لقد عرفنا أن الخديوي توفيق عيَّن سلطان باشا مندوبًا ساميًا ملكيًّا إلى جانب الجنرال ولسلي قائد الجيش الإنكليزي ضد الثوار، وعرفنا قبل ذلك أن سلطان باشا لعب دورًا مهمًّا في الحركة الوطنية، فتاريخ سلطان باشا هو شطر من تاريخ الحركة ثم الثورة وضدها، فمن هو هذا الرجل؟ وهل هو الغني الكبير في صعيد مصر فقط؟

يحدثنا صاحب السعادة قليني فهمي باشا عنه — وهو أعرف الناس به لأنه من بلده ولأنه كان كاتم أسراره — فيقول: إن الحاج محمود أبو سلطان كان عمدة لزاوية الأموات وصديقًا للشريعي (باشا) ناظر قسم قلوصنا (أي مأمورًا). فطلب سعيد باشا من الشريعي أن يرشده إلى رجل كفؤ يعيِّنه ناظر قسم، فذكر له اسم محمود أبو سلطان، فاستدعاه وسُرَّ بمكالمته، ثم نزل سعيد باشا بضيافته وهو ذاهب إلى السودان فأضافه وأضاف جيشه، ولما عاد من السودان بعد خمسة أشهر كان محمود أبو سلطان قد بنى سراياه في زاوية الأموات، فنزل فيها سعيد باشا. وأعجب بنشاطه فأمر بتعيينه ناظرًا لقسم قلوصنا خلَفًا للشريعي الذي رُقي وكيلًا لمديرية بني سويف، ثم وكيلًا لمديرية روضة البحرين (أي الغربية والمنوفية) وعيَّنه إسماعيل حاكمًا عامًّا للصعيد.

ولما بدأت الحركة الوطنية اختير رئيسًا للحزب الوطني، ولما تألف مجلس النواب عُين رئيسًا له، ولما نال الوطنيون مطالبهم وظل الضباط على ثورتهم تحول عنهم إلى تأييد الخديوي. ومما يُذكر عنه أن الضباط أتوه جماعة ليدعو مجلس النواب للانعقاد دون أمر الخديوي ليحكم بإسقاطه، فسألهم سلطان باشا عمن اختاروه خليفة له فسكتوا، فقال لهم وهو يعرف مطامعهم: اذهبوا واتفقوا على الخلَف ثم عودوا إليَّ، فذهبوا ولم يرجعوا لأنه لم يكن بالإمكان أن يتفقوا لتعدد الطامعين.

ولما غادر الخديوي القاهرة إلى الإسكندرية وهو معه اتهموه بالخيانة، وذكر الشيخ محمد عبده الأدلة على خيانته بأنه كان روح إدارة قلم المخابرات الإنكليزي في الإسكندرية، وأن الجنود ضبطوا بدويين من قبيلة أولاد علي — من عائلة مشهورة في الفيوم — فوجدوا معهما منشورات من سلطان باشا ورسائل إلى رؤساء القبائل وإلى بعض الضباط يدعوهم فيها إلى ترك عرابي والالتحاق بالجيش العثماني الذي جاء لإخضاع الثوار. وقال هؤلاء: «إن جنديًّا إنكليزيًّا اسمه جيل حمل ثلاثين ألف جنيه من سيمور ليلحق بالأستاذ المستشرق بالمر ليستميل عربان غزة، وهو يحمل أيضًا رسائل من توفيق باشا ومن سلطان باشا إلى مشائخ العربان بالشرقية، وأن مبلغًا مثل هذا يحمله سيمور إلى الزقازيق.»

وعرف سلطان باشا أن توزيع النقود باسم الإنكليز لا يفيد، فأخذ بتوزيعها باسم السلطان والخديوي، واختار لذلك أحد مشائخ العربان الحاوي الطحاوي صديق عرابي، وكان الحاوي يدعو العربان لعصيان عرابي، وكان في الوقت ذاته ينقل إلى عرابي أخبار الإنجليز والخديوي على وجه الصدق. وكانت الأموال التي تُدفع للأفراد بين جنيهين وثلاثة جنيهات، حتى وصلت النقود إلى قلب الجيش وإلى كثير من الضباط بسعي سلطان باشا على يد العربان، ولما نُقل إلى عرابي أن العربان يخونونه لم يصدق بقوله: «إنهم مسلمون».

