدَ للكتاب، وباتت نهاية عصر جوتنبرج، الذي استمر قرابة الخمسمائة عام، وشيكة.

أذْكر أنني قد شاهدتُ في عام ٢٠١٠ لقاءً مع مؤسس معمل الوسائط بمعهد ماساتشوستس للتقنية؛ نيكولاس نيجروبونتي، تنبَّأ فيه، وهو ممتلئ بالثقة، بأنَّ الكتب المطبوعة ستندثر خلال خمسة أعوام، وأنه بحلول عام ٢٠١٥ ستكون الكتب الإلكترونية هي السائدة.

لقد اتضح أن هذا التنبؤ كان بعيدًا كلَّ البعد عن الصواب. فمِن الأسلم أن نقول إنه في عام ٢٠١٥ سيكون هناك الكثير من الأشخاص الذين يشترون الكتب المطبوعة ويقرءونها، وسيكون هناك عدد أكثر من الأشخاص يُقْبِلون على شراء الكتب الإلكترونية وقراءتها. ولكن هذا التنبؤ لم يَبْدُ غريبًا إلى هذا الحد عندما طرحه نيجروبونتي؛ فقد كانت مبيعات الكتب الإلكترونية تتزايد بشكل خيالي في عام ٢٠١٠؛ إذ ارتفعتْ لأكثر من ثلاثة أضعاف خلال هذا العام، بعد ارتفاعها لثلاثة أضعاف بالفعل خلال عام ٢٠٠٩، وتزايدتْ بمقدار ضعفين خلال عام ٢٠١١. هذه الزيادات التي تراوحتْ بين ضعفين وثلاثة أضعاف هي زيادات هائلة حتى عند الانطلاق من قاعدة صغيرة. وفي مارس ٢٠١١؛ أي منذ ثلاثة أعوام تقريبًا، أعلنتْ شركة أمازون أن الكتب التي تُعْرَض على أجهزة كيندل تحقِّق مبيعات أعلى من الكتب المطبوعة على موقعها الإلكتروني.

هذه القوة الساحقة للكتاب الإلكتروني أثارت شعورًا شديدًا بعدم الارتياح على مستقبل الكتب المطبوعة لدى أمثالي من محبِّي هذه النوعية من الكتب؛ إذ رأينا أن أحد حصون الثقافة يتهاوى على ما يبدو. أما بالنسبة لمحبِّي الكتاب الرقمي، أمثال نيجروبونتي، فقد أثارت نفسُ الظاهرة شعورًا بالنشوة، وكانوا يَنْظرون إليها أيضًا بوصفها انهيارًا لأحد حصون الثقافة، ولكن نظْرتك إلى هذا الحصن تختلف باختلاف الجانب الذي تنظر منه.

لكنْ حتى في ذلك الوقت كان هناك أمْر يثير حيرتي، فلم يكن هناك توافُقٌ بيْن تقارير المبيعات الخاصة بكتبي، التي تُصنَّف ضِمْن الكتب غير الروائية، وبيْن كل ما أَسمعُه؛ فقد كان هناك انفصال بيْن ما يُثَار من ضجة حول الكتب الإلكترونية والأرقام الفعلية. كنت أرى بالفعل قفزة حقيقية في مبيعات الكتب الرقمية، ولكنها لم تكن هي السائدة بأي حال من الأحوال؛ فكل كتاب إلكتروني من كتبي يتِمُّ بَيْعُه يقابِلُه ثمانية كتب مطبوعة، سواء كانت ذات أغلفة من الورق المقوَّى أو بأغلفة ورقية عادية. وهذا معناه أن حجم مبيعات الكتب الإلكترونية كان يتراوح بين ١٠ و١٥ في المائة من إجمالي مبيعات أعمالي. تُعَدُّ هذه النسبةُ كبيرةً، وبما أن حقوق المؤلِّف الخاصة بالكتب الإلكترونية تكون أعلى بكثير من تلك التي يتلقاها من الكتب الورقية، فقد كنت ممتنًّا لتحقيق الكتب الإلكترونية هذه النسبةَ من المبيعات، ولكنها أبعدُ ما تكون عن كونها النسبة الغالبة.

