ولم لا تستحي الوزارة وأعضاؤها ناس من الناس يشعرون ويحسون ويرضون ويسخطون، ويجدون الألم حين يشتد على أقل تقدير، ويخافون سوء القالة حين يتجاوز الحد المعقول. وقد وقفت الوزارة من الاقتصاد مواقف أقل ما توصف به أنها مضحكة لا يستطيع إنسان أن ينظر إليها نظرة الجد، أو أن يفكر فيها كما يفكر في المواقف التي تحتمل البحث والنقد، وتصلح موضوعًا للتفكير والتقدير!

لم تكد تتقدم بها السن، حتى ملأت الأرض صياحًا بأن خزانة الدولة في خطر، وأن الاقتصاد بل التقتير أمر لا بد منه ولا منصرف عنه، وأن الموظفين خليقون أن يستجيبوا لدعاء الواجب، ويسمعوا لنداء الوطن، ويزهدوا في حقهم من العلاوة والترقية حتى لا تخلو الخزانة، ولا تعجز الدولة، ولا تتعرض مصر للإفلاس. وضاق الموظفون بهذا الكلام! ولكنهم صدقوه واطمأنوا إليه، واستجابوا لدعاء الواجب، وزهدوا في العلاوة والترقية، وما هي إلا أن تشتد حاجة الدولة إلى الاقتصاد، وتتعرض أموالها للنفاد، فإذا تضحية أخرى تطلب إلى الموظفين، وإذا التجاء آخر إلى الشعور الوطني، والواجب القومي، والضن بمصر على العجز والإفلاس، وإذا مرتباتهم تنقص فيضيقون بالنقص، ولكنهم يقبلونه مستجيبين للواجب، ثم يظهر أن ما نقص من مرتباتهم قليل، فتطلب إليهم تضحيات أخرى، ويصور لهم الواجب الوطني في صورة تملأ القلوب رقة للوطن، ورفقًا به، وعطفًا عليه. فينزلون من مرتباتهم عن جزء آخر، وقد أخذوا أنفسهم بالاستعداد لتضحيات أخرى تطلب إليهم، وتكاليف أخرى تفرض عليهم، ولكنهم ينظرون فيرون ويا شر ما يرون! يرون أن الترقيات والعلاوات تحظر عليهم عامة، ثم لا يلبث باب الاستثناء أن يفتح قليلًا قليلًا، وأن تنفذ منه الترقيات والعلاوات إلى طائفة من الأصفياء والأولياء، ومن المحسوبين والمقربين، فيألمون ويسكتون، منهم من يستحي فيلزم الصمت، ومنهم من يشفق فيأخذ نفسه بالإغضاء والإعراض، ويزداد باب الاستثناء انفتاحًا، وتزداد العلاوات والترقيات منه نفوذًا، ويزداد ألم الموظفين شدة، وغيظهم حدة، فمنهم من يجمجم ومنهم من يغمغم، ومنهم من لا يتحرج من الكلام الواضح والإنكار الصريح، ثم ينظر الموظفون فيرون ويا شر ما يرون! يرون أن الوزارة قد نقصت مرتباتهم جميعًا، ولكنها عادت فدارت حوله بعض هذه المرتبات المنقوصة، حتى ردتها كما كانت، أو زادت فيها بعض الشيء.

فعلت ذلك مع جماعة من الأجانب احتجت مفوضياتهم على نقص مرتباتهم بضريبة التمغة، فزعمت أن ليس من قبول الأجانب لهذه الضريبة بد، ولكنها زادت في مرتباتهم بمقدار ما نقصت منها أو أكثر منه شيئًا، فأُعطي هؤلاء الأجانب باليمين، وأخذ هؤلاء الأجانب بالشمال، وفعلت ذلك مع بعض الأصفياء والأولياء، ومع بعض المحسوبين والمقربين، فاستكشفت لهم أعمالًا نادرة، وكفايات باهرة، وجزتهم على تلك الأعمال بالمال وعلى هذه الكفايات بالترقيات. وما زالت بهم حتى عوضتهم من النقص زيادة، ومن الخسارة ربحًا، وحتى تمنى غيرهم لو نقصت مرتباتهم أضعافًا، ثم استكشفت لهم أعمال تجزى بالمال، وكفايات تقدر بالترقيات، هنالك جمجم بعض الموظفين، وغمغم بعضهم الآخر، وغلى بعضهم فآثر التصريح على التلميح، وامتلأت مكاتب المصالح والوزارات، وأجواء الأندية والقهوات، بيأس اليائسين، وطمع الطامعين، وسخط الساخطين، واحتيال المحتالين، وأصبح جو الحكومة جو مكر وكيد، ولوم وعتب، ويأس وسخط، هذا يشكو، وهذا يرجو، وهذا ينذر، وهذا يفوض أمره إلى الله، كل يفكر في مرتبه، أينقص أم يزيد، أم يبقى حيث هو؟ وكل يفكر في درجته، وكل يفكر في زملائه الذين خرجوا معه من المدرسة، أو خرجوا بعده منها، ثم سبقوه سبقًا لا أمل له في أن يبلغ أمده.