ويحدثنا ميخائيل بك شاروبيم عن مساعي سلطان باشا بعد وصوله إلى معسكر ولسلي، أن مقدم جيش الثوار في التل الكبير كان علي يوسف الملقب بعلي خنفس، فراسله سلطان باشا واستماله إلى الخديوي فأقره على ذلك، وهو الذي أخلى الصفوف أمام الإنكليز عندما زحفوا على التل الكبير، فدخلوا بين صفوف الجيش المصري بلا ممانع ولا مقاوم، وكان جُلُّ العسكر نائمًا والضباط بقمصانهم، وتمت الهزيمة سريعًا. واستباح الثوار أملاك سلطان باشا، فأنزلوا المهاجرين بداره بالقاهرة، وخربوا أملاكه في المنيا وسلبوا أرزاقه؛ لذلك صدر أمر الخديوي بالتعويض عليه بمبلغ عشرة آلاف جنيه.

***

وكان عرابي وجماعته يعتمدون على الخطباء والمهيجين في بدء الحركة حتى يثيروا حماسة الشعب، ولكنهم اتُّهموا بأن أصبحوا أسراهم وبأن أصبح هؤلاء الخطباء والمهيجون آفة على الجيش. فعبد الله نديم كان يخطب في الأهالي والجيش بأن الأسطول الإنجليزي قد باد؛ لأن مدافع مصر في الإسكندرية وأبو قير ودمياط تلتقي قنابلها بقنابل المدافع التركية عند كريد، فيقع الأسطول بين نارين ويبيد. وكان أرباب الطرق بعد حلقات الذكر التي يعقدونها بين المعسكرات يضربون سيوفهم بالهواء، ثم يقف واحد منهم ويبشِّر الناس بأنهم قتلوا عدد كذا من الإنكليز وأغرقوا عدد كذا من مراكبهم، وكان بعضهم يحمل إلى عرابي رؤيا رأوها وكلها يبشِّره بالنصر وبالقضاء على إنكلترا، فوقع الارتباك في نفس الجيش. وكان اعتماد الأنفار على ما يقوله أولئك الدجاجلة أكثر من اعتمادهم على سيوفهم وبنادقهم. فضلًا عن أن إعلان الخليفة عصيان عرابي وإيصال هذا الإعلان إلى الجيش كله، أوقع في صفوفه الخذلان وثبَّط الهمم حتى يحدثنا شاهد عيان فيقول: إن سلطان باشا جمع إليه طوائف العربان حول معاقل الثوار وأجزل عطاءهم، وسلمهم منشور السلطان بعصيان عرابي، فدخلوا بين الجند وأذاعوه وحدثوهم بأن من يتبع عرابي بعد اليوم يُعد خارجًا على الخليفة، فتراخت العزائم ووصل الخبر إلى عرابي، فهاله الأمر ولكنه أمر بكتمانه. وفي هذا الوقت وصل رسول من جيش الإنكليز إلى عرابي، وأبلغه ذلك كما أبلغه قرار وزارة الحرب بلندن ألا يُعدم أحد من الثوار؛ فظهرت على وجوه كبار الضباط دلائل اليأس والقنوط؛ لأنهم لم يكونوا ينتظرون من السلطان مثل ذلك، بل كانوا ينتظرون الضد لِما كان بين بعض رجال المابين وعرابي من التراسل والصلات، وبانت على وجه عرابي مظاهر الارتباك فاختلى بخيمته ليتلو الأوراد ولا يقابل إلا مقدمي العسكر.

