بعد ٦ يوليو وقرار مؤتمر السفراء ظَهَرَ جليًّا أن تركيا ومصر لا تستطيعان الاعتمادَ على قوةٍ من الخارج يكون بإمكانها أن تُمْسِك بيد إنكلترا عن الاعتداء. ولكن الباب العالي بَذَلَ المسعى الأخير ليحمل الدولَ على تأليف لجنة مختلطة للتحقيق في مذبحة ١١ يونيو، ومع تكرار الأمر الصادر إلى عرابي بمغادرة مصر إلى استانبول، بالرغم من حبوط أوامره الأولى واضطرار الشيخ أحمد أسعد إلى الرجوع من مصر إلى استانبول. واستند الباب العالي على احتجاج الحكومة المصرية على خطة الأسطول الإنكليزي الحربية ليستنكر تلك الخطة، وكان تسويف السلطان ومطله وظهوره بعدة مظاهر في مصر ذاتها مدة الشهور الطويلة سببًا للفشل السياسي.

بينما كانت السفن الإنكليزية تستعدُّ للقتال، أصدرَ وكيل قونصلاتو إنكلترا أمرًا إلى الرعايا البريطانيين بترك مصر، ثم ذهبَ إلى رأس التين لينبِّه الخديوي ليكون في مأمن من الخطر في إحدى سفنهم، فأجاب الخديوي «أنه لا يفارق بلاده في ساعة مهاجمتها والاعتداء عليها من دولة أجنبية»، ولكنه بعد الجدل مع وكيل القنصل الإنكليزي والسير كولفن الذي كان مراقب المالية، ارتضى أن ينتقل إلى قصر الرمل؛ لأن رأس التين عرضة لقنابل الأسطول. وأرسل المستر كارتوريت إلى درويش باشا أنه يعده مسئولًا شخصيًّا عن حياة الخديوي؛ لأن الخديوي في الرمل عرضة لسخط العرابيين وعدوانهم.

ولم يكن بد من إنذار الأجانب، فأرسل وكيل القنصل في ٩ يوليو رسالة إلى القناصل بأن يُنزلوا رعاياهم إلى البحر في ٢٤ ساعة، فأرسل القناصل الغوَّاصة يبحثون عن الباقين في المدينة من الأوروبيين. وبعد هذا الجلاء نزل القناصل الجنرالية ذاتهم إلى المراكب الحربية، وبعد ذلك خرجت السفن من الميناء إلى عرض البحر، وأبت الراهبات الثماني والقسيسان من الذين كانوا يقومون بإدارة المستشفى الفرنساوي إطاعة أمر قنصلهم وترك المستشفى والمرضى فظلوا في عملهم.

وظلت بقية من الأوروبيين في مكتب التلغراف الإنكليزي الذي كان مديره قد نقل عُدده إلى ظهر السفن الحربية. وفي أوتيل أبات ودار الكريدي ليونه. ولم يهتم الأميرال سيمور لبقايا الأروام والشرقيين، فوجَّه في صباح ١٠ يوليو إلى قومندان موقع الإسكندرية الإنذار الآتي:

أتشرف بأن أُبلغ سعادتكم أنه من حيث إن الاستعدادات الحربية الموجهة بلا شك ضد الأسطول الذي أقوده قد تمَّت أمسِ في طوابي السيالة وفاروس والسلسلة، فإني سأنفِّذ القرارات التي أبلغتها إلى سعادتكم في ٦ الجاري، وذلك عند شروق شمس الغد ١١ الجاري، إلا إذا كنتم قد سلمتموني قبل تلك الساعة بطاريات فرصة رأس التين وبطاريات الساحل الجنوبي من ميناء الإسكندرية لأنزع سلاحها.

وأبلغ المستر كارتوريت في الوقت ذاته إسماعيل راغب باشا — رئيس النظار — أن كلَّ علاقة سياسية معه قد قُطعت.

واجتمع مجلس النُّظَّار برياسة توفيق باشا، وأرسل الردَّ الآتي، وهو الرد الذي أطنب جميعَ المؤرخين بوجاهته وبروحه الوطنية الصادقة، وهو:

لم تعمل مصر شيئًا يقضي بإرسال هذه الأساطيل المتحدة، ولم تعمل السلطة المدنية ولا السلطة العسكرية أي عمل يسوِّغ مطالبَ الأميرال إلا بعض إصلاحات اضطرارية في أبنية قديمة، والطوابي الآن على الحالة التي كانت عليها عند وصول الأساطيل. ونحن هنا في وطننا وبيتنا، فمن حقنا — بل من الواجب علينا — أن نتَّخِذ عدتنا ضدَّ كل عدو مباغت يقدم على قطع أسباب الصلات السلمية التي تقول الحكومة الإنكليزية إنها باقية بيننا.

ومصر الحريصة على حقوقها والساهرة على تلك الحقوق وعلى شرفها، لا تستطيع أن تسلِّم أي مدفع ولا أية طابية دون أن تُكره على ذلك بحكم السلاح.

