بعد ثلاثين سنةً من وفاة «لورانس» مؤلف رواية «عشيق اللادي شاترلي»، عاد البحث في أدب هذه الرواية على نطاقٍ أوسع من بُحوث النقاد والقرَّاء عند طبعها في حياة صاحبها؛ لأن الأمر انتهى يومئذ بتحريم طبعها في البلاد الإنجليزية والولايات المتحدة، وتهريبها للطبع سِرًّا في المطابع الفرنسية الألمانية؛ حيث يقوم بصفِّهَا على الأكثر عُمال يجمعون حروفها ولا يفهمون كلماتها.

أمَّا اليوم — لمناسبة ذِكرى المؤلف — فقد جازفت إحدى شركات النشر بطبع أربعين ألف نسخة من الرواية وإعداد مائتي ألف نسخة أخرى لإصدارها على الأثر بعد مناقشتها في المحكمة وإبداء رأي المحكمة والمُحلَّفين فيها.

وقد سُمِحَ للشركة الناشرة أن تستدعي خبراءَها وشهودَها، فاستدعت خمسة وثلاثين خبيرًا وخبيرة من المؤلفين وأساتذة الجامعات والنقاد والقرَّاء المثقفين، تتابعوا واحدًا بعد واحد ليشهدوا بأنهم لم يجدوا في الرواية ما يمنع تداولها، وأن المؤلف لم يقصد بمواقفها الجنسية أن يثير الشهوات ويتَّجر بعرض المناظر المحرضة للغرائز الجنسية، ولكنه قَصد إلى إبراز عيوبٍ في الحياة الزوجية والعلاقات الاجتماعية لا بد من إبرازها؛ لعلاجها وتدارك أسبابها.

وبعد مناقشات طويلة بين الاتهام والدفاع سُئِلَ المحلفون — وهم تسعة رجال وثلاث نساء — فأجمعوا على تبرئة الرواية من التهمة، وكان قرارهم المتفق عليه «أنها غير مُذنبة …» أو كما شاءت إحدى الصحف أن تنقل الخبر بعناوينها الكبيرة، فقالت مبشرة لقرَّائِها بين الجد والتهكم: «إن السيدة شاترلي سيدة!»

وأظرف من هذا العنوان أن بعض الحاضرين في المحكمة خرجوا يتحدثون بهذا القرار وبهذا الحكم الذي بُني عليه، وركبوا السيارة الحافلة وهم ماضون في الحديث، فلم يلبث أن قال أحدهم لصاحبه: «صه صه … يا هذا … لَسْنَا الآن في ساحة المحكمة.»

وقد كان من تعليق ناقد الجارديان على المسألة كلها — وهو من المحافظين المتحرجين — أن مواقف الجنس في الرواية تنفِّر الأزواج من هذه المواقف ولا تحرضهم عليها.

ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن مؤلف الرواية كان يتمنَّى أن يسمع هذا الحكم بعد إعداد روايته للطبع في حياته، ولكنه — ولا ريب — لم يكن ليستريح إلى تعليقات طلاب الإفراج عن الرواية من نقاد العصر ومفكريه … فليس مما يسره — مثلًا — أن يسمع أكبرهم (سير ألان هربرت) يقول: إنها من الوجهة الفنية لم تكن لتستحق هذه الضجة التي أحاطت بها، وليست هي بالعمل الأدبي الذي يساوي أن يُطبع منها (٢٠٠٠٠٠) نسخة.

وقد يرضى لورانس أن تَرُوج روايته الممنوعة هذا الرواج في لُغَتِهِ وفي اللغات الأخرى، ولكنه لا يرضى بأية حال أن يقال إن قانون المطبوعات هو صاحب الفضل الأول في هذا الرواج.

***

… تنتابني بين الحين والآخر حيرة لا أجد لها مخرجًا، وخطابي هذا هو أملي في أن تُخرجَني من هذه الحيرة بيومية من يومياتكم المحبوبة على صفحات الأخبار.

