كان يوجد شخص ما وراء ظهرها. لقد كانت واثقة من ذلك. شبح خبيث؛ دائمًا رجل، ودائمًا يوجد إلى يمينها، ولكن حينما تتلفت يكون قد رحل.

في عام ٢٠٠٦، كانت تلك المرأة موجودة في مستشفى الجامعة بجنيف تنتظر الخضوع لعملية جراحية لإزالة أجزاء من مخها كانت تسبب نوبات صرع. استعدَّ الجراحون — بقيادة طبيب الأعصاب أولاف بلانك — للعملية الجراحية من خلال تحفيز مخها بالكهرباء؛ لتحديد المناطق المهمة التي يجب أن يحافظوا على بقائها. وعندما صعقوا منطقة معينة — المنطقة الواصلة بين الفصين الصدغي والجداري في المخ — شعرت على الفور بشبح يهاجمها من ورائها.

التفتت لتنظر إليه وعندما سألها بلانك عن سبب الالتفات، قالت إنها شعرت ﺑ «شبح» وراء ظهرها، صامت ولا يحرك ساكنًا. وحدث الأمر نفسه في كل مرة حفَّز فيها الفريق هذه المنطقة. يقول بلانك: «كان الأمر حقيقيًّا للغاية، ولم تقتنع عندما أخبرناها أنه لم يكن حقيقيًّا.»

هذا النوع من الشعور ليس جديدًا؛ فمنذ زمن سحيق، تداول البشر قصصًا عن الأشباح والأطياف؛ كيانات مُطارِدة يُستشعر وجودها بقوة ولكنها لا تُرى قط. ويشير متسلقو الجبال في كثير من الأحيان إلى الشعور بكيانات غير مرئية تصاحبهم. وأشار كثير من الناس الذين يعانون من مشاكل عصبية أو نفسية إلى أحاسيس مماثلة. كان بلانك يرى الظاهرة نفسها أثناء العمل مع مريضته، ولكن مع فارق واحد جوهري؛ كان بإمكانه تشغيلها وإيقاف تشغيلها.

طلب الفريق من المرأة تغيير موضعها، فاستلقت على ظهرها على الفراش أو جلست ممسكة بركبتيها. وفي كل وضعية، كان الشبح يتخذ وضعية الجسد نفسها. كان هذا مفتاحًا عظيمًا لحل اللغز. فذهب بلانك إلى أن مخها يخطئ بطريقة أو بأخرى في موضع إحساسها بذاتها.

هذه فكرة غريبة. فبينما تقرأ هذا، تعلم أنك موجود داخل جسمك، وهو شعور متأصل فيك ويبدو يسيرًا لدرجة عدم الحديث عنه. ولكن يتبين أن مخك يكوِّن باستمرار شعورًا بملكية الجسم، وعلى ما يبدو أن هذا الإحساس المتأصل هَشٌّ نوعًا ما في الواقع. ويستطيع العلماء تعطيله بسهولة من خلال أوهام بسيطة، والتي تقنع الشخص بأنه تبادل جسده مع آخر، أو أنه خاض تجربة خروج من الجسد. وتساءل بلانك عما إذا كان يستطيع صنع وهم يمكن أن يجعل الشخص السليم يشعر بوجود شبح أم لا.

وبالتعاون مع خوليو روجونيني — مهندس الطب الحيوي من المعهد الفيدرالي التقني بلوزان في سويسرا — صمم جهازًا يضم اثنين من الروبوتات: روبوت رئيسي يكون أمام المتطوعين، وربوت تابع يكون خلفهم. تضع أنت سبابتك اليمنى في الروبوت الرئيسي وتحركه، وتُرسَل تلك الحركات إلى الروبوت التابع الذي ينخسك في ظهرك، باستخدام الضغط نفسه والتوقيت نفسه والنمط نفسه. وفي الوقت ذاته، يقدم لك الروبوت الرئيسي أيضًا ردَّ فعل ملموسًا في طرف إصبعك؛ ونتيجة لذلك تشعر أنك تنخس ظهرك، على الرغم من أن ذراعك ممدودة أمامك.

إنها خدعة متقَنة. ولكن أصبحت الأمور مثيرة للاهتمام حقًّا عندما أخَّر الفريق استجابة الروبوت التابع لفترة قصيرة؛ فارق يساوي نصف ثانية بين تحريك المتطوعين للروبوت الرئيسي ورد فعل الروبوت التابع على ظهر الشخص.

وفجأةً شعر خمسة مشاركين أنه يوجد شخص ما في الغرفة يقف وراءهم ويلمُسهم؛ وهو الشعور نفسه الذي انتاب مريضة بلانك. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يستطيع فيها أي شخص إعادة خلق هذا الشعور في المختبر عن عمد.

والآن، يمكنك القول إن شخصًا ما في الواقع كان يقف وراءهم ويلمسهم؛ الروبوت التابع! ولكن جميع المتطوعين كانوا قد رأوا الجهاز، وكانوا جميعًا على علم بالروبوتات، ولكن هذا لم يكن مهمًّا، فقد شعروا بصدق وقوة أنه يوجد «شخص» حقيقي في الغرفة معهم ينخسهم في ظهورهم. وكان هذا الشعور مختلفًا تمامًا عما كانوا يشعرون به عندما كان الروبوت الرئيسي والتابع يتحركان في تزامن.

