زعموا أن توقع البلاء شر من وقوع البلاء؛ لأن في توقع المكروه عذابًا مصدره الاضطراب بين الأمل واليأس، وبين القنوط والرجاء، ولأن في وقع المكروه يأسًا مريحًا، يستتبع الإذعان لما لم يكن منه بد. ومن المحقق أن عمد السياسة الرسمية يشقون في هذه الأيام بانتظار طويل ثقيل، ويلقون في هذه الأيام عذابًا يُمِضُّ النفوس، ويقضُّ المضاجع، ويحتملون في هذه الأيام آلامًا ليس الصبر عليها والثبات لها بالشيء اليسير.

يذوق الصدقيون عذاب الانتظار لما ستتكشف عنه الأحداث من فوز الدكتاتور العظيم أو اندحاره. ويذوق العبفتيون عذاب الانتظار لما ستنجلي عنه الخطوب من انتصار رئيس الوزراء أو اضطراره إلى الانهزام وإلقاء السلاح، أو إلى الاستطالة وحل مجلس النواب. ولعل الخصمين — صدقي باشا وعبد الفتاح يحيى باشا — أشد القوم ألمًا وأعظمهم ضيقًا بهذا الانتظار. فالشعبيون إذا فتشت أمورهم سعداء بهذا الموقف الظريف الذي انتهوا إليه؛ كل منهم يسعى إليه، وكل منهم يرغب فيه، وكل منهم يسعى في تأييده، ويحرص على معونته. كل منهم يلقى ابتسامات حلوة مشرقة وضاءة من صدقي باشا، وكل منهم يلقى من وراء هذه الابتسامات آمالًا وأمانيَّ تسبغ على الحياة لونًا ورديًّا جميلًا ساعة من نهارٍ أو ساعة من ليل. كل منهم يشعر بأنه في هذه الأيام قادر على صدقي باشا، بعد أن كان صدقي باشا قادرًا عليه، متحكم في صدقي باشا بعد أن كان صدقي باشا متحكمًا فيه. كل منهم يستطيع أن يلقى طاغية أمس بشيء من الذل الذي يغيظ ويحرج، وبشيء من التيه الذي يملأ الصدور كمدًا والقلوب غلًّا وحقدًا، ويضطرها مع ذلك إلى التملق والاسترضاء والإذعان لأحكام القضاء. كل منهم يذكر تلك الأيام التي كان صدقي باشا فيها أرفع وأكبر من أن يصدر أوامره بطرف اللسان إلى واحد منهم، إنما كان يريد فيبتسم أو يريد فيعبس، أو يريد فيشير وبطرف العين أو بطرف البنان؛ فإذا الأنصار والأعوان يسرعون إلى السمع والطاعة والنزول عند ما يريد الدكتاتور العظيم. فأصبح الآن صدقي باشا يسعى ويلح في السعي ويتوسل ويغلو في التوسل، يمد الموائد ويفتن في إعداد الطعام، ويرسل المغريات عن يمين وشمال ويوجه الرسل والسفراء، وينطلق لسانه بالحمد والثناء والاستعطاف والاستجداء لعل أتباعه يستجيبون له فيجددوا معه أكل الخبز والملح. وبينما الشعبيون يدلون ويتيهون ويشعرون بهذه الغبطة التي يشعر بها من عز بعد ذلة، وأمر بعد طاعة، وتحكم بعد خضوع، إذا رئيس الوزراء وأصحابه يبسمون هم أيضًا للشعبيين ويترضونهم ويتقربون إليهم، ويرسلون إليهم الرسل والسفراء. وقد كان الشعبيون من قبل يسعون إلى رئيس الوزراء، وإلى الوزراء، فأصبحوا الآن يُقصَدون بفتح الصاد ولا يَقصِدون بكسر الصاد، أصبحوا الآن يغالون بأنفسهم ويكبرون على هؤلاء الذين كانوا ينظرون إليهم أمس في غطرسةٍ وكبرياء. وليس قليلًا أن يحس الشعبيون أنهم قادرون على أن يتحكموا في مؤسس النظام القائم، وفي حامي النظام القائم. أضف إلى ذلك أن الشعبيين رابحون على كل حال: رابحون طعامًا وشرابًا عند لملوم باشا وعلي المنزلاوي بك، ورابحون طعامًا وشرابًا اليوم عند صدقي باشا، وعند صدقي باشا يوم الخميس. فما عليهم أن يطول الخصام ويتصل الخلاف! وهم يجدون في ذلك هذه اللذات المختلفة لذات الذين يتحكمون ولم يتعودوا أن يتحكموا، ويثيرون الطمع ولم يتعودوا إلا أن يكونوا طامعين، وينعمون بما لا يتاح للناس أن ينعموا به في هذه الأيام إلا حين تشتد الخصومات بين رئيس وزارة كعبد الفتاح يحيى باشا، ورئيس حزب كإسماعيل صدقي باشا.