لكن الأمر الأكثر غرابة هو أن نسبة مبيعات الكتب الإلكترونية لم تكن تتزايد بشكل كبير، فبَعْد ارتفاعها الخيالي سرعان ما استقرَّت عند مستوى يتراوح بين ١٠ و١٥ في المائة، ويقترب هذا المستوى كثيرًا من النسبة التي لا تزال الكتب الإلكترونية تحقِّقها حتى الآن. لا أعتقد أنَّ نِسَبَ المبيعات الخاصة بي نِسَبٌ استثنائية؛ فمؤلفو الكتب غير الروائية الآخرون الذين تحدثْتُ إليهم يقولون إن حَجْم مبيعات الكتب الإلكترونية لمؤلَّفاتهم يتراوح بين ١٠ و٢٠ في المائة، وأحيانًا ما تتعدى هذه النسبةُ العشرين في المائة عند صدورِ كتابٍ جديد يتمتع بشهرةٍ خاصة، ولكن هذا نادرًا ما يَحدث.

لم يَعُد الغموض يكتنف هذا التباين الواضح بين النسبتين، فبعد أن استقر سوق الكتاب على مدار العامين الماضيين، فَرَضَ نوعٌ جديدٌ من التوازن نفْسَه. ولم يتراجع التزايد في أرقام مبيعات الكتب الإلكترونية وحسب، بل استقر عند مستوًى معيَّنٍ، وأصبح من غير المحتمَل أن يعاوِد الارتفاعَ. وهذا التراجع كان أمرًا حتميًّا، فوفقًا لقانون الأعداد الكبيرة، بإمكانك أن تُضَاعِف المبيعات مرتين أو ثلاثًا، ولكنك في النهاية ستَفْقِد القدرةَ على ذلك. لقد بدأَت الزيادة التي تشهدها مبيعاتُ الكتاب الإلكتروني تسير باتجاهِ معدَّلِ الزيادة الكليَّة للسوق، أو بمعنًى آخَرَ: أصبح سوق الكتاب الرقمي سوقًا ناضجًا يمثِّل بين ٢٠ و٣٠ في المائة — استنادًا إلى الجهة المصدِّرة للأرقام — من حجم سوق الكتاب في الولايات المتحدة.

وبدلًا من الاستسلام للضربة التي تلقَّتْها مبيعات الكتب المطبوعة جرَّاءَ ظهور الكتاب الإلكتروني، ظلت هذه المبيعات صامدة بشكل جيِّد؛ فعلى وجْه العموم لم تتراجع المبيعات تراجعًا كبيرًا، ويبدو أن مبيعات الكتب ذات الأغلفة المصنوعة من الورق المقوَّى تتمتع بقوة ملحوظة.

أرجو ألا يسيء أحدٌ فهْمي، فقصة نجاح الكتاب الإلكتروني قصة معروفة، فقد أصبحَت الكتب الإلكترونية تمثِّل جزءًا كبيرًا وأساسيًّا وحيويًّا من سوق الكتاب، ولكنها لم تهيمِنْ عليه. ولم يَعُدْ هناك مجال للشعور بالخوف أو النشوة اللذين تحدثْتُ عنهما من قبل.

أرى أن ثورة الكتاب الإلكتروني لم تكن ثورةً بالمعنى المفهوم؛ إذ لم يشهد سوق الكتاب تحولًا مثل ذلك الذي شهده سوق الموسيقى، ولا تزال مَعالمه تبدو مألوفة لنا.

