أعمال الناس لا تقاس بمقياس واحد؛ لأنها قد تقاس بحسب النيات، وقد تقاس بحسب الغايات، وقد تقاس بحسب الأشخاص الذين يتولونها، وقد تقاس بحسب المناسبات التي تقع فيها؛ فتختلف المقاييس على حسب اختلاف هذه الأحوال.

مثال ذلك: أنك تنهى الطفل الصغير عن طعام يثقل عليه وتستبيح أنت تناوله، وتكون على صواب في الحالتين، وأنك قد تنهاه في حالة المرض عن طعام تبيحه إياه في حالة الصحة، ولا تخطئ في هذا الاختلاف، وأنك قد تمنع أخاك الصغير عن معاشرة أناس، ولا ترى أنت حرجًا في معاشرتهم؛ لأنك لا تخشى منهم على نفسك كما تخشى منهم عليه.

وقد يحدث العمل الواحد فيتلقاه رجل بالاستخفاف، ويتلقاه غيره بالغضب، ولا اختلاف في الأمر غير اختلاف المزاج. وقد يُغتفر إنسان ما ليس يغتفره غيره لتفاوت بينهما في وجهة النظر، وإن كان كلاهما من أفاضل الناس.

هذه الملاحظة — أو هذه الملاحظات — تزيل كثيرًا من اللبس فيما يعرض في سيرة عمر بن الخطاب من الاختلاف بين حكمه على بعض الأعمال، وحكم النبي عليه السلام على تلك الأعمال. وكل ما يستفاد من ذلك أن أفق الأخلاق الإنسانية واسع فسيح، وأنها تتسع لكثير من العوارض والأطوار، ولا يستفاد من ذلك حتمًا أن هناك تناقضًا في الأعمال والأحكام.

وقد سألني الطالب النجيب «حسين حسين الجزار»، بمدرسة فاروق، عن بعض هذه الأعمال التي اختلفت فيها وجهات النظر بين النبي والفاروق، فرأيت من المفيد في دراسة النفس الإنسانية، وفي دراسة العظماء على الخصوص، أن أبين الوجه الصحيح في النظر إلى هذه الفروق، بحيث يبدو من هذا النظر أن عمل النبي جائز من النبي، وأن عمل الفاروق جائز من الفاروق، ولا تناقض هناك ولا غرابة في كلا الأمرين.

سألني الطالب الأديب عن قصة الجارية التي كانت تضرب بالدف بين يدي النبي، فما هو إلا أن دخل عمر حتى وجمت الجارية وأسرعت إلى الدف تخفيه، فقال النبي: «إن الشيطان — أو إن شيطانها — ليخاف منك يا عمر!»

وموضع العجب عند الطالب النجيب أن تعمل الجارية في حضرة النبي ما لا تعمله في حضرة الفاروق! ولا عجب هناك؛ فإن كل ما هنالك من الفرق بين الأمرين أن الجارية أَنِسَتْ إلى سماحة النبي، ولم تأنس إلى شدة عمر، ولا غرابة في الشدة هنا أو السماحة هناك.

والكلام في هذه القصة عن شيطان الأغاني والشعر والأهازيج؛ أي عن شيطان الفنون على الإجمال، وليس شيطان الفنون في حكم الدين أو الأخلاق كشيطان المعاصي والشرور.

والمرجع — بعد — في هذه القصة إلى الجارية ومن تأنس إليه، وقد تغني جارية في حضرة السلطان ولا تغني في حضرة رئيس الشرطة مثلًا أو قائد الجيوش، ولا يقال: إن هذا أو ذاك أعظم عندها من السلطان؛ فإنما المسألة كلها في هذه المواقف مسألة الأنس والارتياح، وليس لنا أن نسأل مغنيًا أو فنانًا: لماذا يرتاح إلى هذا المقام، ولا يرتاح إلى ذلك المقام.

ولم يكن عمر رضي الله عنه يحرم ما أحله النبي عليه السلام في هذا الصدد، فقد قرأ الطالب الأديب ولا شك أن عمر سمع ضجة في مكان، فقيل له: إنه عرس، فقال: هلا حركوا غرابيلهم؛ أي طبولهم. فلا تحريم في الأمر ولا تحليل، وإنما هو كما قدمنا مسألة ارتياح «شخصي» لا يحاسب عليه صاحبه بحساب الإلزام.

وسأل الطالب الأديب كذلك عن قصة الأسود بن شريع، الذي كان ينشد بعض الأماديح، فاستنصته النبي مرتين إذ دخل عليهما عمر والشاعر لا يعرفه، فصاح: واثكلاه! من هذا الذي أسكت له عند النبي؟ فقال النبي: هذا عمر، هذا رجل لا يحب الباطل.

ويسأل الطالب: كيف يقبل النبي ما لا يقبله الفاروق؟

وينبغي أن نعرف أولًا ما هو معنى الباطل المقصود في هذه القصة؛ فإن الباطل قد يكون بمعنى المزاح، يقال: بطل في حديثه بطالة؛ أي هزل ومزح، وقد يكون بمعنى الشيء الذي لا غناء فيه، أو الشيء الضائع، أو الشيء الذي تقل جدواه، وقد يكون مقابلًا للحق مقابلة الشيء وما لا يشبهه، لا بمقابلة النقيض للنقيض.

