من الغريب أن لورد بيكون من المفكرين الإنجليز الذين أولع أهل الخيال والأهواء بهم؛ فتارة يزعمون — كما قرأت في مقال — أنه إدوارد السادس، مع أن بين ميلاديهما فرقًا يقرب من الجيل، ومات إدوارد السادس بعد ضعفٍ ومرض، وحضر موته الأطباء، وكان فرنسيس بيكون وهو غلام يصطحبه أبوه السير نيكولاس بيكون إلى قصر الملكة اليصابات، وكان من أعوانها، وكانت الملكة تُداعبه فتُسميه كاتبها، أو وزيرها الصغير، وأسرته معروفة، والبيت الذي ولد فيه غير مجهول، وكل حوادث حياته حقائق معلومة؛ فليس في حياته أي غموض.

وبعض أهل الخيال والأهواء يدَّعون أنه كتب قصص شكسبير الشاعر العالمي، ولكن شكسبير كان مكثرًا من العمل، وبيكون كان مكثرًا من العمل، ويستحيل أن يقوم إنسان واحد بالعملين معًا مهما كانت قدرته، وبالرغم من أن بيكون كان أديبًا؛ فإنه كان يعد البحث العلمي أهم من الأدب، وقد مات بسبب أنه خرج في يومٍ باردٍ كثير الثلج ليجرب تجربة عملية نافعة، وهي حفظ اللحوم بالثلج ومنعها من التعفن، وقد كان ينعَى على القدماء تفضيل الفلسفة النظرية والأدبية على البحث العملي العلمي، وله مؤلفات كثيرة، فله كتاب «الرسائل»، وكتاب «حكمة القدماء في أساطيرهم»، وكتاب «أقوال مشاهير الرجال»، وكتاب «أطلنطيس الجديدة»، وكتاب «تاريخ حياة هنري السابع»، وكتاب «نوفام أرجانوم»؛ أي الأداة الجديدة في العلم والتعليم، وكتاب «تقدم العرفان».

وعلاوة على ذلك فقد كان له عمله في البرلمان، وفي المحاكم في سماع القضايا والحكم فيها، وكتابة أسباب حكمه بعد التفكير فيها، وكان مستشارًا لبعض وزراء الملك جيمس الأول يكتب لهم التقارير، ولم يشتهر بشيءٍ من الشعر، مع أن بعض الأشراف لم يعدوا كتابة الشعر في عهده حِطةً لهم، فكيف كان يستطيع مع كل هذه الأعمال أن يؤلف قصص شكسبير العديدة؟ على أن في قصص شكسبير من الأغاليط التاريخية ما لا تُقلل من عظمة عبقريته كشاعر، ولكنها هي والأغلاط الجغرافية ما كان يقع فيها مؤرخٌ مثل بيكون.

وشكسبير في بعض قصصه يشكو حظ الممثل، أو الأديب، أو نكاية زملائه، وهذا لا ينطبق على بيكون، كما أن شكسبير كان في بعض قصصه يداعب أو يسخر من قول بعض الشعراء، وهذا أيضًا يستبعد من بيكون الذي كما يزعم أهل الأهواء أنه قد ترفَّع عن طبقة الشعراء، وإن كان أكبرهم قصصه فنُسب إلى غيره. أما بحوثه العلمية التي كان يقضي بها وقت فراغه وآراؤه فيها، فليست كلها مقبولة لدى علماء هذا العصر، ولا غرابة في ذلك.

ولم يكن مبتكرًا فكرة تقديم الخبرة والتجربة في العلم، والوصول من الشواهد الخاصة إلى القاعدة العامة، ولكنه أذاعها، وجعل هذه الفكرة مبدأ عامًّا، واشترطها في البحث العلمي العملي في كتابه عن العلم والتعليم. ولا شك أن عقله كان أكبر من قلبه، ولا داعي للخوض فيما اتهم به من العيوب، إلا أنه من الضروري أن نقول إنه حوكم لقبوله الرشوة في القضاء، واعترف بذلك قائلًا: إن أحكامه بالرغم من ذلك كانت وفق العدل. وقد ندم على ما فعل، وقد عومل بالرفق في محاكمته، ثم ما لبث أن أُطلق سراحه وأسقطت عنه الغرامة التي فُرضت عليه.

