موليير العصر

وَدَّعَ المسرحَيْن في الأيام الأخيرة رجلٌ شَغَلَ المسرَحَيْن زهاء ستين سنة، ونعني به «جاسنتو بينافنتي» الذي يُلقَّب بموليير العصر أو موليير الإسبان. ونعني بالمسرَحَيْن: مسرح التمثيل، ومسرح الحياة. لأن مسرح التمثيل قد ظفر منه بنحو مائتي رواية كبيرة وصغيرة، ومسرح الحياة قد شهده في كل فصل من فصول التاريخ الإسباني الحديث، وما أكثر فصوله في الجيلين الأخيرين بين الملكية والجمهورية، والحرب الأهلية والفاشية أو ما يشبه الفاشية في نظامها الأخير!

وكان «بينافنتي» نموذجًا إنسانيًّا عجيبًا في عبقريته الفنية وفي قدرته على التأليف، وكأنما دخل الدنيا في ثياب دور من أدوارها لا يختلط بدور آخر، فكانت الدنيا مسرحًا كبيرًا له كما ينبغي أن تكون — في رأيه — لكل من يشتغل بالمسرح تأليفًا وتمثيلًا وهواية، وكان له أعداء كثيرون ولكنه كان يُعَادِيهم وهو يبتسم، وكانوا يُعَادُونَه وهم يبتسمون؛ لأنهم لم ينظروا إليه قط إلا كصاحب دور يملي عليه العداوات والصداقات، فيستخدمون أيديهم في التصفيق له قبل أن يستخدموها في ضربه أو القبض عليه. وقد لقي ألوانًا من الاعتقال والنفي والهرب والمصادرة، ولكنه كان يدخل من باب المسرح في الفصل التالي بغير مشقة، وكأنما يدخله على موعد وانتظار!

تعلَّمَ القانونَ، ثم ترك دراسته وطاف الدنيا مع ملعب من ملاعب البهلوانات، ثم نظم الشعر غزلًا وفكاهة، وكتب المسرحيات للتسلية والتنكيت على خلق الله المضحكين، ومنهم — في رأيه — كثيرون خارج الملاعب والمسارح، يتفرج عليهم الممثلون والمؤلفون للتمثيل.

والرجل طيب كبير الثقة بالطيبة الإنسانية، ومن طرائفه أنه يجعل هذه الطيبة الإنسانية فريسة الأوغاد في الروايات، وأنه يَضْحَك منها ويُضْحِك سامعيه في أكثر مسرحياته، ثم يأبى أن تنتهي الرواية دون أن ينصر هذه الطِّيبة على المحتالين وعُبَّاد التقاليد.

في إحدى رواياته المشهورة «روابط المصلحة»، يجعل المحتالين الفطاحل يُجْمِعون رأيهم، ويُحْكِمون تدبيرهم؛ للانتفاع من حب فتاة غريرة، ثم تنتهي الرواية وهم صرعى التدبير والمفاجأة معًا، والفتاة هي المنتصرة بعاقبة التدبير والمفاجأة على السواء.

وفي رواية أخرى «بساط الفرو»، يحتال قوم على سيدة نبيلة تبحث عن طفل تُرَبِّيه، فيدسون عليها طفلًا من اللقطاء يزعمون أنه ابنٌ غيرُ شرعي لأخيها المتوفى، ثم تنكشف لها الحِيلَة فتعقد النية على إقصاء الطفل ورده إلى ذويه، فتغلبها طيبةُ الصغير وبراءتُه، وتَحْرِق أوراق النَّسَب وتُحطِّم أغلال التقاليد لتستبقيه لديها وتحله عندها محل الورثة الشرعيين.

وفي رواية غيرها تختلط الإنسانية بالبهلوانية بخيال الظل بالتهريج، وتنتهي إلى العِبْرة بعواقب القسوة «القاسية».

