… سبق أن تفضلتم بالإجابة عن السؤال الخاص بنظرية النسبية والموجَّه إلى سيادتكم من الأستاذ الألمعي محمد التابعي، فهل تتفضلون بالقول الفَصْل في موضوع تعدد الزوجات بين النظامين الإسلامي والمسيحي الذي أثاره الأستاذ البحاثة المُحقِّق الغزالي حرب في أخبار اليوم وعلَّق عليه بعد ذلك السادة سمير وهبي والدكتور محمد ناجي، ثم القس لبيب ميخائيل في الأخبار؟ وهل الصواب في جانب الأستاذ الغزالي القائل إنه ليس في كتب العهدين آية واحدة صريحة في منع تعدد الزوجات، أو في جانب القس ميخائيل القائل إن المسيحية تحرم تعدد الزوجات بنصوص صريحة في العهد الجديد؟ …

عدلي كامل بهيج المحامي

وأقول للأستاذ الفاضل إن كتب العهد الجديد لا تشتمل على نص صريح يمنع تعدد الزوجات، وإن قول السيد المسيح عن الرجل والمرأة أن الله خلقهما ذكرًا وأنثى وأن الذي جمعه الله لا يفرقه الإنسان قد ورد في سياق الكلام على الطلاق ولم يرد في سياق الكلام على تعدد الزوجات، وهو — مع هذا — لا يمنع التفرقة بين الزوجين؛ لأنه يجيزه لعلَّة الزنى، ولا يمنع أن يكون إجراء الزواج وإجراء الطلاق بمشيئة واحدة هي مشيئة الله.

وينبغي في جميع الأحوال أن نعود إلى عبارات السيد المسيح لنفهمها حق فهمها كما تُفهَم الوصايا في طلب الكمال، وهي غير أوامر التشريع والإلزام.

فالإصحاح الخامس من إنجيل متى يروي عن السيد المسيح أنه قال لتلاميذه:

قد سمعتم أنه قِيلَ للقدماء: لا تزنِ، وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه، فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقِها عنك؛ لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقَى جسدك كله في جهنم، وإن كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها وألقِها عنك؛ لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقَى جسدك كله في جهنم. وقيل: من طلق امرأته فليُعْطِها كتاب طلاق، وأما أنا فأقول لكم: إن من طلق امرأته إلَّا لعِلَّة الزنى يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني …

وهذه وأمثالها وصايا عالية في تقبيح الزنى والجشع والتنفير من الرذائل وذرائعها، ولكنها لا تقضي بأن قلع العين التي تشتهي المرأة تشريعٌ يُؤخَذ بنصِّه وحرفه، فليس يخفى خطاب الوصايا والعظات وخطاب التشريع والجزاء.

أما الكلام عن الاكتفاء بالزوجة الواحدة فلم يَرِدْ صريحًا في غير حالة واحدة هي حالة الأسقف والشماس؛ إذ جاء في الإصحاح الثالث من رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس إنه «يجب أن يكون الأسقف بلا لوم بعل امرأة واحدة.»

وجاء في الإصحاح نفسه: «ليكن الشمامسة كل بعل امرأة واحدة.»

ولا موجب لتخصيص الأساقفة والشمامسة بالزوجة الواحدة إذا كان هذا الحكم عامًّا لجميع المتزوجين.

وتاريخ الزواج بعد ذلك يدل على المفهوم من أحكامه، فإن الإمبراطور شارلمان كان كثير الزوجات والسريات باعتراف الكنيسة، وله منهن أبناء شرعيون، والقديس أوغسطين في كتاب الزواج الأمثل Bono Conjugali يوصي من عقمت زوجته أن يتخذ سرية معها، وكان الفقيه الكبير جروتيوس الملقب بأبي القانون الدولي يستصوب شريعة الآباء في الجمع بين الزوجات؛ لأن المعروف عن إبراهيم أبي الأنبياء ومِنْ بعده داود وسليمان أنهم جمعوا بين زوجات كثيرات.

وكل كتاب في تاريخ الزواج يذكر تطور الزواج في الشرائع المختلفة، ويشير إلى بقاء تعدد الزوجات بين الأمم المسيحية الغربية إلى القرن السادس عشر في الحالات التي تسجلها الكنيسة، ولعله بقي إلى ما بعد ذلك في غير هذه الحالات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.