أربكت المعلومات الحسية والحركية غير المتطابقة مخاخهم. فإذا نخست نفسي في صدري الآن، أستطيع أن أشعر بمفاصلي تتحرك وأرى أصبعي تضرب عظمة القص لديَّ، وأشعر بصدري من خلال أصبعي، وأشعر بأصبعي من خلال صدري. كل شيء متوافق، وأعلم أني داخل جسدي. فإذا لم تتوافق تلك المعلومات، فإن مخي سيراجع إدراكه للواقع لتفسير التناقضات؛ فقد يظن أنني ربما لست داخل جسدي على الإطلاق. ربما أنا موجود هناك.

يعتقد بلانك أن هذا هو ما يحدث لدى المتطوعين لديه عندما يقعون في الوهم؛ فتنشئ مخاخهم تصوُّرَيْن لأجسادهم: تصور قوي في مكانه المعتاد، وآخر أضعف وراءهم. وهذه تجربة خروج جزئي من الجسد.

وجد الفريق ما يؤيد هذه الفكرة عن طريق الطلب من المتطوعين تخيل كرة تُرمى نحو الجدار المقابل، والضغط على زر طالما كانت الكرة في الهواء. تقيس هذه المهمة البسيطة المكان الذي يعتقد المتطوعون أنهم موجودون فيه: فإذا استمروا في الضغط على الزر لفترة أطول؛ فذلك لأنهم يشعرون على نحو بدهي بأنهم في مكان خلفهم بعيد في الغرفة. وبالفعل، الأشخاص الذين شعروا بوجود كيان غريب ضغطوا على الزر لمدة أطول من أولئك الذين لم يشعروا بذلك.

يريد بلانك الآن تصوير مخاخ المتطوعين ليرى ما يحدث عندما يقعون في الوهم. ويمتلك بعض الإشارات بالفعل من خلال دراسة ١٢ شخصًا عانَوْا من تلف في المخ وشعروا بانتظام بوجود كيان غير مرئي. كان كل منهم يعاني ضررًا في الثلاثة الأجزاء نفسها من المخ: في الجزيرة، والقشرة الجبهية الجدارية، والقشرة الصدغية الجدارية. ومن بين تلك الثلاثة، كان يبدو أن منطقة القشرة الجبهية الجدارية تالفة على نحو خاص لدى الأشخاص الذين يشعرون بوجود الكيان، وليس لدى أولئك الذين يعانون من أنواع أخرى من الهلوسة.

يبدو هذا منطقيًّا؛ إذ تشارك هذه المناطق في دمج المعلومات من حواسنا وحركاتنا، وفي السيطرة على أجسادنا. واكتشف علماء آخرون أن الأشخاص الذين يقعون في أوهام ملكية الجسم يكون لديهم نشاط أقوى في هذه المناطق نفسها. ويقول هنريك إيرسون — من معهد كارولينسكا، الذي يدرس أيضا ملكية الجسم: «من المنطقي أن الإصابة في هذه المناطق يمكن أن تؤدي إلى حدوث انهيار في التكامل الطبيعي للإشارات الجسدية؛ فيساء تحديد مكان المعلومات الحسية في الفراغ المحيط بك؛ مما يؤدي إلى الشعور بوجود كيان آخر.»

ربما تحدث هذه الأنواع من عدم التطابق عفويًّا. ويعتقد بلانك أن هذا هو السبب في شعور الكثير من متسلقي الجبال بوجود كيان بجانبهم، فكما يقول: «تكون منهكًا، ويكون مستوى الأكسجين لديك منخفضًا، ولا ترى أي شيء عدا الأبيض والرمادي، وتضع قدمًا أمام الأخرى فحسب مرارًا وتكرارًا. وهكذا يكون مخك في حالة متغيرة من الوعي، وتكون أيضًا في حالة تكرار للحركة تشبه الروبوت.» فتوجد فرصة كبيرة لانعدام التزامن بين المعلومات الحسية والحركية في المخ.

من الممكن أن تُنشِّط العزلة الاجتماعية والضغوط الشديدة شيئًا من هذا القبيل؛ الأمر الذي ربما يفسر السبب في رؤية الأشخاص كثيرًا للأشباح في أوقات الوحدة أو القلق. فهم لا يرون كيانات خارقة للطبيعة، إنما يشعرون فحسب بأنفسهم، ولكن منتقلون عدة أقدام خارج أجسادهم بسبب أن مخاخهم في حالة مشوشة وحصلت على معلومات خاطئة.

هذه فرضية، ولكنها فرضية يمكن للفريق اختبارها الآن في مختبرهم. يقول بلانك: «نحن نعتقد أنه إذا أدخلت الشخص في حالة إنهاك باستخدام المشاية الكهربية؛ فإن ذلك يمكن أن يعزز قدرته على الشعور بوجود كيان آخر.»

ويضيف إيرسون أنه على الرغم من أن الكيان الوهمي عادة ما يكون «شبحًا» مجهولًا، فإن ثلاثة من المرضى في الدراسة شعروا أن شخصًا حقيقيًّا من أفراد أسرتهم كان وراءهم، ويتساءل قائلًا: «ما هي آليات المخ التي تنشَط عندما يصبح الشبح غير المعروف شخصًا حقيقيًّا يمتلك مخًّا خاصًّا به؟»

It’s behind You! Robot Creates Feeling of Ghostly Presence by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. November 6, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.