فهي لذلك تحتجُّ على بلاغكم الذي وجَّهتموه اليوم وتُوقع مسئوليات جميع النتائج المباشرة أو غير المباشرة التي تنجم إما عن هجوم الأساطيل أو عن إطلاق المدافع. على الأمة التي تقذف في وسط السلام القنبلة الأولى على الإسكندرية المدينة الهادئة مخالفة بذلك لأحكام حقوق الإنسان ولقوانين الحرب.

هذا ما قالته الحكومة المصرية في ردها على الإنذار. وكان غلادستون يقول: إن ضرب طوابي الإسكندرية لا يُعدُّ حالة حرب بين إنكلترا ومصر، فهو كضرب الأسطول الفرنساوي مدينة الجزائر ردًّا على إهانة الباي لقنصل فرنسا، وكضرب أساطيل الحلفاء للأسطول المصري في خليج نافارين.

ومع وصول الإنذار في صباح ١٠ يوليو ظلوا يبذلون المساعي لاستبقاء السلام، فراغب باشا طلب من قنصل إيطاليا مواصلةَ السعي، فجمع زملاءه القناصل على ظهر الدارعة الطليانية كإستلفيداردو، فاتَّفَقَ الجميع على أن زمن الوساطة قد انتهى. ولما وصل راغب باشا إلى ظهر السفينة لم يجدْ قنصلُ إيطاليا ما يقوله، إلا أن المسعى الوحيد الباقي له هو مسعى راغب باشا الشخصي لدى الأميرال، وكان معه ناظر المالية ووكيل الخارجية، فذهب الثلاثة إلى الدارعة إنفسيبل، وطلبوا من الأميرال أن ينقص من مطالبه؛ فطلب أن تُنزع من الطوابي المشرفة على البحر جميع مدافعها بحضور الضباط الإنكليز، فانصرف راغب باشا ولم يُجِب.

واجتمع النظار برياسة الخديوي في سراي رأس التين، وحضر اجتماعهم درويش باشا، فأظهر الخديوي ميلَه إلى التسليم الذي لا يمسُّ شرفَ الحكومة وكرامتها، فلما سمع درويش باشا هذا القول ضربَ المكتب بيده وقال:

لا تنسوا جميعًا أنكم عبيد مولانا السلطان، فهنا لا تجوز المفاوضة بل باستانبول، فإذا سلَّمتم الطوابي أوقعتم العيب والعار على الإسلام.

واتفقت كلمة الجميع على عدم التسليم، وعلى أن يسلِّموا بنزع ثلاثة مدافع من الطابية التي يختارها الأميرال فقط، فإذا هو رفض يتركون عليه مسئولية عمله، فإذا أقدم على ضرب الطوابي لا ترد تلك الطوابي إلا بعد الطلقة الخامسة.

أرسلوا رسولهم بهذا إلى الأميرال، فلم يهتدِ إلى مركبه في ظلام الليل، فوصل إليه في الصباح، وكانت سفنه على أهبة القتال، أو بالأحرى ضرب الطوابي.

كان الأسطول الإنكليزي مؤلَّفًا من ثماني مدرعات ومدفعيتين وثلاث كشافات وسفينة طوربيد وسفينة طليعة، وعدد مدافعها جميعًا ٦٩ مدفعًا كبيرًا و٨٨ مدفعًا متوسطًا وصغيرًا و٧٠ متراليوزًا، وعدد رجالها ٥٧٠٠ جندي.

أما قلاع الدفاع عن الإسكندرية، فكانت ٢٥ قلعة وطابية، أهمها طابية العجمي؛ لأنها كانت حديثة وذاتَ سلاح قوي، ولكنها كانت عديمة الجدوى؛ لأنها لا تستطيع من محلها ضربَ الأسطول الإنكليزيِّ في الموقف الذي اتخذه. أما الطوابي الأخرى، فكانت على قسمين: قسم رأس التين واسمه طابية فاروس، وطابية آطه، ثم قسم المكس بطوابيه ومتاريسه.

وكانت معدات الطوابي سيئة وجدرانها ضعيفة وبعضها من عهد محمد علي، والبعض من عهد الحملة الفرنساوية، كقلعة نابوليون وطابية كوم الدكة، وهما في داخل المدينة ولا تستطيعان ضربَ الأسطول، وكانت جميعها مكشوفةً إلا بطارية طابية فاروس. وفي شهر يونيو فقط أنشئوا بعض المزاغل، ولم يكن فيها من المدافع الششخانة سوى ٤١، وكانت المدافع من عيار ٢٥٠ مليمترًا هي وحدها قادرة على خرق درع السفن الإنكليزية ما عدا الإنفنسبل، وكانت هناك بعض مدافع الهاوون. أما مخازن البارود فكانت معرضة للقنابل دون أي درع يحميها. وكان عدد الحامية أربعة آلايات و٧٠٠ طوبجي وآلاي سواري، والجميع ٧٥٠٠ جندي. وكان عدد رجال البوليس والضابطة وبلوكات الخفر نحو عشرة آلاف، وكان طلبة عصمت القائد العام تحت إمرة ناظر الجهادية.

