في مصيفه بإيطاليا سمع الدكتور طه حسين بقيام ثورة ٢٣ يوليو منذ عشر سنوات، وفي عيد الثورة العاشر كتب طه حسين من نفس المكان عن يوم الثورة وعن عيدها العاشر، ولكن البريد حمل إلينا كلمة الدكتور طه حسين متأخرة عن موعدها.

***

في نفس هذه القرية المتواضعة التي أُملي منها هذا الحديث فاجأتنا الصحف ذات صباح بأنباء الأحداث الأولى للثورة التي شبَّت في مصر، واضطرت وزارة إلى أن تستقيل، وأكرهت الملك على أن يولي أمور الحكم وزارة أخرى فرضها عليه الجيش الثائر الذي لم تستطع وزارته المستقيلة أن ترده عن الثورة ولم يستطع هو إلا أن يُذعن لما طُلب إليه.

ولم تكن قد مضت إلا ساعات قليلة على هذه الأحداث التي حملتها إلينا الصحف، واللَّه وحده يعلم كم كان ابتهاجنا بهذه الأحداث وكم كان اندفاعنا إلى التفكير في أعقابها، ولكن الصحف لم تضطرنا إلى كثير من التفكير والتقدير؛ فقد كانت تأتينا مصبحة وممسية بأنباء الأحداث إثر وقوعها.

وما أعلم أننا أقبلنا على قراءة الصحف الإيطالية كما أقبلنا عليها في تلك الأيام رغم قصورنا عن فهم اللغة التي كانت تحمل إلينا هذه الأنباء. كنا نصبح فنقرأ الأنباء في الصحف الإقليمية، فإذا تقدم النهار قليلًا أسرعنا إلى شراء الصحف التي تصدر في روما مصبحة، فإذا كان المساء أسرعنا إلى شراء الصحف المسائية.

وكذلك عشنا أيامًا لا همَّ لنا إلا تتبع الأنباء واستقصاؤها في كل ما يصل إلينا من الصحف، وكان لنا صديق في روما قدَّر اهتمامنا بهذه الأنباء، فجعل يبرق إلينا بها مرات في كل يوم ويسبق الصحف بحملها إلينا. وفي ذات صباح وصلت إلينا الأنباء بنزول الملك عن عرشه وسفره من مصر منفيًّا إلى إيطاليا.

هنالك استيقنا أن الثورة قد أصبحت حقيقة واقعة لم يستطع أحد أن يخمدها بل لم يحاول أحد أن يخمدها، ورأينا الدول الأجنبية قد اعترفت بها في غير تردد ولا تلكؤ.

هنالك اطمأنت نفوسنا إلى أننا أبناء شعب ثائر منتصر في ثورته لا يكتفي بإقالة وزارة وتولية وزارة أخرى؛ بل يتجاوز هذا إلى إقالة ملك وتولية ملك قاصر وإقامة مجلس للوصاية عليه.

ومنذ ذلك الوقت أخذنا نفكر ونقدر تفكير الثائرين وتقديرهم، وأذكر أني أمليت حديثًا نشرته الأهرام تنبأت فيه بأن هذه الثورة ستكون لها آثار كبرى لا تقتصر على مصر وحدها ولكنها ستتجاوزها إلى بلاد أخرى، وقدرت أن هذه الآثار الكبرى ستكون أشبه شيء بآثار الثورة الفرنسية التي أيقظت الشعوب الأوروبية ودفعتها إلى المطالبة بالحرية ثم الظفر بها على رغم ما قام في سبيلها من المصاعب والعقبات.

وقد أظهرت الأعوام العشرة التي انقضت أني لم أكن مخطئًا في هذا التفكير والتقدير. ويكفي أن نذكر كيف كانت أفريقيا منذ عشر سنين وكيف هي الآن، وأن نذكر كيف كانت البلاد العربية منذ عشر سنين وكيف هي الآن؛ لنعرف أن ثورتنا لم تكتفِ بتغيير الحياة في وادي النيل وحده، ولكنها تجاوزته إلى بلاد كثيرة غيره. ويكفى أيضًا أن نذكر كيف كان الاستعمار منذ عشر سنين وننظر أين هو الآن وماذا بقي من سلطانه العريض؟

ولست أكتب الآن لأتحدث عن آثار الثورة في مصر من الناحية المادية، ولا عن الرقي المادي الذي أُتيح لها في هذه الأعوام العشرة، ولا عما أُتيح لمصر من فوز سياسي بجلاء الجيش البريطاني عنها وتحرير قناة السويس والخروج من أزمة هذه القناة كما خرجت منها ظافرة بتأييد العالم الحر كله، رغم ما أعلن عليها من حرب ورغم ما كان عليها من عدوان. ولا أكتب الآن عن المركز الممتاز الذي أُتيح للجمهورية العربية المتحدة في العالم الخارجي بعد انتصار الثورة على كل ما أُثير في سبيلها من المصاعب وما بث في طريقها من العقبات.