إن ما يتكشَّف لنا الآن — وفقًا للمفاهيم الاقتصادية — هو أن الكتاب الإلكتروني ليس بديلًا عن الكتاب المطبوع، ولن يَحُلَّ محله، كما خشي أو تمنى الكثيرون؛ فالكتاب الإلكتروني مثله مثل الكتاب الصوتي قبله يُعَدُّ مكملًا للكتب المطبوعة. فكلُّ شكْل منهما له مميزاته وعيوبه، وكلُّ شكْل له مكانه. هناك الكثير من الأشخاص أصبحوا يميلون لقراءة الكتب على شاشات الأجهزة المختلفة، وهناك عَدد أكثر من الناس ما زالوا متمسكين بقراءة الكتب المطبوعة، وهناك فريق ثالث من الناس يفضِّلون تناوُب استخدام الشكلَين؛ فهم يَلجئون إلى الكتب الإلكترونية عندما يكونون قابعين — على سبيل المثال — في مقعد الطائرة، ويُقْبِلون على قراءة الكتب المطبوعة عندما يستلقون على الأريكة بالمنزل. وبعيدًا عن التفضيلات الشخصية، يَعْكس التراجعُ الحادُّ في أرقام المبيعات أن الكتب الإلكترونية تلائم أنواعًا معيَّنة من القراءات مثل القصص الروائية الخفيفة، ولكنها لا تتوافق كثيرًا مع أنواعٍ مثل الكتب الروائية وغير الروائية. وربما يفسِّر ذلك لنا سَبَبَ تأثُّر الكتب ذات الأغلفة الورقية مؤخَّرًا، وصمود الطبعات التجارية والطبعات ذات الأغلفة المصنوعة من الورق المقوَّى أمام الضربة الإلكترونية.

لا يُعَدُّ عُمْرُ القارئ هو السبب الوحيد لهذه الاختلافات؛ فالقضية لا تتمثل في أن الأشخاص الأكبر سنًّا يتشبثون بالكتب المطبوعة، بينما يُقْبِل مَن هُم أصغر سنًّا على الإصدارات الرقمية. فمتوسط عمْر من يُقْبِلون على شراء الكتب المطبوعة هو اثنان وأربعون، بينما متوسط عمر من يشترون الكتب الإلكترونية واحد وأربعون عامًا. لا يزال الأطفال يُحِبون القراءة من الكتب المطبوعة، وتُبَيِّن استطلاعاتُ الرأي أن الطلاب يفضِّلون الكتب الدراسية المطبوعة على الإصدارات الإلكترونية بفارقٍ كبير. وهذا يعني أننا لسنا بصددِ تحوُّلٍ كبير على مستوى الأجيال المختلفة.

حاز هذا التوازن الجديد الذي ظهر في سوق الكتاب على استحسان الناشرين والقراء أيضًا؛ ففي حين استحوذت الكتب الإلكترونية على مبيعات بعض الإصدارات الورقية، فإنها في الوقت نفسه جذبتْ قراءً جُدُدًا إلى سوق الكتاب، ووسَّعت قاعدةَ المشتريات لبعض القراء الحاليين. فالكثير من الكتب التي بِيعَت نُسَخها الرقمية لم تكن لتُباع لو كانت مطبوعة. وإعطاء الأشخاص مزيدًا من الخيارات لطُرُقِ شراءِ الكتب وقراءتها يعني أنهم — إذا تكافأتْ كل العوامل الأخرى — غالبًا ما سيُقْبِلون على شراءِ وقراءةِ عددٍ أكبر من الكتب. وكَوْن الكتب الإلكترونية تتمتع بهامشِ ربحٍ مُغْرٍ يُعَدُّ ميزة إضافية للناشرين (على الرغم من أن هناك الكثير من الشكوك حول الطريقة النهائية التي ستقسَّم بها الزيادة في هامش الربح).

أعتقد أن الكُتَّاب يشعرون بالرضا أيضًا عن هذا التوازن؛ فكما ذكرتُ لكم، حقوقُ المؤلف الخاصة بالكتب الإلكترونية مغريةٌ أكثر بكثير من تلك التي تَعُود على الكاتب من الكتب الورقية. وهذا يعني أنه ما دام سوق طبعات الكتب ذات الأغلفة المصنوعة من الورق المقوى متماسكًا — وهو ما يحْدث بالفعل — فكل شيء سيبقى على ما يرام. وبالنسبة للكُتَّاب الذين لم يحالفهم الحظ في العثور على وكيلٍ أو ناشر، توفِّر لهم الكتب الإلكترونية التي ينشرها المؤلف بنفسه طريقةً لعرْض أعمالهم في سوق الكتاب برحابته، وهذا أمر جيد. فمن الممكن — بل من الواجب — أن يصبح النشر الاحترافي والمستقل، اللذان طالما صُوِّرا بوصفهما متناقضَين؛ مكملًا أحدهما الآخر، ويجب أن يحدث ذلك؛ فهناك مساحة كبيرة متاحة لكلٍّ منهما.

