لا نبالغ ولا نلهو بالكلام إذا قلنا إن الحب يلعب دورًا في حياتنا لا يدانيه في أهميته وخطورته دور أي عامل آخر من تلك العوامل التي تقوم عليها حياتنا الطبيعية وحياتنا الاجتماعية، بل هو يكاد يكمن خلف كل وجه من وجوه النشاط كما تكمن نسمة الحياة في كل عضو حي تدفعه وتوجهه. ولعلك تعلم أن من العلماء من يضيف إليه كل نشاط في حياة الإنسان لا يستثني من ذلك شيئًا. على أننا نتجنب دائمًا الأحكام العامة الشاملة ونتوجس منها خيفة شك، فلنقنع إذن بالاعتراف له بمكانة خطيرة في حياة الفرد والمجتمع.

وإنه مما يستحق الذكر أن بعض الفلاسفة كان يتصور أن هذا الحب لا يقتصر نفوذه على حياة الإنسان والحيوان، ولكن يتعداه إلى حياة الطبيعة نفسها إلى حياة المادة، أو إلى وجود المادة إذا راعينا الدقة، هؤلاء كانوا يرونه عاملًا من عوامل تكوين الوجود، فالفيلسوف القديم أمبيروكل كان يقول بأن أصل الوجود هو العناصر الأربعة المعروفة، وأنه باتصالها وانفصالها تحدث الأشياء جميعًا، وأن ذلك الاتصال والانفصال يحدثان بفعل قوتين هما المحبة والبغضاء؛ كذلك كان شوبنهور يقول بأن الأنانية توجد في عناصر الطبيعة، وأنها تتخذ صور الدفع والجذب أو الكراهية والحب.

ولا شك أنه من الممتع أن يكشف الإنسان الستار عن كنه هذا المعنى الجميل، هذه القوة القاهرة التي تسيطر على حياتنا وتملك عنان خواطرنا وتؤثر أكبر الأثر في حاضرنا ومستقبلنا.

والكلام عن الحب وثيق الارتباط بالكلام عن الغريزة الجنسية، فمهما ارتقت العاطفة إلى السمو فليس يقطع سموها الصلة التي تشدها إلى منبعها الغريزي البسيط في طبيعة الإنسان، بل لعله لو حدث هذا القطع لكان هو القاضي على العاطفة وسموها معًا، فمن الضروري — لكي نفهم الحب — أن نُعنى أولًا بفهم هذه الغريزة، وهو ما تخصص له هذه الكلمة.

تقوم الغريزة الجنسية على إفرازات داخلية تفرزها غدد خاصة تسيطر على نمو الأعضاء التناسلية، وهذه الغريزة شائعة بين جميع الحيوانات، ولكن حالتها تتغير مما يدل على أنها خضعت لتطور عام تختلف درجاته في الحيوانات البسيطة عنها في الحيوانات الكبيرة والحيوانات العليا.

ويقول الأستاذ ريبو إن الغريزة الجنسية في شكلها البسيط عند الحيوانات الميكروسكوبية والحيوانات المتجانسة تظهر لها أعراض حيوية وعضوية، ففي النقاعيات يتحد الزوجان ويتصلان حتى يصيرا كأنهما شيء واحد، فتقوى الحياة فيهما وتتضاعف، ثم ينفصلان عن بعضهما وقد وُهِبَ كل منهما حيوية جديدة تمكنه من الانقسام والتوالد وحده زمنًا طويلًا قبل أن يضمحل. وهذه الحالة تذكرنا بما نعرف عن خلايا الجسم الإنساني وما يحدث لها من الانقسام والانفصال، ويضيف بعض الفسيولوجيين إلى النقاعيات حاسةً جنسيةً متمتعةً بالشعور، ويقولون إنه قبل أن تتصل الواحدة منها بالأخرى تحس برغبة خفية في الالتئام والتزاوج، وأن هذه الرغبة هي التي تدفع بالواحدة إلى أحضان الأخرى. ويرى آخرون في اتصال النقاعيات وانفصالها تفاعلات كيميائية لا حياة فيها ولا شعور. على أن مثل هذا الحكم يُشعر بما فيه من تطرف غير محمود في دراسة الظاهرات النفسية؛ ولذلك فقد لا يحب بعض علماء النفس — مثل ديماس — أن ينشئ أي علاقة بين الخلايا الجسمانية والظاهرات الفسيولوجية السيكولوجية التي تكون الغريزة الجنسية — على هذا الاعتبار — مستقلة عن دراسة هذه التفاعلات الكيميائية البيولوجية.

والغريزة الجنسية تتحور في الحيوانات العليا إلى رغبة، إلى حاجة مُلحَّة، لا يؤثر اختيار الفرد من قوتها أو ضعفها، أو أن قوتها أو ضعفها لا تتحدد باختيار الشخص ورغبته.

ويذهب بعض الأطباء والفسيولوجيين إلى أن كل حاجة نفسية إنما تنشأ من نمو الأعضاء المحيطة الخارجية والغدد المتصلة بها. وهو رأي الماديين الذين يعتبرون الحالات النفسية أو الظاهرات العقلية كآثار تصدر عن المادة الجسمية أثناء تطورها وتعقدها.

يقول كرافت إبنج: «الحياة الجنسية تظهر أول ما تظهر عن طريق إحساسات تأتي من الأعضاء الخارجة أثناء نموها.» ويقول بوني إن هذه الأعضاء تُحدث فجأة إحساسات جديدة، يسري أثرها إلى الجهاز العصبي فيحيل من الذكاء والإحساس والأخلاق.