لا أكتب عن شيء من هذا كله؛ فقد عرفه الناس جميعًا وكثر القول فيه داخل الجمهورية العربية المتحدة وخارجها. وإنما أريد أن أتحدث عن شيء آخر طالما كنا نفكر فيه ونطيل الحديث عنه ونقدر له الزمان، كان يقصر في نظر بعضنا ويطول في نظر بعضنا الآخر: وهو التربية السياسية لشعب الجمهورية العربية المتحدة.

وكان أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد يقدر لهذه التربية السياسية سبعين عامًا، وكنا نجادله في ذلك، يستكثر بعضنا هذه العشرات السبع من السنين ويستقلها بعضنا الآخر، فأين نحن من هذه التربية السياسية الآن. أما أنا فأعتقد أن أعظم فوز أتيح للثورة إنما هو الفوز في ميدان التربية السياسية، لا أقول للشعب المصري وحده، بل لشعوب أخرى تعودَت أن تنظر إلى مصر وتتخذها قدوة وأسوة. ويكفي أن نفكر في الحياة السياسية التي كان الشعب المصري يحياها قبل هذه الأعوام العشرة وفي الحياة السياسية التي يحياها الآن؛ لنرى بُعد الأمد بين هاتين الحياتين.

لم يخطر لأحد قبل الثورة أن يستفتي الشعب المصري في أمر من أمور حياته العامة، لم يُستفت قط في الدستور الذي كان يُهدى إليه حينًا، ويُفرض عليه حينًا آخر، ويُنزع منه نزعًا في بعض الأحيان دون أن يقول الشعب في ذلك نعم أو لا، بل دون أن يكون له الحق في أن يقول إحدى هاتين الكلمتين.

وكان الأمراء والملوك يتبع بعضهم بعضًا ويتعاقبون على العرش دون أن يخطر لأحد أن يفكر في الشعب أراضٍ هو عن تعاقب هؤلاء الأمراء والملوك أو ساخط عليهم، وحين تفضَل ملك من الملوك فأنعم بالدستور على الشعب المصري كما كان يتفضل فينعم بالرتب والأوسمة على الأفراد. كان الذين يتحدثون فيما بينهم حديثًا أقرب إلى الهمس منه إلى الجهر عن أن الدستور حق من حقوق الشعب لا يُهدى إليه ولا يُنعَم به عليه وإنما يُرد إليه. والخير كل الخير في أن يكون الشعب هو الذي يضع هذا الدستور ويعلنه على أنه عقد بينه وبين الذين يتعاقبون على العرش من الأمراء والملوك.

كان هؤلاء الذين يتحدثون فيما بينهم بهذا الحديث قلة يمكن إحصاؤها في غير مشقة ولا جهد، وإذا أحصيت لم يبلغ أفرادها المائة بل لم يبلغ الخمسين.

ولا أتحدث عن الانتخابات البرلمانية، فالحديث عنها لم يصبح معادًا وإنما أصبح مملًّا. ولكني أذكر ذات يوم كانت القاهرة فيه مقبلة على الانتخابات للمجلس النيابي وكنا نؤدي واجباتنا في الجامعة، فكنا نسمع في حجرات الدرس وفي المكاتب دوي الطلقات النارية التي كانت تُطلق هنا وهناك في أنحاء المدينة تخويفًا للشعب أو تفريقًا للمتظاهرين. وأذكر أنَّا لم نستطع في ذلك اليوم أن نعود إلى بيوتنا في وقت الغداء، وإنما انتظرنا حتى ينقضي النهار وعدنا إلى دورنا مع الليل.

كذلك كانت الحياة السياسية قبل الثورة، كانت حرية الانتخاب في تلك الأيام أبغض شيء إلى الملوك وإلى بعض الأحزاب السياسية، ومهما أنسَ فلن أنسَ خطبة لرجل من رجال السياسة في أوائل الحياة النيابية التي أتيحت لمصر إثر صدور الدستور سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة وألف؛ فقد قال ذلك السياسي في خطبته تلك: لو أمرنا سعد أن ننتخب حجرًا لانتخبناه.

رحم اللَّه ذلك الخطيب وتجاوز له عن تلك الجملة التي ضحك منها الضاحكون في تلك الأيام.

فأين نحن من هذا الآن؟ نحن الآن بحيث يُستفتى الشعب في دستوره، ونحن الآن بحيث ينتخب الشعب رئيس الدولة، ونحن الآن بحيث يستطيع الأفراد — مثقفين كانوا أو غير مثقفين — أن يناقشوا رئيس الدولة مناقشة صريحة ليس فيها عوج ولا التواء.