وهذه النظرات من رسائله تدلُّ على كبر عقله وخبرته بالنفوس البشرية:

(١) الحق كضوء النهار لا يزين قناع زخارف الحياة المموهة أباطيلها وبهارجها، وآمال الناس فيها وأعمالهم ونزعات نفوسهم، إذا كان الحق خالصًا من شائبة الخداع للنفس، كما يزينها إذا كان مشوبًا بشيءٍ من الخداع للنفس بالباطل خداعًا قد يكون غير مُدرَك. وضوء هذا الحق، الحق المشوب بخداع النفس، قد يكون أشبه الأشياء بضوء الشموع في المراقص المقنعة ليلًا يخفي نقائض ألوانها وبهارجها وحقيقتها، ويكسبها شيئًا من الجمال المصطنع، ويزين لباسها المستعار، ويخفي بعض ما بها من ادعاء.

ومن أجل ذلك كثيرًا ما يخالط الحق، حتى من غير تعمُّد للخلط، شيء من الباطل؛ كي يقلل من نور الحق، فلا ينمُّ على أكاذيب الحياة، وهي كثيرة، وهل من شكٍّ في أنك إذا سلبت من إنسان كل ما في عقله من آراء لا أساس لها من الحق، ونزعت عنه كل آماله الباطلة التي تملقه وتزين له أمره وعيشه، وتحثه على استئنافه والاطمئنان إليه، وحرمته من مقاييس عقلية باطلة، ومن أحكام وموازين يتشبث بها، ومن أحلام في الحياة جميلة لا حقيقة لها، ولكنها تريحه وتُسعفه، ويتعلل ويتسلَّى بها، إذا نزعت من عقله ونفسه كل ذلك لم يبق له غير عقل ضامرٍ هزيل، ونفسٍ ضئيلةٍ حائرةٍ خائبة؛ فالباطل قد يُمازج الحق كما يُمازج المعدن الخسيس الأشد صلابة الذهب الإبريز كي يزيده صلابة، ويجعله أصلح كنقود في المعاملات، وإن كان ينقص من قيمة عنصر الخليط.

(٢) جلال الموت وما يحاط به أشد رهبة من الموت، وبعض المفكرين يخيف الناس من الموت بأن يقيس ما في الموت، وهو تلف الجسم كله بما في تهشُّم أصبع، وهو جزءٌ صغيرٌ من الجسم، وهو قياس غير صحيح؛ لأن الأعضاء الحيوية أقل تأثرًا بالألم، والألم فيها أسرع مفعولًا، فكثيرًا ما يموت الناس من غير إحساسٍ كبيرٍ بالألم، وليس في النفس إحساسٌ قويٌّ يعجز عن التغلب على الخوف من الموت، فالغيظ، وطلب الثأر، والحب، وطلب المجد، والإحساس بدافع الدفاع عن الشرف والحزن والخوف والشجاعة، وحتى الإشفاق والرحمة — وهي أرق الطباع — كلها أمورٌ تستطيع التغلب على الخوف من الموت، وحتى الملل من الأمر المعتاد والمكرر قد يتغلب على الخوف من الموت، فالموت إذن أقل شدةً وبأسًا وهولًا ممَّا يُصوِّره بعض القائلين.

(٣) من الحماقة والغفلة أن يريد المرء بغيظه وحنقه وكرهه وقسوته أن يحقق إرادة الله، فيؤدي ذلك إلى الإجرام، وإلى مثل مذابح سان برثولومبو. لقد كان من الكفر والإجرام قول إبليس: إني أريد أن أصعد إلى عرش الله، أليس مما هو أشد كفرًا وإجرامًا أن يريد المرء إنزال الله من على عرشه كي يشركه في قسوة الإنسان؟ إذ يتوهَّم أنه يخدم الله بقسوة مثل قسوة قرصان البحر.

(٤) إن من أعظم العظمة التي هي منزلة عظمة المعجزات أن يحكم المرء نفسه كل الحكم فيما يَنُوبُه من حوادث الدهر، ويعجبني قول سنكا الفيلسوف الروماني في هذا الموضوع: «أسمى ما يكون عجز المربوب إذا اقتدى باطمئنان الرب.»

(٥) إن الحزن الذي تزينه أسباب الأمل والاطمئنان والإيمان كالثوب القاتم اللون، المُطرَّز بالخيوط الزاهية البهجة، فهو أملأ للعين وأشرح للصدر من السعادة التي تحيط بها المكاره والمخاوف المقلقة، والتي تكون كالثوب الأبيض المُطرَّز بالسواد.