كل يفكر في هذا، وكل يتحدث بهذا، وكل يلهج بهذا، في المكتب والنادي والقهوة، حتى إذا عاد إلى بيته أظهر لأهله وجهًا مظلمًا، وجبينًا مقطبًا، وخلقًا سيئًا، ولم يتحدث إلى امرأته في شئون البنات والأبناء، ولا في جد الحياة وهزلها، ولا في لذات البيت وآلامه، وإنما تحدث إليها في أن فلانًا قد ارتقى، وفلانًا قد زاد، وهو ما زال حيث هو، لا حظَّ له من رقي ولا من زيادة، وفي أنه قد تحدث إلى رئيسه في ذلك، فرده في لطف أو في عنف، وفي أنه قد كتب مذكرة يشكو فيها ويتظلم، أو يضرع فيها ويستعطف، أو يدافع فيها عن حقه ويذود عن حظه، فطويت مذكرته طيًّا، وأهملت مذكرته إهمالًا، وأخذ رؤساؤه ينظرون إليه شذرًا، ويلقونه بابتسامة صفراء فيها الرحمة والازدراء.

وأهله يسمعون لهذا الحديث فيأسون ويشقون، ثم يرثون ويعزون، ثم يجدُّون في التسرية والتسلية، فلا يبلغون مما يريدون شيئًا، وإذا هم ينغمسون معه في حزن عميق، وسخط كثيف، وإذا هم مثله ينكرون ويستمطرون سخط الله على الظالمين، وصغار البيت يمرحون في لعبهم ولهوهم، ثم يبدو لهم فيقبلون بوجوه باسمة حلوة على أبويهم، فلا يرون إلا وجوهًا عابسة مرة. فينصرفون وقد انطفأت في نفوسهم الناشئة جذوة الفرح والمرح، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: ما لأبينا قد غير وجهه الحزن؟ وما لأمنا قد بللت خدها الدموع؟

ليس في هذا الحديث مبالغة، وليس في هذا الحديث إسراف، وأقسم أن صغار الموظفين ليعرفونه كله، وأقسم أنهم ليقرونه كله، وأقسم أن أهلهم ليثبتونه كله، لا ينكرون منه حرفًا، ولا يغيرون منه شيئًا، وأقسم أن بناتهم وأبناءهم ليشفقون في كثير من الأحيان من أن يلقوهم، أو يسعوا إليهم، مخافة أن يجدوا في وجوههم من الحزن والهم ما يكرهون.

ومع ذلك فهؤلاء الموظفون أحسن المصريين حالًا، وأوسع المصريين آمالًا، وأشد المصريين ثقة بغد وأمنًا من الظمأ والجوع.

وكذلك مضت الوزارة تبسط يدها لفريق من الموظفين، وتقبضها عن فريق آخر، حتى بلغ سوء الظن أقصاه بين الزملاء، وبين المرءوسين والرؤساء، منافسة تدعو إلى سوء الظن، وظلم يدعو إلى سوء الظن، وجور يدعو إلى سوء الظن، وأعمال الدولة في أثناء هذا كله مضيعة مشردة، ينفذ بعضها على كسل ومضض، ويهمل بعضها في سخطٍ واستهزاء!

حتى إذا كان يوم الخميس الماضي، واجتمع مجلس الوزراء في المساء، عرضت عليه طائفة من الترقيات والعلاوات كلها استثناء، وفيها إسراف وغلو في الإسراف، فجمجم بعض الوزراء فيما تقول الصحف، وغمغم بعضهم الآخر، وكانوا لمعذورين، فكلهم في حاجة إلى الاستثناء، وكلهم قد وعد فأسرف في الوعد، وكلهم يسمع شكاة الشاكين واستعطاف المستعطفين، فما بال قوم يظفرون وقوم يخسرون! وكذلك انتهى الأمر بمجلس الوزراء إلى أن آثر الصراحة على الالتواء، ففتح باب الترقية والعلاوة على مصراعيه، وأذن للوزارات والمصالح في أن ترفع إليه أسماء الأكفاء الذين يستحقون ترقية أو علاوة، لينظر في أمرهم، ويجزيهم على صبرهم خيرًا، ولكن هذه الترقيات والعلاوات التي أجيزت يوم الخميس كثيرة فاحشة، فيها محاباة ومداراة وإيثار لقوم على قوم، وهي إن ظهرت أثارت من سخط الموظفين كل كمين، وهي إن ظهرت فتحت على الوزارة أبوابًا يجب أن تظل مغلقة، حتى يكون إنصاف المظلوم وإرضاء الغاضب، وهي إن ظهرت جعلت الوزارة مضرب الأمثال عند المعارضة في التصرفات المضحكة المضطربة، التي لا تصدر عن قصد في التفكير والتقدير، ولا عن إيثار للمنفعة العامة على إرضاء الأولياء والأصفياء، ومجاراة المنافع والأهواء، والوزراء ناس من الناس، يحسون الخجل ويجدُون الحياء، فيجب أن تكتم قرارات يوم الخميس، وتحفظ سرًّا مصونًا، تلقى من دونه الأستار، ولا تنفذ إليه الأبصار، حتى تسكن العاصفة، وتهدأ الثائرة، وتظهر ترقيات وعلاوات أخرى، فتضيع هذه الاستثناءات، وتمر دون أن يشعر بها الناس!

وكذلك وجدت الوزارة لنفسها مخرجًا من هذه الورطة، ولكنها تستطيع أن تستوثق بأن هذا المخرج لن يخرجها من شيء! فأسرارها هذه معروفة مهما تكتم، وغيبها هذا مكشوف مهما يستر، ولن يخرجها من هذه الورطة إلا أمران، أحلاهما مر: فإما أن تلغي الاستثناءات التي أقرتها، وإما أن تغرق الموظفين في فيض العلاوات والترقيات، ويومئذ يضحك الناس لأسطورة الاقتصاد، كما ضحكوا من قبل لطائفة كثيرة من أساطير الوزارة …!

أما إن سيرة الوزارة خليقة أن تثير في نفوس الوزراء عاطفة الحياء!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.