تحدثت عنه المقطم أمس، على أنه شيءٌ مشكوكٌ فيه، لم تستطع أن تثبته، ولم تستطع أن تنفيه، ولكنها تميل إلى ترجيحه، فهو إشاعة إذن، يتناقلها الناس، وتتناولها الأحاديث في الأندية. وفي هذا البيان — كما تقول المقطم — محاولة لعلاج الأزمة المصرية القائمة من نواحيها المختلفة؛ في السياسة والإدارة والاقتصاد. وهذا البيان كما تقول المقطم قد صدر — إن صدقت الإشاعات — من أقطاب السياسة الذين يوصفون بالاعتدال. وأراد أقطاب السياسة الذين يوصفون بالاعتدال، أن يرفعوا إلى مرجع قائم، وقيل لمندوب المقطم: إن واحدًا منهم سافر يوم الخميس الماضي لهذا الغرض.

وقد أصبحت السياسة فروت نبأ المقطم وشكَّت فيه، ورجحت أنه غير صحيح، وكادت تتجاوز الترجيح إلى التأكيد؛ لأن ما عندها من العلم بأمر الساسة الذين سافروا يوم الخميس، وحديث من تحدث منهم، يمكنها من الشك، بل يمكنها من أن ترجح أن نبأ المقطم غير صحيح.

وليس من شكٍ في أن حديث الناس الآن، حين يلتقون في الأندية العامة وحين يخلو بعضهم إلى بعض، مقصور أو كالمقصور على هذه الأزمة الطويلة العنيفة، التي أفسدت على مصر أمورها في السياسة والإدارة والاقتصاد. فليس غريبًا أن يكون اتصال الحديث في هذه الأزمة وتجدد الفضائح كلما أشرقت الشمس، أو أقبل الليل، وضيق الناس بما انتهت إليه أمورهم من الفساد — مصدرًا لإشاعاتٍ كثيرة، ومصدرًا لخيالاتٍ تلعب بالرءوس، وأمانٍ تحلوا للنفوس، وحزن يقطع القلوب. فالمصريون بائسون وإن لم يصبهم البأس، والمصريون محزونون وإن لم يستخفهم الجزع، والمصريون يسألون أنفسهم: متى تنقضي الأزمة وكيف تنقضي؟! والمصريون يقترحون اقتراحات، ويلتمسون حلولًا، ثم هم يروون أخبارًا ويذيعون أنباء ويتوهمون، ثم يخيل لهم أن أوهامهم قد استحالت إلى حقائق، إن لم تكن قد وقعت بالفعل فلعلها أن تقع بعد حين.

كل هذا لا شك فيه ولا غرابة، ولكن الشيء الغريب هو أن يتساءل بعض الناس عن مصر ماذا تريد، وعن أهل الرأي في مصر ماذا يريدون؟ ثم يتساءل بعض الناس عن مصر ماذا فعلت لتحقيق ما تريد، وعن أهل الرأي ماذا اقترحوا وماذا فعلوا لتحقيق ما يريدون؟ هذا غريب حقًّا فليست إرادة مصر غامضة ولا خفية، وليس تبين هذه الإرادة شاقًّا ولا عسيرًا. فقد كان المصريون يسلكون إلى الاستقلال وإلى الرقي طريقًا أُخذت عليهم، وحيل بينهم وبين المضي فيها وأريدوا على أن يسلكوا غيرها، فأبوا، وما زالوا يأبون، ووقفوا وما زالوا واقفين حيث أخذت عليهم الطريق، لا يريدون أن يدبروا ولا يريدون أن ينحرفوا إلى يمين أو إلى شمال. وهم يبتغون دائمًا الاستقلال والرقي وهم يريدون دائمًا أن يسلكوا إلى الاستقلال والرقي طريقَ الحياة الدستورية النيابية التي عرفوها وأحبوها، وأقسموا جهد أيمانهم لَيَحْرصُنَّ عليها أشد الحرص، وليرْعَوُنَّ حرمتها ما وجدوا إلى رعايتها سبيلًا. فإرادة المصريين إذن واضحة لا خفاء فيها؛ هم يريدون حياتهم الدستورية التي يرضونها، وهم يريدون أن يصلوا بهذه الحياة الدستورية الحرة الخالصة من كل فساد، البريئة من كل كيد، إلى أن يحلوا ما بينهم وبين الإنجليز من خلاف، وإلى أن ينظموا الصلة بينهم، وبين غيرهم من الدول، على قواعد الحق والعدل والمساواة، وإلى أن يصلحوا أمورهم الخاصة، ويرقوا مرافقهم ويسلكوا هذه الطريق المألوفة التي تسلكها الأمم الحرة في سبيل الحياة الصالحة الراقية. سل من شئت من المصريين؛ عالمًا أو جاهلًا، شقيًّا أو سعيدًا، غنيًّا أو فقيرًا، عما يريد، فسينبئك بأنه يريد هذا لا يريد غيره، ولا يرضى بأقل منه، ولا يطمئن إلا إذا ظفر به، وانتهى إليه.