زمرة من التماثيل والتحف المنزلية تدب إليها الحياة بآية من آيات السحر، فيقع رجالها في حب نسائها، ويقع نساؤها في حب رجالها، ويدوي المنزل بالمنازعات والمطارحات ومواقف الهزل والمجون، ثم ينسى أحدها آداب الحب أو آداب الإنسانية، فيقضم بأسنانه قطعة من اللحم من خد تمثال آخر، فتفارقها الحياة جميعًا وتعود كما كانت، وقد كان ذلك التمثال القديم مكسورًا من جانب خده قبل أن تدب فيه الحياة.

وكثيرًا ما يغضب هذا العبقري المضحك — المضحك من نفسه ومن غيره — ولاة الأمر في بلاده، فيهرب منها، ولكن إلى أين؟ … إلى روسيا دون غيرها من بلاد العالم، ويهرب إليها مع ملعب «سيرك» للتهريج والألعاب البهلوانية. ولم يكن الرجل شيوعيًّا ولم تَسْلَم الشيوعية من لسانه، وإن اقترب أحيانًا إلى حدود اليسار، ولكنهم عرفوه على علاته فلم يقاربوه بسوء، وعاد إلى وطنه في أمان.

وعنوان رواية من رواياته يُغْنِي عن شرحها في هذا المقام، فإنه ألَّف رواية سماها «سانتا روسيا»، أو القديسة روسيا، وسخر فيها من المُقَدِّسين لروسيا الحمراء بين أبناء وطنه، فجعلها كما جعلوها قديسة عظيمة البركات والنفحات. وكان الرجلُ ابنَ وطنه حقًّا حين اختار ذلك الاسم لروايته، فليس أكثر من «سانتا» ومن «سانتوسي» في بلاد الإسبان، ولعله بهذه الطيبة وبهذه الفطرة الإنسانية قد استحق جائزة نوبل سنة ١٩٢٢.

مات الرجل في الثامنة والثمانين، ولم تفارقه طفولته وخفته وطيبته بعد تجارب العمر الطويل، وقد تمت مسرحياته ودواوينه مائتين، وضاعت من مؤلفاته — عدا المائتين — مسوداتٌ مبعثرة وممنوعات مصادرة، فاستنقذ بعضها ولم يحفل باستنقاذ البقية.

وحسبه من الأثر مائتان، بل حسبه أن يبقى من المائتين عشرون.

وإننا لنذكر هذا الفيض من التواليف والتصانيف، ونَعْجَب لهذه الخاصة التي امتاز بها كُتَّاب المسرحيات الإسبان؛ فقد بقي من روايات كالدرون نحو مائة وعشرين، عدا الأحاديات، وعدا المفقود من هذه وتلك، وهو يُعَدُّ بالمئات. وأحصى بعضهم روايات «لوب دي فاجا»، فبلغت ألفًا لم يبقَ منها إلا القليل، ولم يُعرَف مثل هذه الإفاضة عن مؤلفي المسرح أو غيرهم من المؤلفين في الأمم الأخرى، فما سر هذه الخاصة يا تُرى في الأمة الإسبانية دون غيرها؟

أحسب أنها أسرار متعددة لا تنحصر في سر واحد، فمنها الرقص الذي تتعدد فيه أدوار الرجال والنساء، ومنها التمثيلية الدينية التي تقترن بالغناء والإيقاع، ومنها حب التسلية في جمهرة الإسبان، وسرعة الملل، ووفرة النقائض في المجتمع من قبل الفتح العربي إلى الكشوف الأمريكية إلى التقاليد المختلطة، بين قوم محافظين لا تزال بلادهم عرضة لاقتحام البدع من حين إلى حين.

وسر هذه الأسرار جميعًا: طبيعية الخفة، وحب الثرثرة، ومسرحية الحياة الإسبانية كلها، وهي المسرحية التي لا تفرغ من الفصول والمناظر وراء الستار وأمام الستار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.