السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

… أرجوكم أن تتكرموا … بشرح هذا الموضوع على صفحات الرسالة الغراء … وهو «المرأة سر غامض».

… هي الجميلة وهي القبيحة، هي الجنة وهي الجحيم، هي الخادعة الفاتنة وهي المخدوعة المفتونة، هي الكريمة المحسنة وهي الشريرة الظالمة، هي الضاحكة الباسمة وهي الباكية القاتمة، هي الوَفِيَّة المخلصة وهي الخائنة الغادرة … كل هذا وأكثر من هذا عند المرأة، وهو عندها في زمان واحد، وعندها في عقل واحد وقلب واحد … فهل لكم أن تتفضَّلوا بكشف الغطاء عن هذا السر العويص، وعن خفايا هذا القلب وهذا العقل الغامضين …

داود العارودي، بيت المقدس

***

كتاب جاءني من الأديب صاحب التوقيع واكتفيت منه بما نشرته؛ لأنه هو المقصود بالإجابة، ورأيت حقًّا أنه موضوع قديم حديث لا يزال الآن، ولن يزال إلى آخر الزمان، صالحًا للعودة إليه وزيادة القول فيه.

فالمرأة كما قال الأديب: شتيت من النقائض والصفات. ولا غرابة عندي في ذلك؛ لأن الغرابة إنما هي في الصورة التي نتلقاها وليست في الحقيقة التي تُلقي تلك الصورة على أبصارنا.

فمن شاء عجب واستغرب، ومن شاء نظر إلى السبب فبطل عنده العجب، وعلم أن النقائض في الظواهر إنما تقضي إلى باطن لا تناقُض فيه؛ لأنه مفهوم معقول على الوجه الذي ننتهي إليه، وليس هو في منتهاه ببعيد.

إذا عرف السبب بطَل العجب كما قيل.

وإنما نعرف السبب في تناقُض المرأة كلما اقتربنا — أولًا — من التفاهم على الشخصية الإنسانية، واقتربنا — ثانيًا — من التفاهُم على جوانب طبع المرأة، واقتربنا — ثالثًا — من فهم الأنوثة في جملتها.

فمصدر الخطأ كله في تصوُّر «الشخصية الإنسانية» أننا نتصورها شيئًا واحدًا لأنها تنطوي في اللغة تحت عنوان واحد. ولكن الواقع أن «الشخصية الإنسانية» سواء في الرجل أو المرأة هي أشياء لا تُحصى تنطوي تحت كلمة معدودة الحروف مجهولة الحدود.

فهي تختلف بين حالة وحالة، وتختلف بين سن وسن، وتختلف على حسب العلاقة بينها وبين هذا الإنسان أو ذاك الإنسان، وتختلف على حسب العلل والبواعث التي تحركها إلى الأعمال.

فهي في حالة الرضى والنعيم غيرها في حالة السخط والبأساء، وهي في الشباب الباكر غيرها في الكهولة أو الشيخوخة، وهي في معاملتها لفريق من الناس غيرها في معاملة أناس آخرين، وهي إذ تنبعث عن الطمع والخوف غيرها حين تنبعث عن النخوة والشجاعة.

فإذا صدرت عنها الأعمال مختلفات فلا عجب في ذلك؛ لأنها لا تأتي من مصدر واحد، ولا تزال لها مصادر متعددات.

ويقال هذا عن النساء كما يقال عن الرجال أو الأطفال، بل كما يقال عن الأشياء التي ليس لها حس ولا مشيئة.

إن «الشواء» مثلًا هو قوة وضعف، وهو دواء نافع وسم ناقع، وهو لذيذ وكريه، وهو غالٍ ورخيص.

وسبب ذلك أنه قد يأكله الطفل كما يأكله الرجل، وقد يأكله المريض كما يأكله الصحيح، وقد يجود صنعه وقد يسوء في يد الطاهي الواحد على حسب اختلاف الأوقات والأدوات، وقد يؤكل من السفود أو يؤكل باردًا بعد أيام.

وإذا جاز اختلاف الأثر إلى هذا المدى في صِنف من الطعام، فهو جائز إلى أبعد من هذا المدى في الخلائق الحية التي تتقلب بين الدوافع والطبائع كل حين.