فإذا سألت المصريين بعد ذلك عما فعلوا لتحقيق ما يريدون، فإن من حق المصريين أن يسألوك، وماذا تريد أن يفعلوا؟! لقد جاهدوا حتى ألغوا الحماية، وكسبوا الدستور، ومضوا في جهادهم آمنين مطمئنين واثقين حتى حيل بينهم وبين المضي في هذه الطريق، فهم بين اثنتين: إما أن يفتحوا الطريق أمامهم بالثورة والعنف، وأنت تعلم حق العلم أنهم ليسوا من الثورة والعنف في شيء. وإما أن يحتفظوا بموقفهم ويثبتوا على رأيهم ويمتنعوا على الذين يسلطون عليهم من الظلم والجور ما يصرفهم عما يريدون، ويعتمدوا على هذا الصبر وهذا الثبات وهذا الإباء، وعلى أنهم أصحاب حق لا شك فيه، وعلى أن الظلم منتهٍ مهما يطل أمده، والجور مرفوع مهما تمتد به الأسباب، وعلى أن التجربة التي تجرب معهم الآن قد سبقتها تجارب أمثالها فلم تنجح وقد أخذت هي تنال نصيبها من الإخفاق ففشل أصحابها أشد الفشل، وانقسم بعضهم على بعض، وأصبح بأسهم بينهم شديدًا، وأصبح من الحق البين الذي لا يرتاب فيه إلا المتعجلون، أن العاقبة للصابرين وأن عدل الله كائن في الأرض مهما تطل المحنة وتثقل الفتنة.

ولست أدري ماذا يقول الذين ينكرون على المصريين في هذه الأيام أنهم يصبرون؛ لأنهم لا يستطيعون إلا الصبر، ويثبتون؛ لأنهم لا يملكون إلا الثبات، ويلحون في الحق؛ لأن قوتهم إنما هي في أن يلحوا في الحق، لست أدري ماذا يقول المنكرون على المصريين لهم إذا أجابوهم بهذا الجواب؟! والذين يلومون أهل الرأي من المصريين ويسألونهم ماذا يريدون، وماذا يقترحون لتحقيق ما يريدون، لست أدري كيف يقولون هذا، ويكررونه ويرددونه في غير سأم له، ولا ضيق به، ولا زهد فيه، وهم أنفسهم من أصحاب الرأي، وهم أنفسهم يعلمون ماذا يريدون، وماذا يستطيعون، وماذا ينبغي أن يريدوا وماذا ينبغي أن يحاولوا؟! وهم أنفسهم يلومون، ويسرفون في اللوم ثم لا يقترحون شيئًا مغنيًا ولا يدلون على شيء مفيد. ماذا يريد أصحاب الرأي؟ إنهم يريدون أن تعود إلى مصر حياتها الحرة السليمة التي لا عوج فيها ولا فساد، والتي لا مخالفة فيها لحق الأمة وإرادتها، وهم يريدون أن ينتهوا مع الإنجليز إلى وفاق شريف يحقق آمال الأمة ويحفظ كرامتها وعزتها. ماذا يقترحون لتحقيق هذا الذي يريدون؟ يقترحون أن ترد إلى مصر حريتها الداخلية لتسعى كريمة إلى حريتها الخارجية، كيف يبلغون هذا ويحققونه؟ بإحدى اثنتين: ثورة لا يريدونها، ولا يفكرون فيها، وثبات هم محتفظون به مقيمون عليه، ولم يصبه ضعف، ولم ينله وهن، ولم تبلغ منه الأحداث والخطوب. فمن كان عنده اقتراح غير هذا فليعلنه في صراحة صريحة، وفي وضوحٍ واضح لا لبس فيه ولا خفاء.

