الحمد لله؛ فقد بلغ الشر أقصاه، وانتهت المحنة بهذا البلد وأهله إلى حيث لا يتأتى لها مزيد. وإذا بلغ الشر أقصاه، وإذا بلغت المحنة غايتها؛ فمن المُحقَّق أن أيامًا بيضًا ستتبع هذه الأيام السود، وأن أملًا مشرقًا سيمحو ظلمة اليأس، وأن هواءً طلقًا من الحرية سَيُنَفِّس عن المظلومين، والذين استُذلُّوا وليس لهم من ذنب إلا أن الله خلقهم ليكونوا أحرارًا، فصادفوا أفرادًا يجدون لذة في استذلال الناس.

الحمد لله. ما كنت أُقدِّر أن بأس هذا العصر التي تتجشمه مصر سيتجاوز الأحياء إلى الأموات، وسينال القدماء بعد أن نال المحدثين، وسيتجاوز في هذا كل غاية حتى يصبح فضيحة وخزيًا لهذا البلد الذي كان الشرق يراه موئل الإسلام، وملجأ العلم، ومعقل العلماء، فأصبح الآن وإن أهله ليتأهَّبون لفراقه، وإن اللاجئين إليه ليُطردون منه، وإن الراغبين في زيارته ليتنكَّبون هذه الزيارة مخافة أن يُصيبهم ضيمٌ أو يَنالَهم أذًى؛ فقد أصبحت مصر لا تصلح مقامًا للأحرار.

لقد أنفقت ساعة وساعة، وقرأت في كتاب وكتاب، ولهوت بصحيفة وصحيفة، وتحدثت إلى صديق وصديق، أريد أن أهدئ ثورة الغضب التي ملكتني صباح اليوم حتى أكتب مطمئنًّا مستقر النفس، ولكني لم أوفق ولم أبلغ من الهدوء واستقرار النفس ما بلغه رئيس الوزراء من هدوء الحال واستقرار النظام. لقد قرأ الناس جميعًا صباح اليوم أن الحكومة صادرت «تاريخ بغداد»؛ لأن في جزء من أجزائه، الذي لم يتم طبعه بعدُ، كلامًا عن أبي حنيفة لم يُرضِ الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر.

قرأ الناس هذا في مصر وسيقرءونه غدًا في فلسطين والشام، وسيقرءونه بعد غد في العراق وبلاد العرب، وسيقرءونه في الهند، وسيقرءونه في أفريقية ثم في أوروبا وأمريكا، وسيوصم هذا الجبين المصري الذي كان إلى الآن وضاءً وضاحًا مشرقًا نقيًّا بميسم من الخزي والعار، وسيقال في أطراف الأرض وفي بيئات العلماء من الشرقيين والغربيين أن الحكومة المصرية في القرن العشرين تصادر كتابًا أعجب به المسلمون تسعة قرون، وتهالك المستشرقون على درسه وترجمته، وكان كل باحث عن التاريخ والعلم يتمنى لو ظفر به، فصادرته الحكومة وحملت نسخه في السيارات إلى وزارة الداخلية لتمزقه، أو لتحرقه، أو لتلقيه في النيل. صادرته لأن شيخ الجامع الأزهر لم يَرضَ عما قال صاحبه أو روى في أبي حنيفة. هذا كثير، هذا إسراف.

إن الذين يعصفون بالحرية، ويستذلون الناس، ويهدرون حرية الرأي، ويطئون بأقدامهم كرامة العقل، هؤلاء الناس خليقون أن يذكروا كرامة الوطن، وأن يفكروا في أن هذا الذي يصنعونه بكتاب الخطيب البغدادي سيستخذي له المصريون جميعًا إذا لقوا أحدًا من علماء الشرق والغرب. فإذا هانت على سادة اليوم قيمة الحرية وحقوق الوطن؛ فليتقوا الله في سمعة الوطن، وليَرْبَئُوا بأبناء مصر عن أن يطأطئوا رءوسهم أمام أبناء الشام والعراق حياءً وخزيًا.