(٦) مهما كان الرياء لازمًا؛ فهو مظهر من مظاهر العجز في الأمر الذي لجأ إليه المرائي؛ إذ لولا العجز فيه ما لجأ إلى الرياء.

(٧) من الناس مَن يتقنون الصراحة ويتخذونها خطة حتى يُعرفوا بها، فإذا لجئوا إلى وسائل المكر والنفاق لم يصدق أحد أنهم من أهل المكر لما عُهد من صراحتهم، فكأنهم بهذه الوسيلة يختفون في مكرهم عن أبصار الناس. وهذا يذكرني قول أبي تمام الطائي:

سكن الكيد فيهم إنَّ مِن أعْـ

ـظم إربٍ ألا تُسمَّى أريبا

(٨) الرجل الذي يقول كل ما يعرف كثيرًا ما يسوقه طبع الكلام وعادته حتى يقول ما لا يعرف، ويدعي أنه شاهد ما لم يشاهد، وحضر ما لم يحضر، والناس يأتمنون الرجل الكثير الصمت على أسرارهم، والثرثار مكشوف العورة كالرجل العريان. وكما أن الثياب تزيد المرء وقارًا، فالكتمان يزيده هيبةً ووقارًا، وليس الكتمان باللسان وحده، بل أبلغ منه الكتمان بضبط المرء تقاسيم وجه، وحكم تقاطيعها حتى لا تنم على ما يكتم؛ لأن الناس يُصدِّقون ما تنمُّ عنه ملامح الوجه أكثر من تصديقهم كلامه وإنْ نمَّقه وزيَّنه.

ومن مزايا الكتمان أنه يدعو إلى استنامة أعدائه، وإلى مباغتة مناضليه، وأنه يدع لنفسه طريقًا للتراجع إذا اضطره الأمر؛ إذ لو أعلن أمره اضطر إلى المضي فيه، أو إلى إظهار العجز والخيبة، وهو بكتمانه وسكوته وإصغائه بدل الكلام يستطلع ما يريد أن يعرف من آراء الناس وأغراضهم وخططهم، لكن المبالغة في الصمت والكتمان قد تُغري الناس بأن يظنوا به الجبن والوجل، ثم إن صمت مثل هذا المبالغ قد يُحيِّر مَن يريد أن يُعاونه، وأن يشركه في أمره، فيفقد ثقة بعض الناس. ولعل هذا من أسباب شك الناس فيمن لا يُعاشرهم ولا يُحادثهم.

(٩) يشترك الآباء والمعلمون والحكام والأتباع وأمثال هؤلاء في تنمية روح المنافسة، فينمو التحاسد والتباغض في نفوس الأطفال الصغار من حيث لا يشعر القائمون بأمرهم، الذين تسرهم عاقبة المنافسة العاجلة الفانية، ولا يفطنون إلى ما يمكنونه في النفوس البشرية من عواقب تبقى مدى الأجيال، وضررها في الحياة كثير، وهو ضرر غير مقصور على عهد الطفولة، وإنما يلجئون إلى هذه الخطة لأنها في نظرهم أسهل خطة للحصول على ما يريدون أن يكون عليه الأطفال.

(١٠) في النفوس صفة لؤم ذائعة، وهي أن كل من لم يستطع إصلاح حاله يحاول إفساد حال غيره، ومن أجل ذلك كان ذوو العاهات والخصيان والشيوخ وأمثال هؤلاء من أشد الناس حسدًا، إلا إذا صادف نقصهم نفسًا كبيرة تجعل نقصها زائدًا في شرفها، وشفيعًا لمدحها؛ إذ يقال إن صاحبها أتى بالأمر العظيم، بالرغم من عاهته أو نقصه. والحسد داء الأمم والدول ومُضْعِفها، ولكنه قد يكبح جماح طغيان الحكام والمقربين لديهم إذ خشوا عاقبته، والحسد كالوباء؛ فمَن خشي الوباء كثيرًا وذعر منه أصابته غائلته من الرعب، وكذلك من يذعره حسد الحاسد، فيظهر الاستخذاء والضعف والذعر فينتهز الحاسد فرصة ذعره ويصيبه بسوء، وإذا فشا الحسد في أمة أصاب السليم الصفات، الكريم الأخلاق، الفاضل النفس، كما يصيب الوباء السليم الجسم فيُمرضه.