وموضع السؤال الحق هنا: أي الرجلين كان أولى بحفاوة النبي عليه السلام: الأسود بن شريع أو عمر بن الخطاب؟

ولا خلاف في الجواب.

أما أن النبي يتسع صدره لكلام لا يتسع له صدر عمر، فليس من اللازم أن يمنع النبي كل ما يمنعه أصحابه، ولو كانوا على صواب. ونحن نرى مصداق ذلك في كل شريعة وكل نظام، وفي كل زمان؛ فإن القضاء قد يدين مجرمًا بحكم القانون، ثم يعفو عنه الملك لسبب يراه، ولا يقال: إن في الأمر مخالفة للعدل أو للشريعة، وإنما هو اختلاف للتقدير الذي قضى بالعفو، والتقدير الذي قضى بالعقاب.

واختلاف التقديرين بين النبي العظيم وصاحبه العظيم، كما قلنا في عبقرية عمر: «هو الفارق بين إنسان عظيم ورجل عظيم؛ فالنبي لا يكون رجلًا عظيمًا وكفى، بل لا بد أن يكون إنسانًا عظيمًا، فيه كل خصائص الإنسانية الشاملة التي تعمُّ الرجولة والأنوثة، والأقوياء والضعفاء، وتُهيِّئُه للفهم عن كل جانب من جوانب بني آدم، فيكون عارفًا بها وإن لم يكن متصفًا بها، قادرًا على علاجها وإن لم يكن مُعرَّضًا لأدوائها، شاملًا لها بعطفه وإن كان ينكرها بفكره وروحه؛ لأنه أكبر من أن يلقاها لقاء الأنداد، وأعذر من أن يلقاها لقاء القضاة.»

والمعنى البسيط الذي يفهم من هذا الفارق، ومن جميع الفوارق، أن النبي ليس هو عمر، وأن عمر ليس هو النبي، وأنهما لا يلزم أن يكونا على نمط في الفهم والشعور، وإن كان لكل منهما نصيب من العظمة ومكارم الأخلاق.

***

وسؤال آخر في علم النفس يسأل عنه الطالب الأديب فيقول: «إن العالم الإيطالي يقرر أن من صفات العبقرية الطول البائن، أو القصر البين.» ثم يسألني: «لماذا لا يحد الأستاذ من هذا القول؟ أليس الطول البائن زيادة عن الحد المطلوب، أو عن تناسب القوام؟»

ومن الواجب أن نذكر أننا لا نتكلم هنا في فروض وتقديرات، ولكننا نتكلم في واقع لا شك فيه، وهو أن عمر كان طويلًا مفرطًا في الطول، وكان كما وصفوه يمشي كأنه راكب، وكان مع هذا عبقريًّا بشهادة النبي وشهادة الصحابة وشهادة الأعمال.

فلا حيلة لنا في هذه الصفة، ولا مخرج منها بالفروض والتقديرات … كان طويلًا وكان عبقريًّا، فلماذا نقول: إن لمبروزو قد أخطأ في تصويره لملازمات العبقرية وهو قد أصاب؟

وبعد، فالكلام عن العبقرية غير الكلام عن التناسب؛ لأن العبقرية تفوُّق خارق للعادة، والتناسب محافظة على نسب الأشياء التي جرت بها العادة، فلا يمكن أن يكون الشيء خارقًا للعادة، ومتناسبًا على حسب العرف المألوف في سائر المناسبات.

إن خرق العادة يستلزم بنفسه مخالفة العادات؛ ولهذا كان لزامًا أن نرى في جملة العباقرة صفات يخالفون بها سواد الناس، وقد تكون هذه المخالفة شذوذًا في حالات، ورجحانًا في حالات أخرى، بل قد يكون الرجحان كما يقولون «على حساب» صفات أخرى ينقص فيها العبقري عن سواد الناس؛ لأنه زائد عليهم في ملكات العبقرية والنبوغ.

فلم يخطئ لمبروزو حين سجَّل هذه الملاحظات، وهو لم يسجلها ظنًّا منه وتخمينًا لا يستند إلى دليل، بل سجَّلها وهو يُقرنُها بالصفات المعروفة عن كثير من عباقرة العلم والفنون والسياسة والحروب، فإذا بفريق منهم بالغ في الطول، وفريق بالغ في القصر، وإذا بأناس منهم تبرز فضائلهم كما تبرز نقائصهم على طرفين متقابلين.

وقد رأينا في التاريخ الحديث دهاة سياسيين تجاوزوا الطول المألوف من أمثال ريشليو وبسمارك وبيكنسفيلد وتاليران، ورأينا فيه عباقرة دهاة أقصر من القوام المعتدل بين الناس؛ كنابليون وعبد الحميد وموسوليني، فلم يكن في هذه المشاهدات تفنيد لرأي العالم الإيطالي، بل كان فيها تعزيز وتأييد.

ومن مزايا الدراسات النفسية ولا ريب أنها ترينا الصفة وما يقابلها في معارج العظمة والعبقرية، فلا تقول: إننا نتناقض ونتعارض، بل تقول: إن العظمة الإنسانية أفق رحيب يتسع لشتى الأطوار، وشتى الصفات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.