كلنا يعلم أن آدم أبو البشر وأمهم حواء، ولكن العالم اليوم منقسم بين شعوب عديدة تتكلم بلغات كثيرة، تختلف كل منها اختلافًا كليًّا وجزئيًّا عن الأخرى؟ … وهل من الأفضل أن يتفاهم العالم بلغةٍ واحدةٍ لتقريب وجهات النظر وحفظ السلام بين ربوع الدنيا؟

لطفي أحمد عبد الشافي، كلية الآداب — جامعة الإسكندرية

هذا سؤال بريء أتلقَّى أمثاله فيما يشبه معناه من الشباب المثقف الذي تستقبله الحيرة من مشكلات العالم التي تسري في جذورها إلى مشكلات التكوين في الأعماق، وأحسب أنني أجمل «فلسفتي» التي سألني الطالب الأديب عنها حين أروي له ولإخوانه خلاصة الفلسفة التي أنتهي إليها كلما واجهتني مشكلة من هذا القبيل.

إذا شعرت بالحيرة من تعدد أشتات الناس سألت نفسي عن الحالة الأخرى التي يكون عليها العالم البشري لو لم يوجد على هذه الحالة، فهل نراها أقرب إلى الفهم وأبعد من الحيرة؟ أو نعود إلى حالتنا هذه لأنها أوفق للإنسانية مما عداها؟

أمامنا عالم، نتخيله، لا تختلف فيه اللغات ولا الأفكار ولا العواطف ولا الأجسام! كل شعب فيه كغيره من الشعوب، وكل فرد في الشعب كغيره من الأفراد، وكل كلمة يقولها هذا الفردُ يكررها ذاك بغير اختلاف، وكل أسلوب من أساليب التعبير بتلك الكلمات ينتظم في قالب واحد غير قابل للتبديل …

وقبل أن أسترسل إلى الغاية أحسُّ أن الطالب الأديب يصيح في قرارة نفسه: حسبك … حسبك، إن عالمنا الذي نحن فيه أشبه بالإنسان وبالمزايا الإنسانية من ذلك العالم الذي نتخيَّله كأنه مجموعة من الآلات أو أشتات من الحجارة مفرغة في قوالبِ اللبنات.

أما استقرار السلام بتوحيد اللغة في العالم، فالحقيقة فيه يدلنا عليها تاريخُ قبائل الجاهلية يوم كانت لا تعرف بينها لغة غير اللغة العربية، ويدلنا عليها تاريخ الثورات الداخلية بين الشعوب التي تتكلم اللغة الواحدة وتقيم على الوطن الواحد؛ فإن العبرة من هذه التواريخ جميعًا أن الوحدة في الشعور والأمل شرط للسلام لا تُغنِي عنه وحدة الكلام، وكثيرًا ما يكون الكلام فاتحة الحروب إن لم يكن كلامًا بين متفاهمين مشتركين في الأمل وفي الشعور.

فليختلف الناس ما شاءوا ولا خوف عليهم، إلا أن يكون اختلافهم في النيات قبل الكلمات، فليس بعاصمهم من الحرب أن يعيشوا في حُجرة واحدة وأن يقولوا يومئذ إنهم يطلبون السلام، ثم يفسر كل منهم هذه الكلمة تفسيره الذي لا معنى له غير القتال والبغضاء.

***

يلاحظ الدكتور «فؤاد حسني» أن المذيعين عندنا يقعون في أخطاء نحوية وغلطات في اللغة ليس من الصعب إصلاحها لو أنهم كلَّفوا أنفسهم مراجعتها والتحقق من قواعدها المشروحة في أبسط كتب اللغة بين أيدي المتعلمين، ويسرد الدكتور فؤاد أمثلةً من تلك الأخطاء نوافقه عليها ونخالفه في بعضها؛ لأنها — كما يُقال — مما يجوز فيه القولان، على أننا نستطيع أن نكتم كل سرٍّ واجب الكتمان إلا الأسرار التي تذاع وتستمع إليها جميع الآذان، وأفشى هذه الأسرار — مع الأسف — أن الأخطاء كثيرة فيما يقرؤه عندنا بعض المذيعين أو فيما يتحدثون به من كلامهم للتمهيد والتعقيب، ولا نحب أن نزيد على عبارة قصيرة نشفع بها ملاحظة الدكتور فؤاد وملاحظات المئات من المستمعين.

إن إذاعتنا ينبغي أن تكون أصحَّ وأفصح من جميع الإذاعات العربية في جميع الأقطار.

فهل هي كذلك بشهادة اثنين فقط من المذيعين، أو شهادة اثنين فقط في المستمعين الذين يقسمون اليمين وتُقبل منهم الشهادة في هذه القضية؟

نرجو أن نسمع الجواب بالقول الصحيح الفصيح!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.