وفي أمثال هذه البيئة التي فشا فيها الحسد يصبح الفضل نقصًا، والرأي السديد خرقًا، والعمل الصادق عملًا كاذبًا في دعوى ذوي الحسد الذين يرون في انقلاب الأمور وحقائقها إخفاءً لحسدهم ونَقْصهم، وهم مثل الزارع الذي يزرع الشوك والحسك في الظلام بين الحنطة وغيرها من النبات؛ حتى ينتشر الشوك والحسك، ويمنع القمح وغيره من النمو.

(١١) قال ديموستنيس الخَطيبُ الأثينيُّ: أول صفات الخطابة وثانيها وثالثها الجرأة في الحركة والفعل، وكذلك ألزم صفات النجاح في الحياة المدنية وأولها وثانيها وثالثها الجرأة، مع أن الجرأة تدل على أن تفكير صاحبها محدود؛ لأنه إذا تشعب منه الفكر تردد في شعابه، وألهاه عن الجرأة، وشغله عنها؛ فالجرأة أحط من غيرها من الصفات الفاضلة، ومع ذلك فهي من صفات النجاح أولها وثانيها وثالثها.

(١٢) قد يكون المرء صالحًا جدًّا، حتى إنه من شدة صلاحه لا يصلح لمباشرة أي عمل من أعمال الدنيا بنجاح. والحقيقة هي أن النجاح في الحياة قد يتطلب — إلا إذا جاء عفوًا — شيئًا ولو قليلًا من المكر والاحتيال يخالط فضله وصلاحه. وقد يُخفيه ذلك الفضل، ولكنه موجود يخفى حتى على بعض من يتفكَّه ساخرًا بغباوة أغنياء الحرب، إما حسدًا لهم، وإما دعابة يخالطها بعض الحسد، ولو القليل منه، وإما جهلًا بأن الغباوة لا تجافي المكر والاحتيال، وأن المكر من مظاهر العقل، وهو من صفات النجاح، وكثيرًا ما يلجأ إليه الغبي كي يجعله عوضًا عما حُرِمَهُ من الذكاء والفكر.

(١٣) قد ينسى بعض الناس الذين طبعهم الإسراف — وبعضهم يُسرف من غير شعورٍ في أمورٍ لا حاجة إليها، وإن توهم غير ذلك — أن الإسراف في أمرٍ من الأمور يقتضي الاقتصاد أو التقتير في أمورٍ أخرى. وهذا يذكرني قول معاوية في كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ: ما رأيت إسرافًا قط إلَّا وإلى جنبه حق مُضيَّع.

(١٤) سوء الظن يكثر في ظلام العقل كالخفافيش تكثر في الظلام، وإذا عظم سوء الظن عَطَّلَ العمل، وفصم الصلات، وعكر العقل، ودعا إلى الظلم والغيرة والتردد والحزن، وإلى فقد الأصدقاء. وإذا كان سيئ الظن جبانًا هلوعًا يتملكه الذعر والرعب إذا فكَّر فيما يسيء به الظن، فإن رعبه قد يدفعه إلى عدم التشبُّث ظنًّا أنه إذا تعجَّل بادر ما يخشاه قبل وقوعه، واتقاء ما يساء به الظن، كأنه أمرٌ حقيقي لا خطر منه، بل هو لازم إذا لم ينزله المرء في نفسه منزلة اليقين، ويتعجل بالحمق لمعاقبة من يسيء به الظن. وكذلك الذي يساء به الظن وهو بريء، أو يخشى أن يساء به الظن، ينبغي ألا يظهر في ملامح وجهه وحركات جسمه أنه يخشى أن يساء به الظن، وإلَّا أُسيء به الظن ريبةً وإن كان بريئًا، كما قال الطغرائي الشاعر: إن الهَيوب مُرِيب، في بيته الآتي:

تخفي بسالتُهُ مطارح هَمِّهِ

ومَرامِه إنَّ الهَيُوبَ مُريب

(١٥) إخفاء سوء ظنك بصديقك عنه يزيد من سوء ظنك به، وقد تمحوه الصراحة وتبطل الوساوس التي تنمو بسبب سوء ظنك به، ولكن بعض الناس يكره أن تصارحه، ويحقد عليك من أجلها، حتى ولو كانت صراحة بلباقةٍ ولطف، فلا يخلص لك بعد مصارحتك أبدًا. وهذا يذكرني قول البحتري:

