للقصة القصيرة — عربية وعالمية — قواعد وقوالب اتفق النُّقَّادُ على ضرورة استكمال القصة لها لتكون وحدة فنية متكاملة البنيان، فتبدأ مثلًا بالتمهيد أو الجو ثم العقدة ثم لحظة التنوير … ولكن ما رأيُ سيادتكم في منهج كاتب عالمي كأنطون تشيكوف — ومن المحدثين مَن سار على دربه — لا يعبأ كثيرًا بتلك القواعد والقوالب وأدبُه مع ذلك خالدٌ متجدِّدُ الحيوية على الرغم من أن جانبًا كبيرًا من قصصه تكون خاطرة طائرة لا أكثر، فما هو المقياس الحق والقول الفصل في هذا المضمار ليكون أدبُنا في القصة القصيرة معتدًّا به بين آداب العالم؟

محمد الخضري عبد الحميد، ملوي

الواقع كما يقول الأستاذ محمد الخضري أن أدب تشيكوف خالد متجدد، فهو إذن مستغنٍ عن تلك القواعد التقليدية التي فرضها بعض النُّقَّاد على كُتَّابِ القصة القصيرة، وتلك القواعد إذن تتسع لقواعد أخرى يتحقَّق بها الغرض المقصود من كل قصةٍ قصيرة تبقى وتتجدد وتصلُح أن تكون مثالًا تستمد منه قواعد الكتابة على منهج من مناهجها الكثار.

إن بعض الكُتَّاب المُلهَمِين قد يُودِع موضوع القصة رسالة يتخيل أنها كُتبت من مجهول أو معروف، ويُتممها الرد عليها أو تتم بغير حاجة إلى ردود.

وبعضهم قد يسوقها حوارًا بين اثنين يتكلمان ويتساءلان ويجهل أحدهما شيئًا فينكشف له من كلام مُحَدِّثِه أو ينكشف لهما من كلا الحديثين.

وبعضهم قد يجعلهما لغزًا ينتظر الحل ولكنه — في الواقع — يكون قد حل اللغز بطريقة الاستفسار عنه أو بوصفه للذين يسردونه ويُصغون إليه.

وربما كانت أضعف الوسائل الفنية وسيلة «يُحكى أن»، ومعها وسيلة «المقصود من هذه الحكاية»؛ لأنها الوسيلة التي لا فضل لمَن يتوسل بها في خلق الجو وترك الأثر يتولَّد بغير انتباه إليه ولا انتظار للتمهيد والتنوير.

وأيًّا كانت القواعد المزعومة فليس من الجائز أن نفرض طريقة كاتب عبقري على كاتب عبقري آخر؛ لأن كل كاتب من عباقرة هذا الفن له حقه في اختيار أسلوبه واجتناب المحاكاة لغيره من أمثاله وأنداده، وحَسْبُهُ أن يعطينا الأثر المطلوب من «الموقف الاجتماعي» أو «الحالة النفسية» أو «تَدَاعِي الخواطر» أو أشباه ذلك من مادة القصة القصيرة؛ ليكون قد وَفَّى المقام حَقَّهُ وأضاف قاعدة إلى القواعد التي اختارها سواه، دون أن يكون لهذا أو ذاك سلطان مطلق في إغلاق حرية الاختيار على الآخرين.

وأذكر أنني قرأتُ مرة في إحدى المجلات إعلانًا على غير صفحات الإعلان فإذا هو قصة قصيرة وافية بالغرض المقصود من القصص القصار.

وقد يذكر الأستاذ «محمد الخضري» أن تشيكوف كان يُوهم القارئ أنه يصف حركات كلب ولا زيادة، ويمضي ليُعطينا قصصه القصار في هذا الوصف السريع، وقد يذكر الأستاذ قصص جي موباسان التي لا تزيد على حديث سهرة يتأمَّله القارئ فيعلم أنه انتهى وهو يظن لأول وهلة أنه قد أرسله بغير انتهاء، فليس لهذا الفن من قاعدة غير التوسُّل بأسلوب من الأساليب إلى الأثر النفساني والحيوية المتجدِّدة التي أشار إليها السيد الخضري في وصفه لفن تشيكوف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.