***

أما التفاهُم على جوانب طبع المرأة، فنحن نقترب منه كلما أحضرنا في أخلادنا هذه الجوانب المتعدِّدة، وذكرنا أنها تجتمع في وقت واحد وتعمل في وقت واحد، فتأتي أعمالها متَّفِقات أو متناقضات على حسب الدواعي والغايات.

فالمرأة من جهةٍ فردٌ من أفرادِ نوع تستقل بوجودها الخاص بين جميع أفراد ذلك النوع، فهي هنا في مقام المناضلة عن استقلالها، أو مقام التضامن بالغريزة النوعية على تأبين الأحوال والعلاقات.

والمرأة من جهة ثانية هي عضو في بنية اجتماعية، هي الأمة أو المدينة أو القبيلة، وهي من ثَمَّ زوجة أو بنت أو أخت أو صاحبة عمل تجمعها بتلك البنية الاجتماعية صلة العُرف أو القانون، وتلك صلة أخرى غير صلة الغريزة النوعية، أو صلة الفرد بسائر الأفراد الذين يشاركونه في نوع واحد.

والمرأة من جهة غير هذه وتلك أنثى لها تركيب حيوي يربطها بمخلوق آخر، تنظر إليه نظرة غير نظرتها إلى الفرد أو إلى الشريك في البنية الاجتماعية.

وهي من جهة أخرى أُمٌّ تحب أبناءها بالغريزة والألفة، وهي كائن حي من حيث هي وليدة الحياة في جملتها، أيًّا كان النوع الذي تنتمي إليه، والأمة التي تعيش بينها، والعلاقات التي تجمعها بالزوج أو القرابة أو البنين.

هل كل أولئك معًا لا فكاك لبعضهم من بعض ولا افتراق؟

وليس من الضروري أن يتفق كل أولئك في الوقت الواحد على اتجاه واحد؛ لأن مطالب الفرد والزوجة والأم والحبيبة والكائن الحي قد تتعارض في مذاهبها وهي مجتمعة في بنية واحدة.

وليس من الضروري كذلك أن تكون المرأة أُمًّا بالفعل لتشعر بحُنُوِّ الأمومة؛ لأنها مخلوقة للأمومة قبل أن يولد لها الأبناء، وقد تكون الأم الوالدة أقل في حُنُوِّهَا من الفتاة العذراء، إذا طرأ للأم الوالدة ما يحجب فيها شعور الأمهات إلى حين.

لدينا إذن فرد يريد بفطرته الفردية أن يستقل عن جميع الأفراد الآخرين، سواء كانوا من الآباء أو الأمهات أو الأزواج، فلا يلبث أن يستقر فيه هذا الشعور الطبيعي، حتى ينازعه فيه شعور الأنثى التي تريد أن تنضوي إلى رجل تهواه، وقد ينازعها شعوران بل أكثر من شعورين إذا تعددت الصفات التي تستهويها من الرجال، وتفرقت بينهم على نحو يضلل الإرادة ويشتت الأهواء.

ولا تلبث أن تغالب استقلالها الفردي وتطاوع نزعتها الأنثوية، حتى يبرز لها المجتمع بحكمه الذي قد يخالف حكمها في الاختيار والترجيح، فيقودها إلى الجاه والمال وهي تنقاد إلى الفُتُوَّةِ والجمال، أو يلزمها الوفاء للزوج وهي تنظر إلى رجل آخر نظرة الأنثى التي سبقت بفطرتها قوانين الأمم وقواعد الآداب.

ولا تلبث أن تحتال على هذه البواعث حتى يغلبها حُنُوُّ الأمومة فيربطها بمكان لا تَوَدُّ البقاء فيه، أو ينهض الكائن الحي في نفسها نهضة لا تطيع باعثًا غير بواعث الحياة، بمعزل عن نزوة الأنثى وقانون المجتمع وغرائز الأمهات.

تناقض كهذا لا عجب فيه ولا مباينة للمعقول؛ لأن كل دافع من دوافعه مرجِعُه إلى سبب مفهوم موافق لسُنَّة الأحياء.