أدعُ الصاحب لا أعذُلُه

لا يُسمَّى بعُقُوق فيَعُق

(١٦) ينبغي لمن وهبه الله قدرة على الفكاهة والسُّخر أن يتذكر دائمًا أن هذه القدرة تبعث الشك وسوء الظن به وبمقاصده، حتى يحمل الناس كل ما يقول أو يعمل على محمل السُّخر بهم، والاحتقار لهم، وإن لم يكن يريد ذلك. وقد يذكر المرء قولًا بريئًا لا سُخر به، فيحمل الناس معناه على ما بدر منه في أوقاتٍ أخرى من السُّخر. وهذا يذكرني قول لورد تشسترفيلد: «ينبغي لصاحب الفكاهة والسخر أن يتقلدها مغمدة كما يتقلد السيف، لا مُصليًا لها، وأن يتخذها عدة للدفاع إذا لزم لا للاعتداء.» وأبغض الفكاهة في نظر لورد بيكون ما تناول بالتنادُر والسُّخر الأمور الخليقة بالخشوع والإجلال.

(١٧) كل من كان في نفسه شيء يدعو إلى احتقاره مزودٌ بدافعٍ نفسي يعمل للنجاة من ذلك الاحتقار بالحيلة، أو المكر، أو الشجاعة، أو العمل العظيم الذي يدعو إلى الإعجاب، أو بالظهور بين الناس إما بالفضل، وإما بالشر؛ كي يخيفهم بشره، وينال الهيبة والخوف منهم إذا لم يستطع نيل الإعجاب بفضله. فكم من عاهةٍ أو نقيصةٍ في حياة المرء حثَّت على العظمة أو على الإجرام! وإذا كان صاحب النقيصة عاجزًا كان شديد الحسد.

(١٨) المظاهر المألوفة الصغيرة من مظاهر الفضل أجلب لرضا الناس ومدحهم من مظاهر الفضل العويصة العظيمة النادرة؛ لأن الحياة اليومية أحوج إلى الأولى، كما أنها أحوج إلى النقود القليلة القيمة في التعامل اليومي؛ ولأنها أقرب إلى فهم جمهور الناس، وأقل هدفًا للحسد.

(١٩) أكثر الناس تغاضبًا الأطفال والشيوخ والنساء والمرضى والمُدلَّلون الذين هم أشبه بهؤلاء، ومن أجل ذلك ينبغي أن يستحي العاقل من أن يُنزل نفسه منزلتهم بالتغاضُب؛ ظنًّا أن الغضب من مظاهر العظمة، وهو ليس من مظاهر العظمة، بل من مظاهر الجهل والمرض والضعف، والعجز عن حكم النفس، فهو اعترافٌ بالنقص؛ لأن كل هذه المسببات من باب النقص وأشكاله.

(٢٠) بعض الناس عقلهم أعظم مما يُخيَّل للناس فيهم من العقل، وبعض الناس يخال فيهم من العقل أعظم من نصيبهم منه، فملامح الوجه قد لا تدل دلالةً قاطعةً على مقدار المرء من الفهم والتعقُّل. وقد يستر المرء نقص عقله بالوقار والحشمة، وبعض الناس له مهارة في إلباس الأفكار التافهة لباس الحكمة، وبعض الناس يوهمون غيرهم بالصمت أنهم يعرفون أكثر مما يريدون أن يقولوا، وبعضهم يوهم ذلك بإشارة وجهه أو يده، أو طرفٍ من بدنه، أو بالابتسام الماكر، أو بالظهور بمظهر المتأمِّل المُفكِّر وهو لا يتأمل ولا يفكر. وهؤلاء وأمثالهم على قلة عقلهم يشتهرون بالفضل. وهذا يذكرني قول شيرير الناقد الفرنسي: «إن بعض الناس كالمنازل الضيقة التي تكاد تكون لا عرض لها، وطولها كله على الشارع الرئيسي البارز، فيحسب الرائي أنها منازل كبيرة وهي صغيرة جدًّا.»

(٢١) بعض الناس لإخفاء نقص عقولهم يتخذون وسائل أشبه بحيل التاجر المفلس، الذي يريد أن يقنع الناس أنه غني كي يجد من يقرضه مالًا ليتلافى أمر إفلاسه، وكي يعود إلى الكسب وإلى الارتزاق. وهؤلاء إذا عنَّ موضوع أظهروا عدم الاحتفال له، وتهوين أمره أو السُّخر به بدلَ فحص فكرته والإدلاء برأيٍ فيه.

