في حكاية إيسوب التي بعنوان «الصبي الذي صاح ذئب!» يكذب الصبي — بطل القصة — على جيرانه القرويين مرارًا وتكرارًا، مدعيًا هجوم الذئب على قَطِيعه. وعندما يُهاجِم الذئب بالفعل قطيعَه، يتجاهل القرويون صرخات الصبي الصادقة هذه المرة. المغزى هنا — كما يُعلِّم الآباء أطفالهم — هو: لا تكذب. لكنه قد يكون أيضًا: إذا كنت ستكذب، فلتنوِّع أكاذيبك بعض الشيء، كأن تصيح من حين لآخر مستنجدًا من دبٍّ بدلًا من ذئب.

طائر الدرونجو متشعب الذيل.
طائر الدرونجو متشعب الذيل.

يعيش في جنوب القارة الأفريقية طائر يُلخِّص هذا الدرس المستفاد؛ وهو الدرونجو متشعب الذيل. «إنه طائر صغير مخيف المنظر؛ أسود اللون، متشعب الذيل، أحمر العينين، ذو منقار معقوف.» على حد وصف توم فلاور، الباحث بجامعة كيب تاون. وهو أيضًا مقلِّد بارع؛ إذ يُصدِر على الأقل ٥١ صيحة تحذير مختلفة، ٦ منها فحسب خاصة به، بينما الباقي عبارة عن نُسَخ مقلدة من صيحات تحذير تصدرها أنواع أخرى من الحيوانات.

بينما كان فلاور يدرس حيوانات السرقاط في صحراء كالهاري، لاحظ أن طيور الدرونجو تُخِيفها مُبعِدةً إياها عن الطعام عبر تقليد صيحات التحذير الخاصة بأنواع أخرى من الحيوانات — والتي قد يكون من ضمنها صيحات حيوانات السرقاط نفسها — رغم عدم وجود أي حيوانات مفترسة بالجوار. ومِن ثَمَّ بدأ فلاور يُتابعها، متعقبًا مجموعة برية من ٦٤ طائر درونجو طوال ساعات النهار الحارقة والليالي قارصة البرودة بصحراء كالهاري. وقد حسب حتى الآن ما يزيد عن ٨٥٠ ساعة من المراقبة.

اكتشف فلاور في النهاية أن تلك الطيور تقضي رُبع وقتها في تتبُّع الحيوانات الأخرى؛ مثل: حيوانات السرقاط، وطيور الثرثار المرقط. تلعب تلك الطيور دور الحارس الذي يُحذر جيرانه من اقتراب الحيوانات المفترسة عبر صيحات تحذير أصلية، لكنها كذلك طيور سارقة. فكما لاحظ فلاور، تُصْدِر طيور الدرونجو في بعض الأحيان تحذيراتٍ كاذبةً عندما يعثر أحد جيرانها على طعام. ومِن ثَمَّ تهرب حيوانات السرقاط وطيور الثرثار من هذا الحيوان المفترس الوهمي لتنقضَّ طيور الدرونجو منتزعةً هذا الطعام الشهي. وتشكل تلك السرقات ربع السعرات الحرارية التي تحصل عليها هذه الطيور يوميًّا.

تتميز طيور الدرونجو بالدقة البالغة؛ إذ تميل لتقليد الصيحات الخاصة بأنواع الحيوانات التي تستهدفها، يدفعها في ذلك سبب معقول. فعندما شغل فلاور صيحات تحذير مختلفة لطيور الثرثار المرقط، وجد أنها تستجيب استجابة أقوى لصيحات التحذير الخاصة بها مقارنةً بصيحات التحذير الخاصة بطيور الدرونجو.

من الواضح أن هذه الاستراتيجية تلقى نجاحًا، لكن ما السبب وراء محافظة تلك الطيور على هذا النجاح؟ لماذا لا تدرك حيوانات السرقاط وطيور الثرثار زَيْف صيحات التحذير تلك، مثل القرويين في حكاية إيسوب؟ في الحقيقة، إنها تدرك بالفعل تلك الحيلة. فعندما جرَّب فلاور إعادة تشغيل نفس صيحة التحذير لطيور الثرثار، وجد أن قوة استجابتها لصيحة تحذير كاذبة ثانية — بعد ٢٠ دقيقة من الصيحة الأولى — انخفضت، بل وزادت نسبة الانخفاض عند سماعها للمرة الثالثة. لكن إذا استبدل فلاور صيحة التحذير الثالثة بصيحة مختلفة، فستعود طيور الثرثار إلى حالتها الأولى وتصبح متيقظة ومنتبهة من جديد.

هذا هو بالضبط ما تفعله طيور الدرونجو. فهي غالبًا ما تحاول سرقة الطعام من نفس الحيوان، وتراعي في ثلاثة أرباع محاولات السرقة المتكررة تلك تبديل صيحات التحذير. كذلك من المرجح أن تبدل صيحة التحذير إذا فشلت محاولتها الأولى، وعندما تفعل ذلك تزداد احتمالية نجاحها في المحاولة الثانية.

