… ما الفرق بين قول القائل عن أمة من الأمم: إنها أخذت بأسباب المدنية والتقدم، وقوله عن هذه الأمة أو غيرها: إنها سارت في مدارج الحضارة والارتقاء.

إننا نقرأ هذه العبارات بقلم الكاتب الواحد في مناسبة من المناسبات، فهل هناك فرق بين المدنية والحضارة؟ وهل هناك أمة لها حضارة وليس لها نصيب من التقدم والارتقاء؟

أرجو من سيادتكم توضيح ذلك في يومياتكم مشكورين.

محمد محمد محمود، كلية التجارة – القاهرة

لا فرق بين الحضارة والمدنية؛ لأن إحداهما تنسب إلى الحضارة، والأخرى تنسب إلى المدنية، ومعناهما واحد في اصطلاح كُتَّاب التاريخ وعلوم العمران، وإذا تُرجمت الكلمتان إلى اللغات الأوروبية فترجمتها كلمة واحدة؛ هي كلمة Civilization، التي تنسب إلى المدنية، وتوصف بها آداب المتمدنين.

ويجوز أن تكون للأمة حضارة وليس لها نصيب من التقدم والارتقاء، وإنما يحدث ذلك في الأمم التي بلغت فيها الحضارة غايتها، وجمدت على تقاليدها وعاداتها، واحتفظت بآثار التقدم السابق والارتقاء القديم، ولكنها فقدت عوامل الاستمرار في التقدم إلى شوط جديد.

ولهذا يفرق بعض الكُتَّاب المتأخرين تفريقًا بعيدًا بين معنى الحضارة ومعنى الثقافة التي يعبرون عنها بكلمة «الكلتوشر» Culture.

فهم يطلقون اسم الثقافة على البواعث النفسية والعقلية، وعقائد الفكر والضمير التي تنشئ للأمة مقاييس للعمل والسلوك غير مقاييسها الأولى، وتحفزها إلى التقدم على هَدْي هذه المقاييس إلى حضارة تخلقها بمجهود جديد.

ومتى أثمرت آداب الثقافة ثمراتها الفعلية، فهذه الثمرات هي أركان العمران التي تتجلى في مظاهر الثروة المحسوسة، وفي معالم المدنية، وذرائع القوة والاقتدار على تغليب مقاييسها بين الناس بسلاح الحرب، أو أسلحة السلم والقيادة المرضية.

وقد تجد الحضارة على مظاهرها بعد انتقالها من حيز العقيدة والإيمان، أو حيز المدركات المحسوسة؛ فلا يُرجى لها التقدم بغير بعث جديد من أعمال الفكر والروح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.