ما ذا؟ أفهم أن تُقاوِم الأحزاب السياسية أحزابًا سياسية، وأفهم أن تسرف الأحزاب الحاكمة في مناهضة الأحزاب المعارضة، وأفهم أن يُعاقَب الكُتَّاب وأن تُوقف الصحف وأن تُغلق، وأن يُقصى الأساتذة عن كراسيهم في الجامعة، وأن تُصادر كتب المؤلفين الأحياء، وأن يُشهَّر بهم، وأن يجتمع لهم البرلمان. أفهم هذا كله؛ لأنه يعتمد على خصومة سياسية سيئة قوامها الانقياد للأهواء، والاندفاع في الانتقام، ولكنها خصومة سياسية على كل حال، يُمكن أن تفهم، ويُمكن أن تُعلل، ويُمكن بنوع خاص أن تُقاوم.

ولكن الشيء الذي لا أستطيع أن أفهمه، ولا يستطيع إنسان له ضمير حي أن يفهمه، أو أن يُقرَّه، أو أن يصبر عليه، هو أن تصادر كتب العلم الخالص التي أصبحت كنزًا للعقل الإنساني كله؛ لأن شيخ الأزهر لم يرض عنها. وأين كان شيخ الأزهر من الغضب لأبي حنيفة وغير أبي حنيفة من علماء المسلمين؟ إن في كتب الأدب والتاريخ لكلامًا كثيرًا عن هؤلاء الأئمة، منه ما يَسرُّ ومنه ما يسوء.

إن في كتاب الأغاني لشناعات تنسب إلى الأئمة، وإن فيه لأحاديث تتهم أبا حنيفة باللهو والقصف وشرب الخمر. إن في نهج البلاغة لسنًا قبيحًا لأعلام الصحابة والخلفاء الراشدين. فهل يريد شيخ الأزهر أن تُصادر هذه الكتب، وأن يَحرم الناس قراءة التاريخ والأدب لأنه لا يَرضى عنها؟ هل يريد شيخ الأزهر أن تُصادَر كتب الشيعة لأن فيها تَعريضًا بأهل السُّنة؟ وأن تُصادر كتب أهل السنة لأن فيها تَعريضًا بأهل الشيعة؟ هل يريد شيخ الأزهر أن تصادر كتب الفقهاء على اختلافهم؛ لأن الفقهاء يختصمون في الفقه ويتجنى بعضهم على بعض؟ أين يريد أن يذهب بنا شيخ الأزهر؟ وإلى أي حد تريد الحكومة أن تجاري شيخ الأزهر؟

إن أمر الخطيب البغدادي لغريب: كان حنبليًّا فتحوَّل إلى مذهب الشافعي، فكرهته كثرة الحنابلة في بغداد، وأغريت به، وكادت له، واضطرته في وقت من الأوقات إلى أن يُهاجر من بغداد، ويفر إلى حيث يستظل بلواء الفاطميين، ولكنه لم يكد يبلغ دمشق حتى ائتمر الفاطميون به ليقتلوه؛ لأنه من أهل السنة، وليس من الشيعة، فخرج من المدينة خائفًا يترقب، ومضى هاربًا متنكرًا حتى انتهى إلى حلب، وهناك عرف أن الأمور قد صلحت في بغداد، فعاد إليها واسترد فيها مكانته العالية، ومات فيها يحيط به الإكبار والإجلال.

وقع هذا كله في القرن الخامس للهجرة، وفي القرن الحادي عشر للمسيح؛ فانظر ماذا يقع الآن في القرن الرابع عشر للهجرة، وفي القرن العشرين للمسيح، وفي مدينة القاهرة ملجأ علم الإسلام والأدب العربي حين طاردهم الترك والتتار.

شيخنا الأكبر — فيما أظن — شافعي المذهب، ولكنه يحب أبا حنيفة ويغضب له أكثر مما يحبه ويغضب له الحنفيون، وعلى رأسهم مفتي الديار المصرية. يحب أبا حنيفة ويغضب له فيضطهد في سبيله شافعيًّا مثله، ويأمر بمصادرة كتابه دون أن يستشير في ذلك علماء الحنفية، أو يسأل رئيسهم المفتي على أقل تقدير. ما ذا؟ إذا لم يكن بد من الظلم فليُنظَّم هذا الظلم. إذا لم يكن بد من مصادرة كتب العلم؛ فلتوضع قواعد مضبوطة واضحة لهذه المصادرة، وليعرف الناس من أين يأتيهم الشر.