ومن كان يريد غير هذا فليصرح في جلاءٍ عما يريد. فأما إرسال اللوم في غير طائل، وتكرير الخصومة في غير موضوع للخصومة، فضرب من إنفاق الوقت فيما لا خير فيه، وهو خليق أن يكون تصويرًا مؤلمًا لظاهرة من ظواهر الضعف، لعلها أخذت تسعى إلى بعض النفوس، وتجري بعض الألسنة والأقلام بما لم تكن تجري به من قبل. إن من الخير كل الخير، بل من الواجب كل الواجب أن تُحث الأمم على العمل وتُدعى إلى الجهاد، وتُلام إن قصرت أو أصابها الفتور. ولكن من الشر كل الشر أن يفت في أعضاد الأمم وأن يقال لها في كل يوم: قصرت، وأن يقال لها في كل يوم: أنت وانية متخاذلة! على حين أنها تبذل ما تستطيع، وعلى أنها تحتمل من المشقة والجهد، وتلقى من البؤس والعناء ما تحتاج معه إلى التشجيع والعزاء، لا إلى ما يثبط الهمم ويفل العزائم، ويوئس من المستقبل.

ومصر ليست بدعًا من الأمم التي امتحنت في حريتها، وفتنت في كرامتها، وأُخضعت لألوان المشقة والعنف، وابتليت بفنون الجور والظلم، فصبرت وصابرت، واحتملت مجاهدة في غير كسل ولا خمود، حتى رفع عنها الشر، وكشف عنها الضر، وظفرت بما كانت تريد. وقد طالت محنة مصر، فبلغت ثلاثة أعوام وبعض العام، ولكن أممًا أخرى قد صبرت أكثر من ثلاثة أعوام، وأكثر من أربعة أعوام، وأكثر من عشرة أعوام، فلم يمنعها ذلك أن تنتصر، وتظفر في الجهاد.

وقد أنفقت مصر خمسة عشر عامًا منذ الثورة ولم تحقق آمالها بعد؛ بل ردت عن بعض ما حققت من الآمال، ولكن أممًا أخرى قد أنفقت عشرات الأعوام بعد الثورة فربحت وخسرت، وانتصرت وانهزمت ولكنها مع ذلك انتهت إلى النصر، وإلى النصر الذي ليس فيه شك ولا ريب. إن الذين يقيسون حياة الأمم بحياة الأفراد، يخطئون أقبح الخطأ؛ لأنهم يقيسون الباقي بالزائل، والخالد بالفاني. وهم أثرون؛ لأنهم يجعلون أنفسهم كل شيء، ويقيسون منافع الأمم بمنافعهم. وهم مسيئون؛ لأنهم يذيعون الأثرة في الناس، ويفسدون في عقولهم مقاييس الحكم والتقدير.

إنما نحن جيل من أجيال، فليؤدِ جيلنا واجبه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، إنما حياتنا ساعة قصيرة، منقطعة من زمان متصل طويل، فلنقدر ذلك ولنعلم أنَّا غير مسئولين إلا عن شيءٍ واحد؛ هو ألا نُتَّهم في إخلاصنا، وصدق نياتنا، وألا نتهم بالبخل على الوطن بما نملك من قوة وجهد.

إن الذين يسألون المصريين ماذا يريدون، خليقون أن يقولوا هم ماذا يريدون. فليس للأزمة المصرية القائمة الآن إلا أحد حلين: فإما أن ترد إلى مصر حياتها كما كانت يوم أفسدها صدقي باشا، وإما أن ترضى مصر هذه الحياة التي فرضت عليها فرضًا، فأي الحياتين يريد هؤلاء السادة؟

أيريدون حياتنا الأولى؛ فليس إليها سبيل إلا أن نثبت حتى يتم إخفاق التجربة، وقد قطعت التجربة في الإخفاق شوطًا بعيدًا. أم يريدون الحياة الثانية؛ فقد يكون من الخير أن يعلنوا ذلك ويجهروا به ليعلم الناس ماذا يراد بهم، وليعلم الناس إلى أين يدفعون. فأما أن يريدوا ولا يريدوا، فأما أن يقولوا ولا يقولوا، فأما أن يضعوا أنفسهم مواضع الريب، ويلوموا الناس إن ارتابوا فيهم، فهذا شيء نحب مخلصين أن يكبر عنه المصريون جميعًا.

والناس يزعمون أن أحاديث تتردد في الأندية بالزهد في الحياة الدستورية القديمة والحياة الدستورية الجديدة، والانصراف عنهما معًا إلى الإصلاح الاقتصادي، حتى إذا فرغنا منه فكرنا في الدستور. وقد نحب أن يظهر أنصار هذا الرأي رأيهم ليعلم الناس أن صدقي باشا إن لم يكن قد ظفر بكسب الأنصار لدعوته الجديدة، فقد ظفر بصرف بعض الناس عن دعوة الأمة، ورد بعض الناس إلى حب الحياة التي لا تقوم على الدستور.

كلا، إنما الأمر واضح شديد الوضوح جليٌّ شديد الجلاء، ففي مصر متعجلون قد صبروا حتى كادوا يزهدون في الصبر، فما أجدر هؤلاء أن يذكروا الآية الكريمة: ().

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.