***

على هذه النفسية كانت حالة الجيش، ولكن هذه الحالة لم تمنع فريقًا منه عن مواصلة القتال. فقد عرفنا أن الجنرال جراهام كان يحتل القصاصين التي عدَّ احتلالها فوزًا كبيرًا للإنكليز؛ لأنه يوفر لهم ماء الشرب ويمكنهم من قطع السد الذي اشتغل بإقامته سبعة آلاف فاعل مصري، وكان متينًا محوطًا من الأسلاك. وكان عدد جيش جراهام هناك ١٩٠٠ من البيادة مع مدفعين، وكان احتياطي هذا الجيش مؤلفًا من فرقة من الفرسان، وتابور من المشاة البحرية في جهة المحسمة مع الكتايب المنتشرة من نفيشة إلى تل المسخوطة. ففي صباح ٢٨ هجم المصريون على قوة الجنرال جراهام، ودام القتال حتى الساعة الثالثة مساءً، وفي ذلك الحين ارتد المصريون وكانت قوى الإنكليز قد خارت، فعادوا إلى المحسمة وما كادوا يعودون حتى استأنف المصريون الهجوم، وكان عددهم على رواية المؤرخين العسكريين الإنكليز ٨ آلاف من المشاة، وألفًا من الفرسان وسلاحهم ١٢ مدفعًا. وكان رمي المصريين محكمًا حتى إن الإنكليز استنفدوا ذخيرتهم كلها ولم يبقَ معهم سوى مدفع كروب واحد كانوا قد غنموه من المصريين. وعندما حل الليل وصلت الإمداد إلى الجنرال جراهام، وقامت الفرسان بقيادة الجنرال درودي لو بحركة التفاف من جهة الميمنة، وتقدمت المشاة على ضوء القمر ولكنها لم تستطع الدنو من المصريين، ولكن فرسانهم تغلبت على بطارية مصرية حتى نجت منهم تحت جنح الليل، وبلغ عدد قتلى الإنكليز ٩٧.

بعد هذه المعركة كتب الجنرال ولسلي إلى وكيل وزارة الحرب يقول: «إني لا أستطيع التقدم إلى الأمام إلا إذا جمعت عند القصاصين مئونة ثلاثين يومًا للجيش كله، وإني أود محاشاة هذه المعارك الصغيرة التي تؤخر في الطرق دون حفظ كل قوتي لضربة قاضية أخرى بعد عشرة أيام. وقبل أن أبرح إنكلترا قلت للجميع إني لا أقوم بعمل كبير قبل ١٠ سبتمبر، وأظن أني سأُخضع الأمر للتجربة النهائية حوالي ١٦ سبتمبر.»

وظل هذا الجنرال يوالي استعداداته، وأخذ الألاي الهندي بالوصول، ولكنه كان يود أن ينقل إلى صفوفه قسمًا من الفرقة الثانية التي ظلت في الإسكندرية بقيادة الجنرال هاملي.

ولكن صحف لندن كانت في هذه الأثناء تحمل على حكومتهم حملة شديدة من أجل التهاون والتأجيل والتسويف وقلة المعدات، وكانوا يقولون استنادًا إلى بعض الروايات إن جيشهم أقل من جيش عرابي. وكان عدد الجيش الذي أُرسل إلى مصر خمسين ألفًا، ولكي لا تخلو قشلاقاتهم من الجنود جندوا عشرة آلاف من الاحتياطي وأطالوا مدة تعليم فِرق الميليس، وكانت وزارة غلادستون مضطرة إلى إبقاء فريق من الجيش في أرلندا المضطربة، فلم يكن بإمكان الوزارة إمداد ولسلي إلا بالجنود الهندية.