أما الذين يَشْقَوْنَ بهذا الخلاف ويبتئسون بهذه الخصومة، ويذوقون ألوان العذاب بينما يذوق غيرهم ألوان الطعام والشراب، فهم القادة والسادة الذين يسمعون الوعد ويشفقون من الإخلاف، ويرون الرضا ويخافون من السخط، ويؤنسون التأييد ويتوقعون الخذلان، ثم ينفقون أوقاتهم في العد والإحصاء، وفي البحث والاستقصاء.

لقد بلغ أنصارنا نيفًا وثلاثين، فإذا انضم إليهم فلان، ومنَّ إلي فلان فقد يبلغون الأربعين، فإذا انضموا إلى الاتحاديين فقد تمت لنا الكثرة، ولكن فلانًا هذا زواغ رواغ:

يعطيك من طرف اللسان حلاوة

ويروغ منك كما يروغ الثعلب

وبينما الوزراء وأنصار الوزراء في هذا التفكير والتقدير، إذا صدقي باشا والذين يدفعون صدقي باشا ليسوا أقل منهم تفكيرًا وتقديرًا، فهم يعدون ويحصون، وهم يبحثون ويستقصون، وهم يثقون ويشكون، وهم يَصْلَوْنَ نارًا أي نار من طول هذا الانتظار! وأقبح ما يكون الانتظار أثرًا وأشد ما تكون النار لذعًا حين تكون الموقعة ثم تنجلي عن الشك لا عن اليقين، وعن الريب لا عن الثقة؛ هنالك تخفق القلوب وتضطرب النفوس وتظلم السماء، وتضيق الحياة بالأحياء ويود السادة لو لم يكونوا سادة، ويود القادة لو لم يكونوا قادة. ثم يبلغ بهم الضعف أقصاه وينتهي بهم الضجر إلى غايته، فيدقون كفًّا بكف، ويستسلمون لقضاء الله ويستأنفون الانتظار، واصطلاء تلك النار. وأنت واهمٌ إن ظننت بهذا الكلام غلوًّا أو إغراءً أو قصدًا إلى العبث والدعابة. فلو قد رفعت عنك الحجب واستطعت أن ترى القلوب لعلمت أن هذا الكلام يصور لك حقيقة الأمر كما هي.

والناس يتساءلون ما بال المرسوم الذي يدعو البرلمان إلى الانعقاد لم يصدر إلى الآن؟ مع أن موعد انعقاد البرلمان قد قرب، وأسرف في القرب، ومع أن التقاليد جرت بأن يصدر هذا المرسوم قبل انعقاد البرلمان بشهر وأكثر من شهر لا بأيام. والناس يتساءلون كيف فرط وزير التقاليد في حق التقاليد، وسمحت نفسه أن تهمل إلى هذا الحد؟ فإذا كثر السؤال وطال القيل والقال ظهر الجواب من وراء حجاب، وقال القائلون: إنما يتأخر المرسوم حتى تنجلي الغيوم، وتصدق النجوم ويعلن الشعبيون مع من يكونون؛ فإن كانوا مع الوزارة صدر المرسوم، وإن كانوا مع الدكتاتور فالحل المحتوم.