ما ذا؟ لقد عدل البابا عن مصادرة الكتب، واكتفى منذ زمن طويل بتحريم الكتب التي لا ترضاها الكنيسة على المؤمنين. فهلَّا اكتفى شيخنا الأكبر بنهي المسلمين عن قراءة الكتب التي لا يرضى لهم قراءتها، فيقف بذلك عند حدود الله الذي كلفه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ليس غير. ما ذا؟ ما هذه السرعة الغريبة التي اصطنعتها الحكومة في تنفيذ هذا الأمر الأزهري الغريب؟ ليس للخطيب البغدادي سفير أمريكي أو فرنسي يحميه؛ فكتابه يصادر إذن في غير هوادة ولا رفق ولا أناة، بينما كُتب الجامعة الأمريكية تستمتع بالحرية والتنقل في أيدي القراء.

مَن يُجير العلم؟ مَن يُجير العلماء؟ مَن يُجير كتب السلف من مثل هذا العدوان؟

بأي حق يصادر هذا الكتاب وإن في المكاتب الأجنبية لكتبًا مِلْؤها الكفر والإلحاد، وإن فيها لتَراجِم للقرآن مِلْؤها الخطأ والتحريف، وإن فيها لكتبًا أُلِّفت لهدم الأديان ومهاجمة الإسلام خاصة؟ أفتقصر يد الشيخ والحكومة عن هذه الكتب ثم تمتد إلى كتاب البغدادي المسكين؟ بأي حق يصادر هذا الكتاب وتحظر قرءاته على أهل فلسطين والشام والعراق وغيرهم من المسلمين الذين لا يؤمنون لشيخ الأزهر، ولا يدينون لصدقي باشا؟ إذا لم يكن بد من الظلم فليُظلَم المصريون وحدهم؛ لأن منهم شيخ الأزهر، ومنهم صدقي باشا، وليحظر عليهم شراء هذا الكتاب، وليُؤمر طابعه بأن لا يبيعه إلا من وراء الحدود لهذه المملكة المصرية الحرة.

فأما أن يطغى شيخ الأزهر على المسلمين جميعًا وغير المسلمين، وأن يطغى صدقي باشا على المصريين جميعًا وغير المصريين، فشيء أقل ما يوصف به أنه بريء من الذوق. وهل قدَّر شيخ الأزهر، وقدَّرت معه الحكومة مقدار ما أنفق طابع هذا الكتاب من مال وقد أتم منه اثني عشر جزءًا أصغرها لا تقل صفحاته عن أربعمائة؟ وهل يرى شيخ الأزهر والحكومة أن من الإنصاف وإرضاء الله وأبي حنيفة أن يضيع على هذا الرجل جهده وماله في غير بحث ولا تحقيق؟

وإذا لم يكن بد من أن تفرض علينا الكتب التي نقرؤها، والآراء التي نراها، فما بال شيخ الأزهر لا يتفق مع الحكومة على إصدار قانون يحرم على الناس أن يطبعوا كتابًا، أو ينشروا فصلًا حتى تأذن به سلطتنا الدينية الجديدة التي لا يعرفها الدين؟ هذا القانون إن أصدرته الحكومة يوفر على الناس جهودهم وأموالهم، ويصرف أهل الشرق والغرب عن أن يطبعوا كتبهم وكتب القدماء في مدينة القاهرة؛ حيث تسيطر إرادة الشيخ الأكبر على ما يُطبع وما لا يُطبع، وعلى ما يُقرأ وما لا يُقرأ.

اللهم اشهد أن الأمر قد بلغ في مصر حدًّا لا يلائم كرامة الخُلُق، ولا كرامة العقل، ولا كرامة الوطن، ولا كرامة الإنسان؛ فليس من كرامة الخُلُق أن يسعى رجل أو رجال بناشر هذا الكتاب إلى شيخ الأزهر، وينقل إليه منه صحفًا يعلم أنها لا ترضيه فيأمر بمصادرة الكتاب، ويضيع على هذا الناشر وعلى شركائه ما أنفقوا من جهد ومال، وأمَّلوا من خدمة للعلم والعلماء. وليس من كرامة العقل أن يتحكم في ثمار العقل رجل مهما يكن عالمًا، ومهما يكن فيلسوفًا، ومهما يكن حكيمًا مستنيرًا، فكيف به إذا كان الشيخ الظواهري، ونحن نعلم من يكون الشيخ الظواهري، وما يكون إذا قيس إلى أقل تلاميذ البغدادي قدرًا، فضلًا عن الخطيب البغدادي نفسه؟