ويوجد بجانب هؤلاء، علماء آخرون مثل جوني رو ممن يستهينون بهذه الآراء ويقولون باستقلال الغريزة الجنسية عن الأعضاء الخارجية وما تجلبه من إحساسات، ولو أنهم يسلمون بما لهذه الإحساسات الدخيلة من أهمية خطيرة في تطور الغريزة الجنسية. وجوني رو يرى في الغريزة الجنسية حالتين: رغبة عامة غامضة تكمن في الجهاز العصبي كله، رغبة يحس الإنسان بسريانها ويشعر بالحاجة إلى إشباعها من غير أن يفطن إلى ما يشبعها، وقد أجاد روسو وصف هذه الحالة النفسية حين يقول: «كنتُ مضطربًا مذهولًا حالما أبكي وأتنهد، وكنت أتوق إلى هناء ليس لديَّ عنه فكرة، ومع ذلك كنتُ أحس بحرماني منه.»

ثم رغبة واضحة تستقر في محل وتعرف ما يشبعها، وهذا رأي العلماء الذين يؤمنون باستقلال الحياة النفسية من غير إنكار لما بينها وبين الوجود المادي من علاقة وثيقة متبادلة التفاعل.

ومهما اختلفت الأقوال وتعددت المذاهب في تعيين منشأ هذه الغريزة، فمما لا شك فيه أنها موجودة، وأنها قوية متمكنة ممتدة السلطان على حياة الفرد والجماعة، وبحثُنا لها من الوجهة الطبيعية الفسيولوجية لن يخرج عما سردنا من مجمل الآراء، ولكن ليس معنى هذا أنه كل ما يمكن أن يقال عنها، بل لعله لو قورن بالدراسات الأخرى المتعددة التي تتناولها من وجهات مختلفة تبين أثرها في حياة الفرد والمجتمع، ولعله لو قورن بذلك كله لَوُجد تافهًا بسيطًا. ونحن نعتقد أن كل النتائج المعقدة التي تنتج عنها وكل الأدوار التي تلعبها إنما يمهد لها المجتمع … المجتمع، ذلك المعنى المادي الذي يؤثر في حياة الأفراد أثرًا لا يدانيه أثر على الإطلاق. المجتمع بقوانينه وأحواله هو الصانع لكل الأحوال والأشكال التي تلبسها هذه الغريزة وتظهر بمظاهرها. هو المسرح الطبيعي الذي تُمَثَّل عليه أدوار التقى والشر، والطاعة والعصيان، والاستسلام والثورة، والتسامي والانحطاط، وتفسير ذلك في رأينا أن المجتمع بظروفه وأحواله يحارب الغريزة الجنسية وينصرها ويقهرها ويقويها، ويصب عليها ما يُسَيِّرها، ويمدها بما يوقظها ويحييها، فهو بدينه وتقاليده وقوانينه يضطهدها ويحاربها، وقد يشتد فيزهد فيها، وأهون ما يفعله فيها أن يلقي عليها ثوبًا مدنسًا من العار والخجل. وهو من جهة أخرى بمشاهده ومراقصه وفنونه وآدابه — بل بنفس تحريمه — يقويها ويوقظها، فكأنه يهيئ لها أسباب القوة والضعف والحياة والموت.

وطبيعي أن ينشأ عن ذلك حالة الصراع التي تشاهد في المجتمع، وأحوال الإفراط والتفريط التي تتبادل قذائفها بين الصوامع ودور الخلاعة، فمن الناس من تسمو به غريزته إلى السماوات، ومنهم من تهوي به إلى الحضيض، ومنهم من يتردد بين هذه وتلك في اضطراب وشقاء.

على أن تفصيل هذه الأحوال يحتاج إلى ما لا نملك من الوقت، ونحن إنما أردنا بكلامنا عن الغريزة أن نمهد إلى كلامنا عن الحب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (5)

  • default avatar
    Belkacem Bendraaou ·٣١ أكتوبر ٢٠١٦، ١٣:٥٨ م

    السلام عليكم لكم كل التحية والتقدير على هذا العمل النير والرآئع أطلب من حضراتكم أن تساعدوني لأجد الروابط من أجل تحميل بعض روايات الأديب العربي الكبير نجيب محفوظ رحمه الله ولكم جزيل الشكر

  • default avatar
    Belkacem Bendraaou ·٣١ أكتوبر ٢٠١٦، ١٣:٥٥ م

    السلام عليكم لكم كل التحية والتقدير على هذا العمل النير والرآئع أطلب من حضراتكم أن تساعدوني لأجد الروابط من أجل تحميل بعض روايات الأديب العربي الكبير نجيب محفوظ رحمه الله ولم جزيل الشكر

  • default avatar
    Belkacem Bendraaou ·٣١ أكتوبر ٢٠١٦، ١٣:٥٥ م

    السلام عليكم لكم كل التحية والتقدير على هذا العمل النير والرآئع أطلب من حضراتكم أن تساعدوني لأجد الروابط من أجل تحميل بعض روايات الأديب العربي الكبير نجيب محفوظ رحمه الله ولم جزيل الشكر

  • default avatar
    Hamid Azdoud ·١٤ مايو ٢٠١٥، ٨:١ ص

    مؤسسة الهنداوي هي الأولى والسباقة الى نشر المحتوى الرقمي ,ونشر المعرفة . نشكركم جزيل الشكر .

  • default avatar
    Abohajer Khalid Abohajer ·٢٦ أبريل ٢٠١٥، ١٠:١٩ ص

    نعم نعم لقد اعجبتني جدا صفحتكم الغنيه والكريمه ،، هنداوي العزيزه،،