رأينا ذلك في اللجنة التحضيرية، ورأيناه في المؤتمر الوطني الأخير، وسنراه من غير شك فيما سنستقبل من اجتماعات شعبية تدرس فيها المشكلات التي تتصل بالحياة العامة.

لم يكن يخطر لأحد قبل الثورة أنه سيُتاح للعمال والزراع أن يتحدثوا في المسائل العامة حديثًا صريحًا بمحضر من رئيس الدولة ونوابه وزملائهم الوزراء، وأن يكون لأحاديث العمال والزراع نفس الوزن الذي يقدر لأحاديث أساتذة الجامعة وكبار المثقفين وأولي الرأي في السياسة وغير السياسة مما يمس الحياة العامة.

ولست أزعم أن التربية السياسية للشعب المصري قد بلغت غايتها، ولست أزعم كذلك أن كل الذين يتحدثون في الشئون العامة أمام رئيس الجمهورية وزملائه يبلغون من الإخلاص والصراحة غايتهما، ولكني أعتقد أننا قد قطعنا في سبيل التربية السياسية شأوًا أبعد جدًّا مما كنا نقدر أو ننتظر.

وأزعم أيضًا أن الأمر بيننا وبين النضج السياسي لا يقدر بعشرات السنين، وإنما هو أقرب جدًّا مما يظن إذا مضينا في طريقنا إلى غايته وسنمضي فيه إلى غايته إن شاء اللَّه.

ولقد قرأت في بعض الصحف الفرنسية حديثًا أشفق فيه كاتبه على الشعب المصري وجمهوريته من هذا الإسراع الذي مضينا به إلى التربية السياسية. أشفق من إشراك العمال والزراع وطوائف الشعب على اختلافها في مناقشة المسائل العامة على النحو الذي كان في المؤتمر الوطني، مقدِّرًا أن هذا النمو نوع من المخاطرة بمستقبل الشعب؛ لأن هذه الطوائف كلها إذا أُتيح لها أن تعرف حقها كاملًا ليست مأمونة فيما يستقبل من الأيام؛ لأنها قد تطمع في أكثر من حقها، وقد تغلو في تقدير مركزها الاجتماعي والسياسي، وقد تندفع في ذلك إلى غير مدى.

وأعترف بأني ضحكت، بل غرقت في الضحك، حين قرأت هذا الكلام؛ فكاتبه لا يعرف الشعب المصري ولا يعلم أن الاعتدال طبيعة فيه، وأنه قد فُطر على القصد، وليس أبغض إليه من الشطط والإسراف.

والثورة المصرية نفسها أوضح دليل على ذلك، ولا سيما حين تُقاس إلى ثورات كثيرة شبَّت في الشرق والغرب جميعًا.

والفضل في هذا الذي أتيح لنا من التربية السياسية يرجع كله إلى رئيس الجمهورية، فهو الذي آثر أن يتحدث إلى الشعب في صراحة لا تشبهها صراحة وفي جلاء لا يشوبه لبس أو غموض، وهو الذي آثر ألا يخفي على الشعب شيئًا من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهو الذي آثر أن يعترف أمام الشعب في وضوح كل الوضوح بما قد تتورط فيه الحكومة من الأخطاء وبالطريق إلى إصلاح هذه الأخطاء.

وهو الذي كره أن يكون رئيسًا للجمهورية دون أن يكلفه الشعب هذه الرياسة، وهو الذي استفتى الشعب في الوحدة مع سوريا، وهو الذي دعا إلى عقد المؤتمرات الوطنية المختلفة وأنشأ اللجنة التحضيرية للمؤتمر الأخير، وعرض على المؤتمر نظام الحياة الجديدة التي يجب أن يحياها المصريون بل يجب أن تحياها الأمة العربية. وهو الذي قرر أن يكون للعمال والزراع نصف المجالس النيابية، وعرض ذلك على المؤتمر فيما عرض عليه من الميثاق ومن النظام السياسي للحياة الشعبية الجديدة، وأقل ما ينشأ عن هذا كله تبصير الشعب بواجباته أولًا وبحقوقه بعد ذلك، وليست التربية السياسية شيئًا إلا أن يتعلم الشعب ما يجب عليه أولًا وما يجب له أخيرًا.

فليس من الغلو ولا من السرف أن أقول إن مصر مدينة بهذه التربية السياسية للثورة ولرئيس الجمهورية خاصة، وليس من الغلو ولا من السرف ولا من محاولة التقرب إلى الرئيس أو ابتغاء الوسيلة إليه أن أقول إنه مربي الشعب حقًّا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.