ما أكثر ما كُتب في القدرية والجبرية، وهل الإنسان مختار أو غير مختار؟ وإنني لأحسب أن الأمر في هذا الموضوع مثله في غيره من الموضوعات. ليس الحق كله في جانب واحد، وقد يكون الحق في الجانبين. والواقع أن الإنسان مختار ومجبَر في الوقت عينه، وأن حظه من الاختيار يتأثر بعوامل لا يد له فيها، وهو مضطر بحكمها إلى توجيه اختياره وجهة معينة.

أقول هذا وأذكر حياتي أنا بالذات. فقد وعدني والدي يوم أن كنت بالسنة النهائية من دراستي الثانوية أن يبعث بي إلى إنجلترا لأدرس الهندسة فيها. واستشار ناظر مدرسة الخديوية — وكان إنجليزيًّا — فاختار مدينة ليدز لدراستي بها. ونجحت في الامتحان نجاحًا سُرَّ به والدي، وبدأت أفكر في السفر إلى إنجلترا وأنا مغتبط بذلك أشد الاغتباط.

وشاءت المقادير أن يُتَوَفَّى جدي لأبي بعد أسابيع من ظهور نتيجة الامتحان. وجاء أصدقاء والدي يُعزُّونه، فأخذ يستشيرهم في أمري، فأشاروا جميعًا بأن من الخير أن أدرس الحقوق، واطمأن والدي إلى مشورتهم رغم معارضتي الشديدة لها. لكني لم أكن أملك أن أخالف والدي عن رأيه؛ فنزلت كارهًا على ما أشاروا به وقدمت أوراق التحاقي إلى مدرسة الحقوق الخديوية.

لكني بقيت ثائرًا فيما بيني وبين نفسي، ولم يُهدِّئ من ثورتي ما قيل لي من أن الوزراء جميعًا هم رجال القانون، وأني إذا درست القانون فقد أكون يومًا ما محاميًا نابهًا، أو مستشارًا بالاستئناف، أو وزيرًا. وكان القَبول بالحقوق يتقدمه امتحان مسابقة. فلما تحدد موعده ذهبت من الريف إلى القاهرة لأداء هذا الامتحان. لكني ما لبثت حين نزلتها أن بعثت إلى والدي ببرقية فحضر إلى مصر فأخبرته أنني أريد أن أنقل أوراقي لألتحق بمدرسة الطب، فأبَى ذلك عليَّ، فلم يكن لي بُدٌّ من أن أدخل الحقوق بعد أن نجحت في مسابقتها. ودخلتها كارهًا.

وكان مصير الذين يرسبون في أية سنة من سني الدراسة بالحقوق أن يُفصَلوا منها. ووددت أن يكون ذلك مصيري فلم أرهق نفسي في استذكار المواد التي كانت تُدرس لنا. لكني مع ذلك نجحت ونُقلت إلى السنة الثانية، فلم يكن لي بُدٌّ من أن أتابع دراستي إلى نهايتها. ولعل ذلك هو ما شجع والدي على أن يبعث بي إلى باريس لأحصل على إجازة الدكتوراه من جامعتها.

وبعد عودتي فتحت مكتبًا للمحاماة بالمنصورة. وبعد ست سنوات من ذلك تزوجت، ثم لم تمضِ سنة على زواجي حتى تُوُفِّيَتْ والدة زوجتي؛ فاضطُررت إلى نقل مكتبي للقاهرة لأقيم مع حماي حتى تشرف زوجتي على شئون منزله.

وكنت إذ ذاك أكتب مقالات سياسية وغير سياسية في جريدة الأهرام. وفي سنة ١٩٢٢ تألَّف حزب الأحرار الدستوريين، ودُعيت لأن أكون رئيسًا لتحرير الجريدة التي تنطق بلسانه. واستشرت والدي فأشار عليَّ بقَبول هذه الرياسة، مع أنه كان قد أشار عليَّ قبل ذلك برفض منصب محترم في الحكومة عُرض عليَّ.

وأدت مثل هذه الظروف التي اختلط فيها الاختيار بالاضطرار إلى ما أنا فيه اليوم. أتراني أستطيع أن أقول إنني كنت مختارًا في شيء من ذلك كله اختيارًا مطلقًا؟ وأنا لا أستطيع مع ذلك أن أقول إنني كنت مجبرًا عليه جبرًا مطلقًا.

ويُخيَّل إليَّ أن شأني في هذا لا يختلف عن شأن غيري من الناس، وأنَّا نتقبل حكم الحياة علينا مختارين اضطرارًا، فإذا جاء أجلنا قبلنا الموت مختارين اضطرارًا كذلك.

ولله في خلقه شئون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.