(٢٢) قد يكون الرجل ذا أثرة محبًّا لنفسه، ومع ذلك يكون في حاجةٍ شديدة إلى صديق؛ فليست الحاجة إلى المصادقة والمودة من سلامة الطَّويَّة وطيب القلب، وإنما هي ضرورة كضرورة من يأخذ الدواء كي يجري به المرارة في جسمه ويدرها. وأمثال هذا إذا افتقدوا الجليس المصاحب كانوا كمن يأكلون قلوبهم. ولعل هذا هو السبب في غيظ ذوي الأثرة ممن ينقطع عن مجالسة الناس، أو لعله سبب من أسبابه. وبعض الناس لا تتم مُتعتهم بالسرور إلا بإعلانه لصديق أو جليس، ولا يسهل تحمُّلهم للشقاء إلا بالشكوى لعشيرٍ أو جليسٍ أو صديقٍ ومكاشفته. وهذا يذكرني قول الشاعر العربي:

ولا بدَّ من شكوى إلى ذي مُروءةٍ

يُواسيك أو يُنسيك أو يَتوجَّع

(٢٣) تزداد آراء المرء صحةً ووضوحًا بالمحادثة؛ لأنه قد يتكلف بحثها ووضْع حدٍّ لمعناها وأسبابها؛ فيزداد المرء دقةً وحكمةً بالمُشافهة أكثر ممَّا يزداد بالتفكير خاليًا بنفسه منفردًا؛ فهو بالمحادثة يشحذُ ذهنه كما يُشحَذُ السلاحُ على الحجر، حتى ولو كان مُحدِّثه لا يستطيع أن يُجيد مبادلة الرأي ونقده، ويُستثنَى من ذلك الحديثُ الذي لا يراد به هذا الأمر، بل تراد به الضجة وتعطيل الفِكْر والمُهاترة.

(٢٤) اختلال الأمن أكثر ما يكون بسبب الحاجة والفقر، ولا يداوَى ولا يُكبح إلا بمداواتهما، وقد قال تاسيتوس المؤرخ الروماني في وصف أمثال هذه البيئة المُختلَّة: بعض الناس لهم جرأة على عمل الشر، وبعض من ليست لهم جرأة على عمله يرغبون في أن يعمل غيرهم الشر، وأكثر من هؤلاء وأولئك الذين يسمحون بعمل الشر، ولا يعينون ولا يدلُّون على من يعمله، ولا يحاولون منعهم، فإن رأيت أمة اجتمعت فيها هذه الطوائف الثلاثة واستفحل أمرها، فأنذرها بالتدهور في نظامها وحياتها التي تحياها، ولا سيما إذا انتهز الوجهاء والأعيان والأدباء والمفكرون فرصة امتعاض الجمهور من سوء حالهم؛ كي يثيروهم بوسائل ظاهرة أو خفية لمآرب خاصة بهم. وإذا كثر في مثل هذه الأمة الذين يسرفون في الترف أكثر مما يُنتجون، وازداد فيها عدد المتعلمين الذين يعتمدون على مناصب الدولة، ولا عماد لهم غيرها، فهي أمة مُعرَّضة دائمًا للتدهور مهما غرَّت ظواهُرها.

(٢٥) مظاهر الحزن قد تكون مثل صمامات الأمان؛ فالذي يحاول منعها إذا اشتد الحزن قد يكون حاله مثل حال الذي يجعل جروحه تدمي في داخل جسمه، بدل أن تدمى على ظاهره وعلى جلده فيُعالجها، وهي إذا دميت في داخل جسمه سببت التقيُّح والتسمُّم في بدنه، وكذلك من يقهر أحاسيسه الشديدة كل القهر، ولا ينفس عنها بعض التنفيس بالعمل، أو القول، أو الكتابة وما شابه ذلك يكون كأنه تسمَّم بها.

(٢٦) إذا لم تجد النفس منفذًا إلى النجاح والتبريز في الأمور العظيمة، فلا تنتعش إلا بالنجاح والتبريز في الأمور الصغيرة، وقلما تنتعش وتطمئن إلى السكينة التامة الخالية من أي مظهرٍ من مظاهر النجاح؛ فإنها حينئذٍ تنطوي على نفسها، ويصيبها الملل والحزن إذا لم تجد ما تتلهى به، مما يؤدي إلى النجاح والتبريز في أي أمرٍ من الأمور صغيرها وكبيرها.