كلا، ليس مما يلائم كرامة العقل أن يتحكم رجل وإن كان شيخ الأزهر، وأن يتحكم ألف رجل وإن كانوا شيوخًا لألف أزهر فيما ينتج العقل وما يقرأ الناس، وليس مما يلائم كرامة الوطن أن تصبح مصر خزي الشرق، وأن يقول العالِم للعالِم في دمشق، أو في بغداد، أو في باريس، أو في برلين، أو في لندرة: لا ترسل هذا الكتاب إلى مصر، ولا تنشر هذا الكتاب في مصر؛ فإن فيها إنسانًا رابضًا في غرفة من الغرف له لحية وعلى رأسه عمامة، يستطيع أن يأمر فتذعن لأمره حكومة دستورية تعلن في جنيف أنها تقوم على أساس الديمقراطية الحديثة. وهذا الإنسان الرابض ذو اللحية وذو العمة يستطيع أن يلغي كتابك إلغاءً، يستطيع أن يجعله نهبًا للنار، أو طعامًا لأسماك النيل السعيد. ألم تعلم أنه صادر تاريخ بغداد؟

هل تعلم الحكومة أن أساتذة مستشرقين من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، بل من النرويج والدانمرك ينظرون إلى القاهرة على أنها مركز الحياة الأدبية والعلمية في الشرق، فينشرون فيها كتبًا كتاريخ بغداد فيها ما يرضي الشيخ، وفيها ما يغضبه؟ أفتريد الحكومة أن تُصادر هذه الكتب فتفضح مصر في أوروبا وأمريكا؟ أم تريد الحكومة أن تخلي هذه الكتب فتكيل للغرب بصاع وللشرق بصاع؟ وليس مما يلائم كرامة الإنسان أن تكون هذه الملايين من المستنيرين في الشرق والغرب لعبة في يد شيخ الأزهر يغذوها بما شاء من العلم، ويصرف عنها ما شاء من العلم دون أن يبحث أو يحقق — ماذا أقول — بل دون أن يقرأ.

فلو قرأ شيخ الأزهر تاريخ بغداد منذ أخذ الناشرون يذيعونه على الناس لأمر بمصادرته منذ زمن بعيد، ولو عرف شيخ الأزهر أن الدولة تنشر بأموال المسلمين في دار الكتب المصرية كتبًا لا يقاس إليها تاريخ بغداد فيما تشتمل عليه مما يُغضِب الشيخ لتقدم إلى الحكومة في أن تكف عن نشر هذه الكتب، وفي أن تصادر ما نشر منها. الله! الله! هذه مصر في القرن العشرين تُنفَى منها كُتب العلم، وقد كانت في القرن الرابع عشر تلوذ بها كتب العلم. الله! الله! هذه مصر التي يظلها عرش محمد علي وأسرته يراد بها أن تكون بلد الجهل، ودار الظلم، وسجن العقل، وقد كانت مصر في أيام المماليك بلد العلم، وموطن العلماء! فيها كان يثمر الأدب والعلم والفن، وإليها كان يُهاجر ابن خلدون هاربًا من ظلم ملوك أفريقيا الشمالية.

كل شيء ممكن في مصر: تتأخر حين يتقدم حولها كل بلد، وتشرق حين يكون العالم كله مظلمًا. بمن يستجير العلم؟ وإلى من يشكو؟ وعلى من يعتمد وقد فقد النصير والعون، وضاقت به مصر التي وسعته مرتين، وحفظته للعالم مرتين، وحمته من الجهل والجهال مرتين: مرة في عصر الإسكندر، وأخرى في عصر المماليك؟

اللهم إن رضِيَ صدقي باشا وحكومته، ورضِيَ البرلمان لمصر بهذا الخزي والعار، فإن ابن إسماعيل، ووارث محمد علي، ومنشئ الجامعة، ومحيي الجمعية الجغرافية، ومنشئ المعاهد العلمية المختلفة أحرص على الكرامة المصرية من أن يرضى لها هذا الخزي والعار. إليه وحده يجب أن يلجأ العلم بعد أن فقد النصير والعون في مصر، وإليه وحده يجب أن يشكو الخطيب البغدادي من وزير الداخلية وشيخ الأزهر، وهو خليق أن يُنصف الخطيب البغدادي من شيخ الأزهر وإن كان الشيخ الظواهري، ومن وزير الداخلية وإن كان صدقي باشا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.