وكتب ولسلي يقول إن المعركة الكبرى التي ينتظرها لن تزيد فيها الخسائر على ٦٠٠ جندي، ولكنه يريد أن تكون جميع ألاياته وفرقه كاملة للاحتلال ولدفع الطوارئ معًا، وإليك نص رسالته:

إن كل رغبتي هي أن أحمل عرابي على جمع كل قواته في التل الكبير؛ لأتمكن من سحقه قبل أن يعود إلى الدلتا، وإذا كان عاقلًا لا يدعني أدركه في الصحراء حيث أستطيع أن أتحرك كما أشاء وأهوى حوله. ولا يخشى أحد أكثر مني السير إلى الأمام، ولكني أود أن أجعل العمل المقبل عملًا حاسمًا، ولا أستطيع ذلك قبل أن أجمع المؤن والذخائر حتى أستطيع مطاردة العدو بعد كسره؛ فإذا أنا اكتفيت بكسره ثم تركت الوقت له ليتنفس الصعداء، فهو يرتد عشرة أميال أو عشرين ميلًا ثم يجدد عمله وقواه. ولكني أود بعد المعركة أن أستولي على الزقازيق وسواها، وأن أشطر الجيش المصري شطرين في حالة إبقائي عليه؛ وهذا ما لا يخطر لي ببال، فهو بعد المعركة سوف يتعثر ولا يستطيع الاجتماع.

وفي ٨ سبتمبر أتم الجنرال ولسلي معداته، وكتب إلى وزير الحرب في لندن يقول له: «قبل أن يصل هذا الكتاب إليك، نكون قد هجمنا على عرابي، ونكون — إذا أراد الله — قد قضينا على قوته. ولما كانت السكة الحديدية والتلغراف لا يسيران سيرًا منظمًا، لم يكن باستطاعتي أن أغيب أكثر من يوم، أما الآن وكلاهما يسير سيرًا حسنًا، فأنا أودع الإسماعيلية …

وأعتقد أني قادر على سحق كل قوة مصرية تبرز لمقاومتنا، ولكن القوة الحقيرة تصبح قوة محترمة إذا اعتصمت بالمعاقل، كقوة عرابي الآن.

ويقيني أني سأستولي عليها يوم الأربعاء المقبل ١٣ الجاري على الأكثر، وسأضرب عرابي ضربة لا يقوم بعدها.» هذا ما كتبه في ٨ سبتمبر، وفي ٩ تلقى النبأ بأن المصريين هاجموا قوته في القصاصين، فركب القطار مع أركان حربه. وكانت قوة المصريين المهاجمة بقيادة علي فهمي ومهمته مجابهة العدو، بينما يكون محمود سامي القادم من الصالحية مهمته اللف حول ميمنة العدو. ولو أن الخطة تمت لَمَا استطاع الإنجليز النجاة، ولكن محمود سامي تاه فلم يصل في الوقت المعين لوصوله ففشل الهجوم.

ويقول الإنجليز إن قوة العدو كانت مؤلفة من ١٧ تابورًا، وعدد البلوكات وسلاحها ٣٠ مدفعًا ومعها جمْع من العربان، وكان سليمان سامي مُحرق الإسكندرية مكلفًا بتطويق الميمنة، وتقدَّم محمود سامي في الخلاء ولكنه ضل الطريق.

ويقول بلنت إن الذي أضله هو شيخ العرب سعود الطحاوي، وتوارى قومندان الطوبجية مع مدافعه. ودل تصاعد العفار على دنو الإنجليز، فذعر العساكر وفروا وتركوا سليمان سامي وحده مع شيخ مجذوب كان يجله كولي الله. وركض محمود سامي وبعد جهد جهيد تمكَّن من نصب مدفعين، ثم ذهب إلى معسكره فوجده في حالة سيئة جدًّا، فلم يستطع أن يجمع شمل تلك القوة بعدئذٍ.

أما الجيش الذي كان بقيادة علي فهمي وهو قادم من التل الكبير، فإنه ظل بعيدًا من مرمى البنادق، فهجم عليه الجنرال ويلز في الساعة السابعة ونصف مساءً، وأحاط بميسرة علي فهمي. ووصلت القوة الإنكليزية إلى مكان تستطيع منه اللف حول خطوط التل الكبير، ولكن السير ولسلي أمر بالتقهقر ولم يُقتل من رجاله سوى ثلاثة وجُرح ٨٠، وجُرح ٣٠٠ مصري، ومن الجرحى علي فهمي وراشد باشا حسني.

وهذه المعركة مكنت الإنجليز من التثبت من حالة جيش عرابي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.