قد يفسر ذلك سبب قدرة طيور الدرونجو على تقليد العديد من الصيحات؛ فإن ذخيرة الأصوات المتنوعة التي لديها تساعدها على الاستمرار في خداع الحيوانات التي تستهدفها. في الواقع تشبه هذه الطيور إلى حدٍّ ما عدوى فيروسات العوز المناعي البشري، والإنفلونزا، وطفيليات الملاريا، التي تستطيع تغيير البروتينات الموجودة على سطحها لخداع جهاز المضيف المناعي.

تعلق لورا كيلي — الباحثة بجامعة كامبريدج، والتي تدرس المحاكاة الصوتية لدى الطيور — على ذلك قائلةً: «لم يتضح إلى أي مدًى تُدقِّق طيور الدرونجو في نوع الأصوات التي تصدرها ووقت إصدارها.» إذ أشار فلاور إلى تغييرها لصيحات التحذير بعد محاولة سرقة فاشلة، لكن ما البديل الذي تلجأ إليه؟ هل تختار نوعًا آخر من الحيوانات تهدده نفس الحيوانات المفترسة التي تهدد طيور الثرثار المرقط؟ أم هل تحاكي الطيور المعروفة ببراعتها الاستثنائية في إصدار صيحات التحذير؟ أم هل تختار صيحة تحذير أخرى عشوائيًّا؟ تقول كيلي: «ربما نتوقع ألَّا تنتبه جميع أنواع الحيوانات المستهدفة لجميع صيحات التحذير على نحو متساوٍ؛ فلا بدَّ أن بعض الصيحات ستكون مناسبة بيئيًّا أكثر من غيرها.»

علاوة على ذلك، ما الذي تخبرنا به تلك الظاهرة عن ذكاء طائر الدرونجو؟ لقد اقترح بعض العلماء أن المحاكاة التكتيكية تتضمن فهم المحاكي لجانب من الحالات العقلية لدى أهدافه؛ وهي قدرة تُعرَف باسم نظرية العقل. لكن ناثان إميري — الباحث بكلية كوين ماري بجامعة لندن، والذي يدرس ذكاء الحيوانات — يزعم أن مجموعة من القواعد البسيطة قد تؤدي إلى نفس السلوك. فإذا وُجِد طائر ثرثار ومعه طعام، فسيصدر طائر الدرونجو صيحة التحذير الخاصة بطيور الدرونجو، وإذا ترك الطائر الطعام، فسيأخذ طائر الدرونجو الطعام، أما إذا بقي، فسيجرب طائر الدرونجو صيحة التحذير الخاصة بطيور الثرثار، وهكذا. فهي استراتيجية تعتمد على «الاستمرار في حالة النجاح، والتغيير في حالة الفشل.»

وعلاوة على ذلك يضيف فلاور قائلًا: «لا أعتقد أن طيور الدرونجو تتلاعب متعمدةً بعقول الحيوانات الأخرى، وهي الطريقة التي قد يستخدمها الإنسان للإتيان بنفس السلوك.» يوجد على الأرجح تفسير أبسط من ذلك. يقول فلاور: «ببساطة تستمر الطيور في إصدار نفس الصيحات التي مكنتها من الحصول على الطعام من قبل، وإذا لم يفلح أي منها، فربما تلجأ قليلًا إلى التجريب أو التعميم اعتمادًا على تجاربها السابقة مع أنواع أخرى من الحيوانات.»

رغم ذلك لا تزال الظاهرة مثيرة للإعجاب، فعلى حد قول إميري: «إن ما تقوم به طيور الدرونجو ليست مهمة سهلة.» فهي تتبع أسلوبًا مرنًا في استخدام صيحات التحذير، وهو سلوك تطور في سياق ما ويهدف للتأثير على سلوك ينتمي لسياق مختلف، ألا وهو سرقة الطعام.

يرغب فلاور في التوصل لفهم دقيق لكيفية نجاح طيور الدرونجو في تنفيذ خِدَعها المتغيِّرة: «ربما يوضح ذلك أن السلوك المعقد ظاهريًّا قد ينتج من آليات بسيطة، ويبين كذلك أنه عندما تأتي الحيوانات بتصرف ما نعتقد أن البشر هم وحدهم القادرون على فعله، فإن هذا لا يعني تمتعها بقدرة معرفية تماثل تلك الخاصة بالبشر.»

ملحوظة: هل تستخدم طيور الدرونجو صيحات تحذير كاذبة لسرقة الطعام من بعضها؟ يجيب فلاور عن ذلك قائلًا: «نعم؛ تفعل ذلك. ولا نعرف بعدُ ما إذا كانت أقل سذاجة من الأنواع الأخرى أم لا، أو ما إذا كان بعضها تقلُّ أو تزيد احتمالية خداعه.»

The Bird That Cries Wolf Changes Its Lies by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. May 2, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.