هذه هي الأخبار الجيدة، وكم كنت أتمنى ألا يكون هناك جانبٌ آخر من الحديث، ولكن الأمر ليس كذلك.

الأخبار السيئة تكمن في التوتر الأساسي والمدمر بين ما أدعوه أنا ثقافةَ الكتاب وبين ثقافةِ الكمبيوتر، وبما أن الكتاب الإلكتروني يقع في المنتصف بين الاثنين، فهو غالبًا ما ينجذب في كِلا الاتجاهين. فمع أننا من الممكن أن نقرأ كتابًا على شاشة الكمبيوتر، لا يعني هذا أن الكمبيوتر صديق للكتاب؛ فقراءة الكتب لم تتوافق يومًا بشكلٍ جيِّد مع وسائل الإعلام المختلفة، بل إن مستوى ملاءمتها لوسائل الإعلام الرقمية أقلُّ من ذلك. لقد أصبح الكتاب عنصرًا مناهضًا للثقافة؛ فقراءة كتاب معناها أنك تسْبح ضد التيار العامِّ للمجتمَع.

يختلف العقل الذي نقرأ به كتابًا عن العقل الذي نستخدمه في تسيير حياتنا اليومية؛ فخلال الأعمال الروتينية التي نقوم بها كلَّ يوم نحاول أن نؤَثِّر في الأشياء المحيطة بنا، أو نتحكم في مسارها، أو حتى نستغلها، سواء كان ذلك من خلال تحريكِ عجلة القيادة في السيارة، أو قلي بيضة، أو الضغط على أحد الأزرار بالهاتف الذكي، أو كتابةِ تغريدة على تويتر. ولكن عندما نفتح كتابًا تتغير توقعاتنا ومواقفنا؛ وذلك لأننا — وفقًا لنورمان هولاند، وهو عضو بهيئة التدريس بجامعة فلوريدا — نتفهم أننا «لا ولن نستطيع أن نغير العمل الفني بأفعالنا.» فقد خفَّت عن كاهلنا رغْبتُنا في إحداثِ تأثيرٍ على الأشياء والأشخاص؛ وبالتالي أصبح باستطاعتنا أن «نحرر الأنظمة الإدراكية المسئولة عن إطلاق الأفعال». وهذا الانفصال عن العالم الحافل بالأحداث يحرِّرنا لنتمكن من أن نذوب في فعْل القراءة؛ فعندما ننسلخ من انغماسنا في المشاغل المستمرة للحياة بداخل المجتمع، في هذه اللحظة فقط نستسلم لقوة الكتاب ونصبح قُرَّاءً له.

هذا لا يعني أن القراءة فعْلٌ مُعادٍ للمجتمع؛ فالمجتمَع هو القضية الرئيسية التي يدور حولها الأدب، وعندما نذوب في أعماق أحد الكتب غالبًا ما نتعرَّف على خبايا العلاقات الإنسانية. وتشير بعض الدراسات إلى أن القراءة تزيد — ولو بدرجة قليلة — مِن تفهُّمنا لمشاعر الآخرِين، وتجعلنا أَكْثر وعيًا بتفاصيل حياتهم التي يحْمِلونها داخلهم ولا يُظهرونها لنا؛ فنحن ننسحب إلى داخل الكتاب لنتصل بعمقٍ أكبر بالعالم من خارجه.

إذا كنتم قد اصطحبتم معكم هذا الصباح هاتِفَكم الذكي أو جهاز الكمبيوتر اللوحي أو الكمبيوتر المحمول الخاص بكم — سوف أندهش كثيرًا إذا لم يكن قد فَعَلَ أيٌّ منكم ذلك — فأنتم تعرفون جيدًا أن الكمبيوتر ليس هو الأداة التي ستحملكم بعيدًا عن مشاغل الحياة، لكنه سيزيد من انغماسكم في هذه الدوامة؛ فهو أداةٌ لتكنولوجيا الفعل وردِّ الفعل والإلهاء، وليس أداةً لتكنولوجيا الاسترخاء والتأمل.