(٢٧) أشد الناس أثرة وأنانية لا يتورعون من إحراق مدينة كي يقلوا بيضة؛ أي لا يتورعون من تسبيب أشد الضرر من أجل منفعةٍ تافهةٍ، ومع ذلك لا يغتر الناس كما يغترون بذوي الأثرة والأنانية؛ لأن مطالب أثرتهم والرغبة في الفوز بها قد تدعوهم إلى ملاطفة الناس واسترضائهم؛ فيخال ذلك من سلامة طويتهم وطيب أنفسهم، فيأنس إليهم الناس، إلا إذا كان صاحب الأثرة أحمق لا يعرف كيف يستدني مآربها بملاطفة الناس وإظهار غير ما يبطن.

(٢٨) خطرات النفوس الخفية تكون حسب ميول النفس ونزعاتها، وأما آراؤهم فحسْب ما تعلموا، ولكن أعمال الناس حسب العادات التي تعودوا. ومن أجل ذلك لا يصح أن يُخدع المرء بالناس، وأن يخلط بين هذه الأمور الثلاثة، كما لا يصح أن يعتمد على طبعٍ واحدٍ من طباع نفس إنسان يعرفه، ففي النفوس طباع متناقضة، ولا يصح أن يعتمد كل الاعتماد على آرائه وأقواله وأحاديثه إلا إذا صدقتها ووافقتها عاداته، وإلا كان عمله ضد رأيه في بعض الأحايين؛ فكثيرًا ما تسمع الرجل يفصح عن رأيٍ أو عقيدةٍ، ويعطي المواثيق على أن يعمل وفقها، ثم لا يفعل، بل يفعل ما تقتضيه عاداته، فكأنما الإنسان آلة مسيرة يُدبِّرها لولب العادة كما تدار الآلة في المصنع.

(٢٩) للإنسان مزايا ظاهرة تجلب المدح، ولا ينال صاحبها غير المدح. وقد يكون ممدوحًا خائبًا، فكأنه مدح عقيم، وللإنسان مزايا أقل ظهورًا، من نالها جلبت له السعادة، وأعانه الحظ. ومثل هذا الإنسان الذي نالها كأنما محركات عقله ونفسه متفقة ومحركات الحظوظ، كما تتفق عجلات الساعة في سيرها أو عجلات الآلة، ومثل هذا الرجل قلما يخطئه الناس، أو يذمونه، أو يُسبِّبون له الخيبة، ومثل هذا لا يشترط فيه تمام الفَهم، وكمال الفضل، بل قد يكون نقصه فيهما معينًا له على النجاح، وبعكس ذلك تجد أناسًا لا يستطيعون تجنُّب مؤاخذة الناس ولومهم وانتقادهم مهما أجادوا وأحسنوا في القول والعمل.

(٣٠) المتملق الساذج يمدح كل إنسانٍ بكلامٍ يعده لكل من يريد مدحه، وهو على وتيرة واحدة، والمتملق الماهر يمدح كل إنسان بما يود ذلك الإنسان أن يُمدح به، وبما يمدح به نفسه، والشرير هو الذي يمدح إنسانًا بما يضره ويؤذيه، وإذا مدحت من كان في مثل فضلك أوجبت لنفسك المدح، وإذا لم تمدح من هو أكثر منك فضلًا أنكر الناس فضلك بالقياس.

(٣١) بعض من يود معرفة أسرار الناس يبادرهم بالحديث بالأمر الذي يريده على غفلةٍ منهم واستئناس، كمن ينادي إنسانًا أخفى وغيَّر اسمه فيُناديه باسمه على حين غفلةٍ منه، أو يعرض له بما يريد معرفته ويتأمل وجهه خلسة. وقد يصلح رأي هذا الباحث إلا إذا كان جليسه هيوبًا، فيصدق فيه قول الطغراني: إنَّ الهيوبَ مُريب.

(٣٢) ينبغي للقاضي أن يذكر دائمًا أن الشرائع والقوانين لم تنشأ كي تكون أحبولة صيدٍ وفخاخًا وشباكًا يصاد بها الناس كيفما كانوا وبأية طريقة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.