***

منذ ليلة ١١ استعدَّ الفريقان، فقسَّم الأميرال سيمور أسطوله قسمين: فالمدرعات وقفت وراء خط الميناء مراعية الماء العميق؛ لتكون حرة في حركتها، ومهمتها بقيادة الكومودور هويت غروب على الدارعة سلطان ضرب خط الجزيرة؛ أي خط رأس التين. ومهمة القسم الثاني بقيادة الأميرال سيمور على الدارعة إنفسيد في مدخل الميناء لتدمير خطِّ المكس، وكانت مهمة هذه الدارعة حماية السفن الصغيرة حولها لكبر مدافعها من عيار ٤٠٦م، ومساعدة المدرعات في الوقت ذاته ضدَّ خطِّ رأس التين.

وعند الصباح غيَّر الأميرال موقف بعض السفن، فتقدَّمت التمرير لضرب خطِّ المكس، فجنحت عند مدخل البوغاز. وعند الساعة السابعة أعطى الأميرال إشارةً للضرب، فأخذت سفنه تصبُّ النار الحامية على الطوابي. وكانت المدرَّعات الموكول إليها ضرب خط رأس التين على مسافة ١٥٠٠ متر من الطوابي، فكانت قنابل تلك الطوابي تسقط في منتصف المسافة، فلما رأت المدرعات ذلك ألقت مراسيها وأخذت دارعة الأميرال تعاونها، فأسكتت في الساعة العاشرة طابية رأس التين، وألحقت ضررًا جسيمًا بالقصر الذي كان الخديوي قد هجره إلى الرمل. وبعد ذلك وقفت المدرعات تجاه طابيتي آطه وفاروس تعاونها دارعة الأميرال والدارعة الجانحة، ولم تنقضِ نصفُ ساعة على اتجاه الأسطول كله إلى هاتين الطابيتين حتى انفجر مخزن البارود، فاضطرَّ المصريون إلى إخلاء الطابية، ووجَّه الأسطول قنابله إلى الجموع الحاشدة على الساحل؛ لأن الأهالي كانوا قد اختلطوا بالجند وتزاحموا على القلاع لمساعدة العساكر، فكانوا إذا صوَّب الجندي مدفعه إلى الإنكليز صاحوا وهللوا: يا شيخنا يا أباصيري يا سيد ياقوت يا عرشي. وسارت جموع أهل الطرق ووقفت على الساحل ببيارقها وأعلامها وطاساتها وطبولها وهم يصيحون: يا لطيف اللطف، الله أكبر الله أكبر. فهذه الجموع الضخمة المتجهة إلى الله والمتحمِّسة للوطن، مزَّقتها المدافع في جهة السيالة تمزيقًا شديدًا، فكان المنظر يفتِّت الأكباد. أما عرابي فكان إبَّان ذلك في قلعة القضايا يذكر الله ويدعو.

وبَذَلَ الإنكليز مجهودًا كبيرًا لإسكات مدفع واحد من مدافع الششخانة الذي أصاب سفنهم مرارًا، وظلَّ وحده يكافحهم حتى الساعةِ الخامسة ليلًا.

أما في الخط الجنوبي، فلم يقاوم مقاومة تستحقُّ الذكر؛ فإن قنبلةً أصابت مخزن البارود في طابية موسى الخانات، فألهبته ففرَّ الجنود.

وفي الساعة الثانية ركب خمسة ضباط و١٢ نوتيًّا من الإنجليز زورقًا اتَّجَهَ بهم إلى جهة المكس، فدخلوا الطوابي وحطَّموا مدفعين كبيرين بالقطن المكبرت وستة مدافع هاوون. أما طابية مرايوط فإنها حاولت مساعدة خط المكس، فاتجه إليها اللورد برسفورد بزورق صغير وأصلاها نارًا حامية، ثم ساعده الأسطول فأسكتها.

ولما حلت الساعة الخامسة انتهى كلُّ شيء، ولم يَمُت من الإنكليز سوى ٥ ولم يُجرح سوى ٢٧، ولكن كثيرًا من مراكبهم أُصِيب، وأكثر إصابة كانت للدارعة سوبرب، فإنها ثُقبت في محلين، وانفَجَرَ بعض مدافعهم أو تعطَّل، ولكثرة الضرب كانت مخازن الذخيرة في سفنهم قد فرغت أو كادت.

أما خسائر الجيش المصري، فهي بين ٣٥٠ قتيلًا ونحو ٢٠٠٠ جريح، ولم تتأثَّر القلاع والطوابي كثيرًا. وكان فشل القلاع نتيجة السلاح القديم السيئ وقلة تدرُّب الجنود، وطاشت قنابل الأسطول فأصابت كثيرًا من أنحاء المدينة وبناياتها، فقال الناس إنهم أرادوا هدم المدينة لينشئوا مدينة جديدة إنكليزية، وقال الإنكليز إن السبب هو سقوط نور الشمس على أنظار الطوبجية فأخطئوا الرماية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.