وكان الناس قد تحدثوا، وكانت الصحف قد نشرت أن مجلس الوزراء سينعقد صباح اليوم، وكان الناس قد قالوا والصحف قد نشرت أن مجلس الوزراء إذا انعقد فسيهيئ المرسوم بدعوة البرلمان. ثم أمسى الناس أمس وإذا هم يتحدثون أن المجلس قد أرجئ إلى غدٍ ثم أصبح الناس اليوم وإذا الصحف تنشر أن المجلس مرجأ إلى غدٍ فتساءل الناس عن هذا الإرجاء ما مصدره وما غايته؟ وقال الماكرون والمتشائمون: إن مصدر هذا الإرجاء وليمة الغريب، فمن يدري لعل الذين يستجيبون للدكتاتور ويطعمون عنده اليوم ويعدونه بالنصر والتأييد أن يكونوا أكثر من الذين ذهبوا إلى مصر الجديدة، وشربوا الشاي وصفقوا لرئيس الوزراء يوم الجمعة؛ وحينئذٍ يحسن التفكير قبل تهيئة المرسوم بدعوة البرلمان. ولعل الذين يستجيبون للدكتاتور أن يكونوا قلة قليلة وجماعة ضئيلة لا تقدم ولا تؤخر؛ وحينئذٍ يمكن الإسراع إلى تهيئة المرسوم بدعوة البرلمان. ولسنا ندري أحق هذا الفهم لما كان من إرجاء مجلس الوزراء؟ أم هو لون من ألوان الخيال وفن من فنون الدعابة؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الناس يرتابون في تأخر دعوة البرلمان إلى الآن، وينظرون في شيء من العجب إلى إرجاء مجلس الوزراء في اليوم الذي يأدب فيه الدكتاتور العظيم مأدبته. وإذا كان لنا أن نفسر أو أن نقول، فإنا لا نتردد في أن نشفق على الوزارة من هذا الإبطاء والإرجاء؛ فهما لا يدلان على أنها مترددة وإن أظهرت الحزم، خائفة وإن أظهرت الثقة، ضعيفة وإن تكلفت القوة، تظهر الإعراض عن خصمها المريض، ولكنها إذا خلت إلى نفسها حسبت له حسابًا شديدًا.

وأكبر الظن أن تردد الوزارة هذا هو الذي سينتهي بها إلى الإخفاق السريع؛ فهو يطمع فيها خصومها ويغري بها أعداءها من الصدقيين. ولو أن الوزارة عرفت كيف تستقبل الخصومة وتثبت للخصوم لما أبطأت في استصدار المرسوم، ولما حسبت لصدقي باشا حسابًا؛ فصدقي باشا أهون على أنصاره أنفسهم من أن يغضبوا الوزارة من أجله. ولكنهم يرون الضعف فيشكون، ويرون التردد فيرتابون ويقول بعضهم لبعض: إن صدقي باشا نفسه لم يضعف، ولم يتردد حين كان إليه الأمر، ولولا أن هناك سرًّا مكتومًا وقضاءً محتومًا وأمورًا تدبر بليل لما وقفت الوزارة هذا الموقف الضعيف. ومن يدري، لعل قوى خفية تسند الدكتاتور وتغريه بهذه الحرب التي لم يكن أهلًا لها ولا قادرًا عليها!

وكذلك تفسد الأمور بين أولئك وهؤلاء؛ فيخاف بعضهم بعضًا، ويرتاب بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم لبعض. وما رأيك في صلة تقوم على الخوف والكيد؟! والظريف أن موقعة الغريب ستنجلي — كما انجلت موقعة مصر الجديدة — عن الشك لا عن اليقين؛ فيزداد تردد الوزارة واضطرابها. ومن يدري، لعلها ترجئ مجلس الوزراء، أو تهيئة المرسوم إلى يوم الجمعة، أو إلى يوم السبت بعد أن تنجلي الموقعتان الحاسمتان يوم الخميس في دار وزير الزراعة وفي نادي حزب الشعب.

ومهما يكن من شيء فإن عمد السياسة الرسمية خليقون أن يغتبطوا بهذه القوة التي انتهوا إليها، وبهذا الانتصار الذي ظفروا به. وأي قوة أعظم، وأي انتصار أروع من أن يزعم قوم لأنفسهم أنهم حماة النظام ومقروه؛ فإذا هم لا يزيدون على أن يلهوا الناس ويضحكوهم بما يقولون ويعملون!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.