إن الخطأ الذي وقع فيه الناشرون عند تعامُلهم مع الكتب الإلكترونية لدى ظهورها هو السماح لشركات الإنترنت والكمبيوتر بالسيطرة على أشكالِ ومبيعاتِ تلك الكتب. فربما تمثِّل هذه الشركات شريكًا تجاريًّا أساسيًّا على قدْرٍ كبير من الأهمية، ولكن مَصالحهم لا تتَّفق مع مَصالح من يعملون بالكتابة والنشر، ومن يطالِعون الكتب ويُعيرونها للآخرين. إن مَصالحهم ومكاسبهم تكْمن في الترويج لثقافة الكمبيوتر؛ مما يعني سحْبَ الأضواء بالتدريج بعيدًا عن ثقافة الكتاب. فعند انغماس شخصٍ ما في قراءةِ أحدِ الكتب؛ فهذا معناه أن ذلك الشخص لا يغذي خزائن شركات الإنترنت بالبيانات والنقود.

ليس الجدل الشديد حول الشراء الإلكتروني والشراء التقليدي هو فقط ما يُظهِر هذا التضارب في المصالح، ولكننا نراه أيضًا في التحوُّل الهائل من استخدام أجهزة القارئ الإلكتروني المصمَّمة للقراءة فقط، مثل جهازَي كيندل ونوك، إلى استخدام الأجهزة اللوحية التي تَقوم بمهامَّ متعددةٍ، مثل جهازَي آي باد وفاير؛ فأجهزة القارئ الإلكتروني المخصَّصة للقراءة وحسب، تعتبَر وسطًا هادئًا يلائم التعمُّق في القراءة ويشجعه. أما الأجهزة اللوحية المتعددةُ المهامِّ فتقوم بالعكس؛ فهي مصمَّمة لكي تُغْرِق مستخدمِيها في مشاغل الحياة. وإذا كانت أجهزة القارئ الإلكتروني قد وَضعَت الكمبيوتر في خدمة ثقافة الكتاب، فإن أجهزة الكمبيوتر اللوحي تجذب الكتاب نحو ثقافة الكمبيوتر.

وهذا ما عبَّر عنه مؤخَّرًا أحدُ الأشخاص الذين انشغلوا في فترةٍ من حياتهم بقراءة الكتب الإلكترونية في حديثه لي: «عندما كنت أطالع جهاز كيندل القديم الخاص بي، كنت أفكر في الكتب، ولكنني عندما أشغِّل كيندل فاير، أفكِّر في كل شيء سوى الكتب.»

إن التحدي الكبير الذي يواجِه الناشرين وأمناء المكتبات والكُتاب هو الدفاع عن ثقافة الكتاب، سواء أكان ذلك الكتاب يُعرَض من خلال الصفحات أم على شاشات الكمبيوتر. والدفاع عن ثقافة الكتاب يعني عدمَ السماح لثقافة الكمبيوتر؛ ثقافة الانشغال والإلهاء، بأن تسيطر، ويعني المحافَظةَ على حالة السكينة التي تنتاب القارئ، ومقاوَمة تلك الرغبة في «إثراء» الكِتاب من خلال إضافةِ وظائفَ برمجيةٍ جديدة إلى صفحاته. ويتمثل الدفاعُ عن ثقافة الكتاب أيضًا في محارَبة القُوى التي تحاوِل أن تُهيمِن على أشكال الكتاب والأجهزة المستخدَمة في القراءة ومبيعات التجزئة. وهذا الصراع على الإمساك بزمام الأمور، والذي يتميز بكونه ثقافيًّا بقَدْر ما هو مادِّيٌّ، سيستمر لفترة طويلة.

أيًّا كانت الأحلام التي تراوِد أشخاصًا مثل جيف بيزوس ولاري بيج ومارك زوكربيرج؛ الذين يطمحون إلى هيمنة الكمبيوتر على حياتنا؛ فهي أحلام تختلف عن أحلام القُرَّاء.

شكرًا لكم.

The Ebook Equilibrium by Nicholas Carr. Rough Type. June 6, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.