ثم يضاف إليه تناقض آخر يرجع إلى تعدُّد الدواعي في كل صفة من هذه الصفات.

ونكتفي بصفة واحدة؛ لأن توضيح الصفات جميعًا شرح يطول بنا في هذا المقام.

فالمرأة في صفة الأنوثة، وهي تنضوي إلى الذكورة، تحب الرجل الكريم؛ لأنه يغمرها بالنعمة، ويريحها من شدائد العيش، ويخصها بالزينة التي تزهيها وترضي كبرياءها بين النظيرات والمنافسات، فضلًا عمَّا في الكرم من معنى العظمة والاقتدار.

ولكنك قد ترى هذه المرأة بعينها تتعلق ببخيل لا ينفق ماله على زينة ولا متاع، فهل هي مناقضة لطبيعتها في هذا الانحراف العجيب؟

كلا، بل هي لا تناقض طبيعة الكبرياء نفسها التي ترضيها عن كرم الكريم؛ لأن المرأة يجرح كبرياءها أن ترى رجلًا يستكثر المال في سبيل مرضاتها، ومتى جُرِحَتِ المرأة في كبريائها أقبلت باهتمامها وحيلتها وغوايتها من حيث أصابها ذلك الجرح المثير، وليس أقرب من تحوُّل الاهتمام إلى التعلق في طبائع النساء.

فالنزعة الواحدة قد تكون سبيلًا إلى النقيضين في ظاهر الأعمال، ولكنهما نقيضان لا يلبثان أن يتَّفِقَا ويتوحَّدا عند المنبع الأصيل، متى عرفنا كيف تنتهي الردة إليه.

***

أما فهم الأنوثة على جملتها، فمن الحق أن نذكر أن الأنوثة درجات، وأن لها أطوارًا كثيرة بين الظهور والضمور؛ فليست كل امرأة أنثى من فرع رأسها إلى أخمص قدمها كما يُقال قديمًا في معنى التعميم والشمول، أو ليست كل امرأة أنثى مائة في المائة كما يقول الأوروبيون اليوم، بل ربما كانت فيها نوازع إلى الأنوثة، ونوازع أخرى إلى الرجولة، وربما كانت أنوثتها رهنًا بقوة في الرجل الذي يظهرها لا يتشابه فيها جميع الرجال، وربما كانت في بعض عوارضها الشهرية، وما شابهها من عوارض الحمل والولادة أقرب إلى الأنوثة الغالبة أو أقرب إلى الذكورة الغالبة، وهي العوارض التي كانت تحسب فيما مضى كلامًا من كلام المجاز، فأصبحت اليوم حقيقة علمية من حقائق الخلايا، وفصلًا مدروسًا من فصول علم الأجنة ووظائف الأعضاء.

***

وبعد، فالمرأة شخصية إنسانية لا تنحصر في لون واحد ولا يستغرقها الحس في علاقة واحدة.

وللمرأة صفات متعددة أو أدوار كثيرة تتمثل على مسرح النوع ومسرح المجتمع ومسرح الطبيعة والحياة.

وللمرأة أنوثة لا تستقر على حال بين الحدة والفتور وبين الظهور والضمور.

فأي عجب أن تختلف وتتناقض في لحظة واحدة؟ إنما العجب أن تختلف البواعث والأسباب ولا تختلف الأعمال والآثار.

ومع هذا كم يقول النساء عن تناقض الرجال ولا يخطئن المقال؟ كم يقلن إن الرجل «كالبحر المالح» لا يُعرف له صفاء من هياج؟ وكم يقلن إن فلانًا كشهر أمشير لا تدري متى تهب فيه الأعاصير؟ وكم تقول إحداهن للأخرى: «حبيبك في ليلك، عقرب في ذيلك؟» وكم لهن من أمثال هذه الأمثال مما لا يحفل به الرجال؟

إنهن لا يعنين بمقاربة الرجل من طريق الفهم، كما يعنين بمقاربته من طريق التأثير. ولو حاولن فهمه كما يحاولن التأثير فيه لخرجن به لغزًا من الألغاز أو أعجوبة من أعاجيب البحار في قديم الأسفار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.